آخر الأخبار

مستقبل السياسة العربية: مساحات الحركة والتغيير (1) مقاربة في أولويات العمل السياسي الإسلامي

2005-2-22 | محمد سليمان مستقبل السياسة العربية: مساحات الحركة والتغيير (1) مقاربة في أولويات العمل السياسي الإسلامي
تشير تقارير أمريكية إلى أن المرحلة القادمة ستشهد تغيرا سياسيا رئيسيا في العالم العربي، وبالتحديد منطقة الشرق الأوسط، وتتوقع هذه التقارير – وبعضها ذات طابع أمني– أن يصل الأمر إلى قيام حكومات إسلامية تصفها هذه الوثائق بأنها راديكالية، وأن يستمر الإسلام السياسي في التأثير وأن تزداد فعاليته في الساحة العربية. ومن النظم التي تتوقع هذه التقارير أن تتعرض للتغيير السياسي النظم رئيسية في المنطقة كإيران وبعض النظم العربية المركزية كالسعودية.
        في هذا المقال سأناقش التوقعات السابقة من خلال التساؤل عن اتجاهات التطور والتغير السياسي في العالم العربي، وفيما إذا كنا – فعلاً - على أعتاب "مرحلة سياسية عربية" جديدة تختلف في سماتها العامة عن المرحلة السابقة، ثم بناء اقتراحات ضمن أطر عامة تحدد المسارات ذات الأولوية والأفضلية في مستقبل العمل الإسلامي. من هنا سأتناول - في هذا المقال - المحاور التالية:
1- قراءة الحالة السياسية العربية الحالية وتحليل مقوماتها وشروطها، ومدى قدرتها على الاستجابة للمتغيرات والشروط الجديدة، من خلال رصد وتفكيك عناصر القوة والضعف في بنيتها العامة.
2- محاولة استشراف عوامل التأثير ومسارات الحركة والتغيير في السياسة العربية، ومناقشة الاحتمالات الرئيسية في هذا السياق.
3- ثم وضع مقاربة أولية تحدد قضايا مقترحة لبناء دليل العمل السياسي الإسلامي في المرحلة القادمة ...

-1-
السياسة العربية الراهنة بين مرحلتين:
تمر السياسية العربية الحالية نهاية في نهاية مرحلة يطلق عليها عدد من الكتاب والمثقفين العرب "الحقبة الوطنية"، والتي قامت تاريخيا على أنقاض مرحلة الاستعمار والجهاد الوطني وتكون الدولة القطرية، وقد تناغمت وتكيفت السياسة العربية في هذه الحقبة عمليا مع الصراع الأيدلوجي العالمي بين القوى الكبرى، الأمر الذي انعكس على الخيارات والتوجهات السياسية/الاجتماعية والايدلوجية فانقسم النظام الرسمي العربي بين اتجاهين: دول محافظة ذات ميول غربية أو مهادنة للغرب –على أقل تقدير– ودول ذات نزعة قومية اشتراكية اتجهت شرقا إلى الاتحاد السوفيتي.
وقد استمدت النظم العربية أسباب شرعيتها السياسية العملية من خلال بناء عدة تحالفات داخلية وإقليمية ودولية، أدت هذه التحالفات المتناغمة مع الشروط التاريخية وطبيعة النظام الدولي إلى تشكيل رافعة لتلك المرحلة السياسية، وضمان استمرارها طيلة الفترة الماضية، أي أثناء الحرب الباردة. بالإضافة إلى ذلك فقد تمسكت أغلب النظم العربية بأسس فكرية للمشروعية السياسية كمشروع الوحدة العربية، مشاريع التنمية والتطوير الصناعي، القضية الفلسطينية ومواجهة العدو الصهيوني، الشرعية التاريخية أو الدينية. وكانت هذه الحجج الفكرية مدعاة لمصادرة كثير من الحقوق السياسية الرئيسية والحريات العامة، وجرى تغليب اعتبارات الأمن على اعتبارات الحريات والمشاركة الشعبية.
بيد أنه ومع نهاية الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفيتي، وبروز بدايات عملية لنظام دولي جديد مختلف بالكلية عن النظام الدولي السابق ، بدأت جملة من الشروط التاريخية التي بنيت عليها توازنات تلك المرحلة بالسقوط تدريجيا، وأول النظم التي أصابتها الهزة العنيفة هي تلك النظم ذات الطابع القومي – الاشتراكي، والتي وجدت أن حليفها الدولي قد انهار، وأنها أمام خيارين اثنين: إما الدخول في إطار ما تطلق عليه الولايات المتحدة "مجموعة الدول المارقة"، وإما أن تقبل بعملية الإلحاق في السياسة الامريكية والعمل على تغيير جزء من تحالفاتها السابقة ومنطلقاتها الأيدلوجية، وكانت حرب الخليج الثانية تطبيقا عمليا لتغير قواعد وسمات النظام الدولي السابق.
لم تستطع السياسة العربية - في مرحلة التسعينات– اتخاذ رؤى وتطبيقات تتلاءم مع التغيرات الدولية والتحولات الشديدة في كثير من المفاهيم السياسية بفعل عوامل متعددة ومتشابكة (يصنفها كثير من الباحثين ضمن النسق العام لمنظومة العولمة: كالتطور في وسائل الاتصال والإعلام [ ثورة الأنفوميديا ]، وتزايد دور الشركات والمؤسسات الاقتصادية الدولية وعبر القومية، وانتشار مؤسسات المجتمع المدني في مختلف أرجاء العالم العربي والتي بدأت تساهم في رسم معالم مشهد سياسي عربي جديد)، وعلى الرغم من الضغوط والمتغيرات السابقة - والتي كانت تدفع باتجاه التغيير السياسي-، إلاّ أن النظم العربية استطاعت الحفاظ على قدر من التماسك الخارجي وإن كانت البنية التحتية السياسية ( وأهم ما فيها الرأي العام والمؤسسات غير الرسمية والتحالفات السياسية القائمة ) بدأت تتعرض بشكل عام إلى هزات عنيفة وقد ساعد النظام العربي الرسمي على الصمود في تلك الفترة ، وتأجيل استحقاقات التغيير السياسي المتزايدة ما يعتبره بعض الباحثين والخبراء الأمريكيين "السياسة الأمريكية اللينة أو المتراخية" تجاه الشرق الأوسط – أثناء فترة [ بيل كلنتون ]، وكذلك الأمر قوة المؤسسة الأمنية القمعية العربية التي ما زالت النظم السياسية العربية تتمتع بها.
ثم شهدت بداية هذا القرن الجديد متغيرات رئيسية جديدة أدت - هي الأخرى- بشكل مترابط ومتكامل إلى هزات أعنف وضربات أكبر للرافعة الموضوعية للحالة السياسية العربية السابقة، مما جعل هذه الحالة متهلهلة آيلة إلى السقوط في عيون كثير من الخبراء السياسيين ، خاصة الخبراء الأمريكان ( والذين يساهمون بدور كبير في توجيه السياسة الأمريكية )؛ ومن أبرز هذه المتغيرات حكومة الليكود بقيادة شارون، والتي جاءت على أثر انهيار محادثات كامب ديفيد 2 عام 2000، وسقوط حكومة العمل، ونهاية توجهات إدارة كلنتون مع انسداد أفق العملية السلمية والأحلام الكبرى بشرق أوسط جديد (الذي تمت صياغة أفكاره في أروقة حزب العمل وقبلت به وتبنته الإدارة الأمريكية والنظم العربية – الموسومة بالمعتدلة وفقا للتصنيف الأمريكي)، وقد زادت حكومة الليكود المتطرفة في مأزق الحالة العربية في عدة اتجاهات: إذ قيضت بشكل بنيوي وكبير مشروع السلام الذي آملت عليه النظم العربية المحافظة، أن يؤدي إلى التخلص من كثير من مشكلاتها الاقتصادية والأمنية والسياسية ، كما أن حكومة شارون أحرجت النظم العربية بشكل كبير بحيث أظهرت عجز هذه النظم عن القيام بأي دور ضد الكيان الصهيوني ولصالح الشعب المغلوب والأسير في فلسطين، وبدت المفارقة واضحة في أعين الشعوب العربية كافة - وبالرؤية المجردة – بين تسلط هذه النظم وتجبرها في الداخل على شعوبها وبين عجزها وضعفها وتهافتها تجاه الكيان الصهيوني، ولم يبق للنظم العربية أية شرعية سياسية تذكر تستند إلى مواجهة المشروع الصهيوني.
ومن المتغيرات الأخرى وصول المحافظين الجدد إلى إدارة البيت الأبيض، وهم يحملون مشروعا سياسيا أيدلوجيا متعصبا غارقا في أحلام استعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية، وبناء سلام أمريكي جديد على غرار السلام الروماني. هذا المشروع المعد سلفا والجاهز للتنفيذ وخاصة في منطقة الشرق الأوسط - وهي موضع اهتمام وتفكير صقور الإدارة الأمريكية ومن مدخل العراق-، وجاء العامل الآخر وهو أحداث أيلول لتكون بمثابة المحفز الاستراتيجي لتنفيذ مشروع المحافظين الجدد من خلال ناظم وإطار جديد ( يتضمن توكيد الهيمنة الأمريكية ) وهو "الحرب على الإرهاب".
ربما ما يعنيا في استقراء أثر المتغيرات والعوامل الجديدة على الحالة السياسية العربية أنها عملت على نقل هذه الحالة من مرحلة الأزمة إلى مرحلة المأزق الشديد وساهمت بشكل كبير في انهيار المشروعية المتبقية في رفع الحالة السياسية العربية وإبقائها ولو في وضع مترهل، وبدت عوامل النخر الفاعلة في بنية الرافعة الموضوعية التاريخية لتلك الحالة قوية ومصممة على إسقاطها نهائيا. وقد تجلت عوامل الضعف الشديد في السياسة العربية وتهافتها الكبير أمام المتغيرات والتطورات من خلال الحرب العراقية الأخيرة وسقوط بغداد السريع، والذي ترك بصمته الشديدة على طبيعة المرحلة السياسية الراهنة والتي يمكن وصفها بـ"الانتقالية".
ويمكن القول: إن الخبراء الأمريكان بل والإدارة الأمريكية أدركت بشكل كبير عجز السياسة العربية الحالية عن حمل المشروع الأمريكي، بل وحمّل الأمريكان هذه السياسة مسؤولية أحداث سبتمبر وتوفير التربة الخصبة لنمو الإرهاب الدولي الإسلامي، وهو انعكاس طبيعي لظروف التهميش الاقتصادي والفساد السياسي. ورأت مراكز التفكير المرتبطة بالإدارة الأمريكية أن المطالبة بنظم سياسية عربية ذات توجهات ليبرالية غربية أقل فسادا وتحمل منظومة قيمية غربية على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي هو أحد واهم أدوات المواجهة مع الأصولية الإسلامية . وربما نتجت هذه الرؤية عن رسوخ فرضية قوية داخل الإدارة الأمريكية منبعها استشراقي بأن الشرق الأوسط على مفترق طرق إما الليبرالية الغربية وإما الأصولية الإسلامية ، والتي تمثل صدى للفشل العام وتعبر عن الخطاب العدمي في المنطقة وفق التصور الأمريكي.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر