مبادرة الشيخ الحوالي: بين عنف الفرد وعنف الدولة (2)

2005-2-22 | د. محمد بن المختار الشنقيطي مبادرة الشيخ الحوالي: بين عنف الفرد وعنف الدولة (2)
ومن المآخذ التي يمكن أخذها على مبادرة الشيخ الحوالي أنها غير منسجمة مع سلم الأولويات كما تصوره وعبر عنه الشيخ الحوالي نفسه من قبل، في مقاله العميق: "هل تكسب أمريكا هذه الحرب"؟، حينما قال: "وإجمالاً إن لم تغير الحكومات من سياساتها تجاه شباب الصحوة - بنفس القدر الذي تطالب به أمريكا بتغيير سياستها تجاه الانتفاضة- وإن لم تعتبر بهذه الأحداث وتداعياتها المتلاحقة فسوف تدفع ثمناً غالياً قد تضطرها أمريكا نفسها لدفعه".
فهذا هو ترتيب الأمور كما تصوره الشيخ من قبل، وهو ترتيب دقيق تماما، يضع كل شيء في موضعه. ولا يخلط النتائج بالأسباب، أو الأعراض بالأمراض.
ومع ذلك فإن أخذ مبادرة الشيخ الحوالي في سياقها السياسي قد يدفع المحلل إلى تفهمها، حتى وإن لم يوافق عليها، فقد أحاطت ظروف وملابسات معقدة بالمبادرة، منها "الجرأة" التي بدأ يتسم بها خطاب بعض المكونات الطائفية في السعودية، استفادة من الهجمة الأمريكية على الخطاب السلفي السائد، ووصمه بصفة الإرهاب. وهو ما يدفع بعض المصلحين في السعودية – وقد اعتادوا التعامل مع المخالف الداخلي بسلطان الدولة - إلى محاولة تجديد العقد القديم بين الأمراء والعلماء، لحماية المكتسبات الدينية للدولة، ولعل مبادرة الشيخ الحوالي جزء من هذا المسعى، وقد عبر الشيخ من قبل عن مبالغة الشيعة السعوديين في التعبير عن حقوقهم ومصالحهم، مما سيؤدي إلى "تحكم الأقلية في الأكثرية" حسب تعبيره، كما تحدث عن "قطع الطريق على أعداء الإسلام والسّنة الذين يريدون استمرار الفتنة وتأجيج نارها" وهو ما يحمل إيحاء مشابها.
لكن المصلحين الذين يحتفظون بأمل العقد القديم ينسون أن الأمراء السعوديين مفعول بهم لا فاعلين، وأن الرجوع إلى بنود العقد القديم في ظل الواقع السياسي الحالي أمر لا يريده الأمراء المتحكمون، ولا يستطيعه العلماء المخلصون. كما ينسون أن إخماد الفتنة لن يكون بالتحيز إلى الحكام على حساب قطاعات من الشعب لها مطالبها الشرعية، في السياسات الداخلية والخاجية، سواء كانت هذه القطاعات منسجمة مع الرؤية السلفية أم لا.
ومن الظروف المحيطة بالمبادرة اتساع الثغرات الاجتماعية داخل المجتمع السعودي مؤخرا، مثل تصاعد الحساسيات الإقليمية التاريخية بين بعض الحجازيين من أبناء المملكة وإخوانهم النجديين. ومنها وجود بعض الصوفيين وغيرهم من الطوائف التي لا تشارك السلفيين مذهبهم الفكري الرسمي، وهي الآن تطمح إلى اعتراف بها وإسماع صوتها ضمن "الحوار الوطني" و"الحل الوطني".
وقد اعتاد علماء السلفية في السعودية استخدام الأمراء في معركتهم مع المخالف، مقابل إسباغ الشرعية على سلطة الأمراء غير الشرعية، وذلك عصر ولى إلى غير رجعة. فالإصلاح لن ينجح في السعودية اليوم إلا إذا تخلى عن فكرة استخدام سلطان الدولة لفرض "منهج أهل السنة والجماعة"، واتجه إلى سلطان المجتمع الذي هو أضمن وأبقى. وقد أحسن د. عبد الله بن ناصر الصبيح حين عبر عن هذه الفكرة في دراسته القيمة :"سنة أولى عنف" المنشور على موقع "الإسلام اليوم"، فدعا إلى الاستعاضة عن الرقابة الأمنية على الأفكار بالرقابة الاجتماعية عليها. وذلك هو الحل لمشكلة عميقة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر الذي لا يثق كثيرا في المجتمع، ويرى الدولة محضن كل شر، ومجلب كل خير.
ومن الملابسات المحيطة بالمبادرة كذلك التركيز من طرف السلطة وآلتها الإعلامية في السعودية على اتهام المصلحين بأنهم لم يميزوا أنفسهم عن تيار العنف، وأنهم يغذونه فكريا ونفسيا، وهو ما جعل بعض الإصلاحيين يبالغون في دفع التهمة عن أنفسهم في ردة فعل غير متوازنة سياسيا، بل ومثيرة للاستغراب شرعيا، ويحاولون أن يقوموا بدور ما لوقف العنف، دون التحفظ اللازم من استغلال جهدهم في غير ما يريدون، مثل إسباغ الشرعية على ظلم الحكام أمام عامة الناس، ممن لا يحسنون التمييز بين الاستراتيجي والتكتيكي في الموقف الإصلاحي.
ومهما يكن فإن ثقافة تلح على "طاعة ولي الأمر" في وقت خان فيه ولي الأمر أمانته، وتؤكد على "الخوف من الفتنة" مع تجاهل أهم أسابابها وهو الظلم السياسي والاجتماعي.. ثقافة غير واعية ولا عملية في وقت الأمة الحاضر، فضلا عن ضعف أسسها الشرعية، وانتقائيتها التأصيلية.
كما يحتاج المصلحون إلى التخفف من العنف الفكري واللغوي، وبلورة خطاب سياسي أكثر مرونة واستيعابا في التعامل مع عوام الأمة من الخطاب الإقصائي الذي كان سائدا لدى المدرسة السلفية من قبل. ولن يكون ذلك بفرض ترجيحات اعتقادية اجتهادية أو فقهية فروعية على ترجيحات أخرى بمنطق التكفير والتبديع، بل بالاعتراف بحق الاختلاف، والتعويل على الحوار مع المخالف، والسعي إلى إقناعه وحسن الظن به، وإيكال سريرته إلى الله، بدلا من السعي إلى تجريمه وإدانته والتشهير به.
إن الجفاء الذي طبع تعامل المدرسة السلفية مع مخالفيها من مبتدعة المسلمين من الأمور التي لا تزال تحول دون صياغة خطاب مستوعِب، يراعي ظروف الطوارئ التي تعيشها اللأمة، ويسد الثغرات أمام الطامع الخارجي. والحاجة اليوم إلى هذا الخطاب الاستيعابي حاجة شرعية واستراتيجية. والأمل معقود - بعد الله تعالى - على العلماء المصلحين في السعودية كالشيخ الحوالي وصحبه، لتدارك هذا الأمر قبل فوات الأوان، وقبل أن يصبح ملف الأقليات والانسجام الاجتماعي في المملكة في أيد أجنبية، كما حدث في العراق. فالانشغال بهذا أولى من الانشغال بقياسات فرعية جزئية مثل حديث الشيخ الحوالي عن "مشروعية إسقاط الحق الخاص عن المطلوبين" أو مشروعية عدم الصلاة على قتلاهم..الخ مع إغفال الحديث عن مشروعية العفو عن الحقوق العامة الكثيرة وتضييع الأمانة من طرف الأمراء..الخ فما تحتاجه بلاد الحرمين اليوم أكبر بكثير من فروع الفقه المبتورة عن سياقها، إنها تحتاج خطابا سياسيا شرعيا يصر على إصلاح الشأن العام، ويرفض الانشغال بالترقيع الجزئي، ويستوعب كافة أبناء المملكة من كل المذاهب والمشارب تحت مسمى الإسلام الواسع: "هو سماكم المسلمين من قبل"، والتخفف من المذهبية الفكرية الصارمة، حتى ينفرج الكرب، وتخف وطأة المخاطر الخارجية المحدقة، والنخر الداخلي المزمن.
ولا يوجد أبلغ تعبيرا عن هذا الفكر الاستيعابي من الدكتور الحوالي نفسه، الذي أصل للمسألة وبسط الحديث عنها في قوله: يجب "نبذ التقسيمات التي حصر بها بعض طلبة العلم الاهتمام بالدين على فئة معينة سموها "الملتزمين" فالأمة كلها مطالبة بنصرة الدين. وكل مسلم لا يخلو من خير. والإيمان شُعَب منها الظاهر ومنها الباطن، ورب ذي مظهر إيماني وقلبه خاوٍِ أو غافل، ورب ذي مظهر لا يدل على ما في قلبه من خير وما في عقله من حكمة ورشد ... وهذا جيش النبي صلى الله عليه وسلم خير الجيوش لم يكن من السابقين الأولين محضاً بل كان فيه الأعراب الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، وفيه مَن خَلَط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وفيه المُرجَون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، وفيه من قاتل حمية عن أحساب قومه فضلاً عن المنافقين المعلومين وغير المعلومين، وإنما العبرة بالمنهج والراية والنفوذ التي لم تكن إلا بيد النبي صلى الله عليه وسلم ثم بيد أهل السابقة والثقة والاستقامة من بعده.. فالمجاهد الفاسق – بأي نوع من أنواع الجهاد والنصرة – خير من الصالح القاعد في هذه الحالة".
ويبقى الفضل للدكتور سفر الحوالي في تقدمه بمادرة جريئة، سواء وافق الآخرون على حكمتها السياسية في السياق الحالي أم لم يوافقوا. فهو يستحق الثناء على المحاولة، وهو مأجور على الاجتهاد في كل الأحوال.
كما يبقى على الذين انبروا للدفاع عن شخص الشيخ الكريم أن يفهموا أن نقدنا للمبادرة في صورتها وإخراجها السياسي، ليس اعتراضا على أصل المبادرة، ولا تطاولا على مقام الشيخ، ولا تشكيكا في إخلاصه – معاذ الله من ذلك – فنحن أول من يعترف بالحاجة إلى صوت العقل والعلم في المحنة الحالية، وأول من يعترف للشيخ الحوالي - أعزه الله - بالعلم والفضل، وبالشجاعة الفكرية والأخلاقية في وجه الوثنية السياسية التي يريد البعض فرضها على بلد التوحيد. ونٍسأل الله أن يديم عليه فضله علما هاديا، ومنارة للعلم والرشاد، وأن يحفظ للبلد الأمين أمنه وسلامه بالحق والعدل والحرية.
-----------------
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

فوازز

بهذا المقال تتضح الرؤية وتكون لغة الخطاب أكثر دقه وجلاء .. وأنتمى من الإخوة الذين قرؤا المقال الأول أن يعيدوا قراءة هذا المقال أكثر من مرة . وأن كنت أرى أن هذا المقال استوعب الفكرة الأساسية من بدايته حتىى نهايته وهو ما لم يتوفر في المقال السابق ...

الأستاذ محمد . لا تظن يوماً أنك تنفخ في الهواء أو تنحت في الماء ( لا والله ) بل لا زلنا وما زلنا نستفيد مما تكتبه أنت والأخ خالد حسن والدكتور محمد الأحمري حفظكم الله لنستبين الخطوط العريضة لمشروعنا الإسلامي - وهذا مما يأسف الشخص عليه - غاب خطابنا مدة طويله وغبنا معه ولم نفق إلا على ملابسات وصراعات هامشيه ..

أنا لي عتب على لغة المقال الأول لأنه فيه شيء من الشدة واستخدام لغة لم نتعود عليها حقيقة مع مشائخنا فجاء هذا المقال ليضع النقاط على الحروف

استاذنا متى يأذن الله بنشر ما وعتدنا به في مقدمة كتابك الميمون الخلافات السياسية بين الصحابة وهما كتابا ( السنة السياسية ) و ( الشرعية السياسية )

حفظك ربي وجازاك على ما تبذله من نشر للعلم والفكر محبك فواز


فواز

الأستا


فوازز

بهذا المقال تتضح الرؤية وتكون لغة الخطاب أكثر دقه وجلاء .. وأنتمى من الإخوة الذين قرؤا المقال الأول أن يعيدوا قراءة هذا المقال أكثر من مرة . وأن كنت أرى أن هذا المقال استوعب الفكرة الأساسية من بدايته حتىى نهايته وهو ما لم يتوفر في المقال السابق ...

الأستاذ محمد . لا تظن يوماً أنك تنفخ في الهواء أو تنحت في الماء ( لا والله ) بل لا زلنا وما زلنا نستفيد مما تكتبه أنت والأخ خالد حسن والدكتور محمد الأحمري حفظكم الله لنستبين الخطوط العريضة لمشروعنا الإسلامي - وهذا مما يأسف الشخص عليه - غاب خطابنا مدة طويله وغبنا معه ولم نفق إلا على ملابسات وصراعات هامشيه ..

أنا لي عتب على لغة المقال الأول لأنه فيه شيء من الشدة واستخدام لغة لم نتعود عليها حقيقة مع مشائخنا فجاء هذا المقال ليضع النقاط على الحروف

استاذنا متى يأذن الله بنشر ما وعتدنا به في مقدمة كتابك الميمون الخلافات السياسية بين الصحابة وهما كتابا ( السنة السياسية ) و ( الشرعية السياسية )

حفظك ربي وجازاك على ما تبذله من نشر للعلم والفكر محبك فواز