مبادرة الحوالي.. ' قراءة متأنية'

2005-2-22 | محمد سليمان مبادرة الحوالي.. ' قراءة متأنية'
شهدت السعودية تحولات عميقة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أصابت هذه التحولات كلا من المجتمع والدولة، ونقلت السعودية إلى مرحلة جديدة، ظهرت من خلالها معالم فوضى سياسية، واضطراب اجتماعي كبير، وخرجت كثيرا من الإشارات المكبوتة إلى العلن، في حين تفجرت حالة الغضب والملل من قبل الشباب اتجاه الوضع القائم.
ويبدو جليا أن الكل ما زال في حالة "الصدمة" وأن الجهود على الرغم من تنوعها وتعددها تعود إلى المربع الأول: إلى حالة الصراع الداخلي، الأمر الذي دفع بعدد من الخبراء الأميركان إلى إطلاق مصطلح "الحرب الأهلية" أو الفوضى –على حد تعبير "مايكل سكوت دوران"- على الوضع الداخلي في المملكة.
هذه الظروف فرضت نفسها على السلوك السياسي لمختلف القوى السعودية، وكان العنف الموجود أحد "إفرازاتها" الخطيرة، والذي جاء توقيته في ظل حملة عالمية وأميركية تتهم العقيدة الوهابية والحركة السلفية والمال السعودي بالوقوف وراء الإرهاب العالمي، فجاء العنف ليؤكد عمق الأزمة ومدى اختلال التوازن الاجتماعي، ويزيد من الضغوط الغربية على الحكومة للقيام بعملية تعديل على المناهج التربوية، والقيام بإصلاحات بنيوية، لم تكن الأوضاع مهيأة لها، وكانت ستؤدي إلى مزيد من الفوضى الداخلية، نظرا لتأصل المزاج الديني في المجتمع.
فالعنف في إدارة الصراع الداخلي -في أغلب الأحيان- غير مشروع، ويؤدي إلى "مفاسد كبرى"، كما حدث في حالات عربية متعددة، لكن في السعودية جاء بنتائج سلبية أكبر وأخطر على الجميع، نظرا لصعوبة الظروف الحالية، وخطورة المآلات المترتبة على اتساع مساحة العنف والعنف المضاد.
من التيارات الرئيسة التي تحملت مسؤولية كبيرة في التعامل مع التحولات الجديدة التيار الإصلاحي، والذي أدرك تماما حجم التحولات وعمقها، الأمر الذي انعكس على خطابه اتجاه السلطة وعلاقته معها، والقبول بنوع من الانفتاح المبرمج المحدود سعيا لإصلاح أكبر في المرحلة القادمة، وتجاوزا للظروف الموجودة والحالة الحرجة، وبالتالي كانت رؤية التيار الإصلاحي أن العنف الموجود لا يخدم مسيرة الإصلاح في البلاد وسيعمق المأزق، وسيؤدي إلى نتائج وخيمة، فظهر الخطاب الإصلاح مندفعا بقوة في مواجهة موجة العنف، واندفاع الشباب الجهادي المتحمس، ولم يكن الأمر من باب الدفاع عن السلطة، بمقدار ما كان يعني تجنيب الشباب معارك خاسرة ابتداء، ومحرقة كبيرة نتيجة العاطفة والانفعال والاندفاع.
وربما أخذ كثير منا على خطاب التيار الإصلاحي اندفاعه ضد التيار الجهادي والعنف الصادر منه، دون تأكيد في مقابل ذلك على دور السلطة والظروف السياسية والاقتصادية في انتاج العنف والتطرف السياسي والديني المضاد، ولكن والحق يقال – على الرغم من التأكيد من ناحية مبدئية على أهمية التوازن في خطاب الإصلاحيين وعدم تقديم تنازلات مجانية للسلطة، وتحمل نيابة عنها أخطاءها وفسادها- ، فإن التيار الإصلاحي كان متقدما في إدراك عجز السلطة عن القيام بالإصلاحات المطلوبة دفعة واحدة، وحاجته إلى وضع قدمه في داخل الحياة السياسية لأخذ المشروعية الداخلية والخارجية، كي يستطيع التحول إلى فاعل رئيس في الداخل يدفع باتجاه الإصلاح المطلوب، وهذه خطوة تحسب للتيار الإصلاحي ابتداء، وإن كان هناك اختلال في التوازن وفي الطرح، أدى إلى نتائج سلبية!.
على العموم فقد جاءت مبادرة سفر الحوالي في إطار هذه القراءة لمآلات العنف، ومصائر أبناء التيار الجهادي الذين تورطوا فيه، والمبادرة من حيث المبدأ سلوك نبيل ورفيع للشيخ سفر، الذي تعرّض لاتهامات وهجوم إعلامي مجحف من قبل مختلف القوى السياسية نظرا لمواقفه المعتدلة، والتي تحمل اتزانا أكثر من بعض القيادات الإصلاحية، الأمر الذي لم يرض السلطة، وبنفس الوقت لم يقبل به أبناء التيار الجهادي، وقد كتب أحدهم – من الجزائر!- كتابا بعنوان "الخونة"!، نال الحوالي نصيبا وافرا من اتهامات الكاتب وتجريحه، ناهيك عن موقف التيار الليبرالي العلماني الذي يجد في الحوالي رمزا للأصولية الإسلامية، والإعلام الغربي كذلك.
لم يطرح الحوالي مبادرته كسياسي محترف، يريد العودة إلى الأضواء، -كما صور ذلك [للأسف] بعض الكتاب والمحللين-وإنما كعالم وداعية يضع يده على قلبه خوفا على الشباب السعودي الجهادي الذي يسير وراء انفعالاته وعواطفه من مصائر محتومة، وطريق نهايته واضحة، بعيدا عن جدل الأسباب الموضوعية والنتائج، لأن الجدل الإعلامي والسياسي لم يكن ليمنع من استمرار حالة العنف، وبالتالي عندما أتى العفو الملكي، وجد فيه الحوالي فرصة سانحة لاستثماره وإنقاذ العديد من الشباب، وتخفيف الجوانب السلبية، بلا شك لم تكن "صيغة العفو" مرضية ومقنعة، لكنها "أخف الضررين" وأهون الشرين، وما لا يدرك كله لا يترك جله.
من ناحية أخرى لم تكن مبادرة الحوالي تعني بأي حال من الأحوال إعفاء السلطة من مسؤوليتها، ومباركة لجهودها الأمنية ضد الشباب الجهادي، بل إن خطاب الحوالي كان أكثر الخطابات الإصلاحية توازنا في قراءة حالة العنف، وفي مطالبة الحكومة بالإصلاح العام، بعيدا عن الحل الأمني المنفرد. والغريب أن يتجاوز كثير من المحللين كل مواقف الرجل وخطابه السياسي الواضح المعلن، ليستنتجوا نتائج ملتبسة من "المبادرة"!.
على أي حال انتهت المبادرة، وانتهت فترة العفو، وبقي القول الآن إن الدكتور سفر وإخوانه من قادة الإصلاح مطالبون بدرجة كبيرة بقراءة الظروف والعمل على توحيد الخطاب والسلوك، وصولا إلى تعزيز المصالح والإيجابيات والتقليل من السلبيات، فالمرحلة حساسة وانتقالية وتستدعي تفكيرا جماعيا يعطي زخما لمشروع الإصلاح المأمول..

تم غلق التعليقات على هذا الخبر