قراءة في مبادرة الدكتور سفر الحوالي لوقف العنف (2) الأبعاد السياسية للمبادرة ..

2005-2-22 | المحرر السياسي قراءة في مبادرة الدكتور سفر الحوالي لوقف العنف (2) الأبعاد السياسية للمبادرة ..
تثار عدة تساؤلات حول أهداف المبادرة وأبعادها السياسية على عدة مستويات : المستوى الأول توجهات السلطة إزاء المبادرة ودور الدكتور الحوالي القادم، والمستوى الثاني التيار الإصلاحي وتصوراته للمبادرة وللخروج من الأزمة الأمنية، أما المستوى الثالث فيرتبط برؤية الحوالي للمرحلة القادمة وطبيعة الحركة المطلوبة وأولوياتها ..
فعلى المستوى الأول من التحليل تبدو هناك عدة احتمالات يتمثل الاحتمال الأول بأنّ العفو الملكي ومبادرة الدكتور الحوالي قد تمت وفق ترتيب مشترك، يتضمن وعود بالرفق بالمطلوبين وبتخفيف الأحكام، في حالة قاموا بتسليم أنفسهم، دون وجود ضمانات حقيقية لإعطاء مبادرة الحوالي أهمية أو مشروعية، كما أنّ الاحتمال قائم هنا على أنّ الاتفاق مع الحوالي لا يعدو أن يكون استثمارا سياسيا لرصيده الاجتماعي الكبير ومصداقيته الواضحة لدى مختلف التيارات الإسلامية.
بيد أنّ هناك احتمالا آخر يقوم على وجود حالة من الاستقطاب داخل مؤسسة الحكم، وأن دور الدكتور الحوالي تم بالتنسيق مع بعض أطراف النخبة السياسية بغية الدفاع عن الدور التقليدي للحكومة السعودية في دعم الدعوة السلفية ومساندتها، والذي يمكن أن يتم في هذه المرحلة من خلال التوافق مع التيار الإصلاحي. بمعنى آخر: إن مبادرة الحوالي لو كتب لها النجاح فإنها ستؤدي إلى تعزيز الرؤية التي يتبناها بعض أطراف الحكم والقائمة على أهمية التيار الإصلاحي ودوره في المرحلة القادمة في البلاد .
ولا تبدو هناك مؤشرات على توجه عام لدى الحكم بإجراء مراجعة عامة للحالة السياسية، يقوم على وضع الأزمة الأمنية في سياقها الطبيعي ضمن معادلة سببية تربط العامل الأمني بالظروف السياسية الاقتصادية، وبالتالي لا تخرج هذه المبادرة ( في إطار رؤية الحكم) عن إفساح المجال لتسليم المطلوبين أنفسهم سلميا دون اضطرار قوات الأمن إلى المبادرة إلى قتلهم وفق التعليمات الأخيرة التي صدرت إليهم .
أمّا بخصوص التيار الإصلاحي، فهناك جدل كبير - اليوم – حول مشروع هذا التيار وقراءته للمرحلة السياسية القادمة، وفيما إذا كان هناك توافق على تصور منهجي بين رموز هذا التيار وقياداته: على هذا الصعيد شهدت السنوات الأخيرة تطورا كبيرا في خطاب الإصلاحيين وسلوكهم، وتحولوا من التأكيد السابق على ضرورة قيام السلطة بإصلاحات بنيوية رئيسة إلى الوقوف مع الدولة في مواجهة الهجوم والضغوط الأمريكية عليها للتخلي عن وظيفتها الدينية وعن دعمها ومساندتها للدعوة الوهابية، وشكّل الإصلاحيون حالة متقدمة – بحق – في بناء الخطاب السياسي السعودي ضد الهجوم السابق، وربما تكون الرسالة المتميزة التي حشدوا النخبة المثقفة لتأييدها تأكيدا على هذا الدور، وهي رسالة "على أي أساس نتعايش؟" ردا على رسالة المثقفين الأمريكان "على أي أساس نقاتل".
وظهر التحول في خطاب التيار الإصلاحي – كذلك – من خلال الاعتدال والتوازن في رؤيته لأحداث أيلول والحرب الأفغانية، ومآلات الأمور في العراق؛ إذ رفضوا منطق العمل المسلّح في إدارة الصراع الداخلي، ولم يقبلوا بإعطاء الشباب السعودي المتعطش للكرامة المشروعية للذهاب إلى الجهاد ضد الأمريكان سواء في العراق أو فلسطين، انطلاقا من قراءة معمقة للظروف الإقليمية والدولية ومصائر هذه الحروب، ومارسوا ضغوطا ناجحة على الحكم السعودي في سبيل عدم السماح بانطلاق الغزو الأمريكي إلى العراق من الأراضي السعودية، الأمر الذي تمّ بنجاح كبير.
بيد أنّ الأمر الذي أثار الجدل الكبير بين مختلف أطراف الحياة السياسية والثقافية السعودية هو موقف التيار الإصلاحي من العنف؛ إذ رأى التيار العلماني فيه تناقضا بين الخطابات والمواقف التي تنتقد أعمال العنف وتهاجمها وبين المواقف التي تقوم على محاولة ربط العنف بالأسباب السياسية والاقتصادية – كما هو الحال في بيان الجبهة الداخلية – الذي وقّع عليه عدد من قادة الإصلاح ويدعو إلى حماية الجبهة الداخلية من خلال تجديد التعاقد بين السلطة وبين قادة الإصلاح في التأكيد على التحالف الداخلي لمواجهة التحديات المختلفة، وقد وصل إلى الاستنتاج السابق "مايكل سكوت دوران" في مقال نُشر مؤخرا له في مجلة Foreign Affairs بعنوان "التناقض السعودي".
بينما المؤشر الرئيس في الفترة الأخيرة هو الاشتباك الكبير بين التيار الإصلاحي والتيار الجهادي في الموقف من العمليات العسكرية، الأمر الذي تعكس أحد وجوهه مواقع الإنترنت ( وهي بالمناسبة أحد أبرز أدوات قياس الرأي العام السعودي واتجاهاته – في هذه المرحلة – في ظل غياب أدوات التعبير الأخرى )، ومن الواضح أن هناك "مواجهة باردة " بين التيارين في المساجد والمنتديات وفي عملية التجنيد السياسي للشباب السعودي.
بلا شك فإنّ رؤية الإصلاحيين للأزمة ولإدارة الصراع الداخلي أعمق من رؤية التيار الجهادي، بل وأقرب إلى المنطق الشرعي والأخلاقي الذي تقوم عليه الدعوة الإسلامية، إلاّ أن ما أثار مستوى عميقا من الجدال حتى داخل التيار الإصلاحي ذاته هو تبني الإصلاحيين لرؤية السلطة ضد الجهاديين، وتغاضيهم تماما عن ممارسات السلطة، بل وانحيازهم الكامل لها؛ مما جعل الأمر يبدو وكأنه تحالف مشترك بين الطرفين ضد التيار الجهادي، والتخفيف في ذات الوقت من خطاب الإصلاحيين بالمطالبة بإصلاحات سياسية بنيوية في مجال الحريات الشرعية وحقوق الإنسان.
من هنا فإن أحد الأبعاد المحتملة لمبادرة الحوالي أنها تأتي للتخفيف من حدة الاشتباك والحرب الباردة مع التيار الجهادي، والرجوع بالتيار الإصلاحي إلى منطق الاعتدال والاتزان في قراءة الأزمة الأمنية، وإلى دور "الوسيط" بين الطرفين وليس دور الـ "ضد" للجهاديين، من هنا فإن التساؤل يتمثل في طبيعة المرحلة القادمة حول تداعيات هذه المبادرة ونتائجها المحتملة على العلاقة بين الأطراف الثلاثة: الحكم والجهاديين والإصلاحيين.
وتجدر الإشارة - في هذا السياق – إلى أن النظر إلى المبادرة ينبغي أن يتم في سياق قراءة عامة لدور التيار الإصلاحي وتحولات السياسة السعودية، وليس فقط في إطار المسئولية الأخلاقية والشرعية التي يتحملها الدكتور الحوالي كعالم جمصلح، إذ أنّ هناك تأييدا معلنا – على الأقل – من قبل رموز وقادة التيار الإصلاحي لهذه المبادرة ولدور الحوالي فيها.
أمّا المستوى الثالث والأخير في قراءة أبعاد المبادرة فيرتبط بشخصية الدكتور الحوالي ومكانته في الساحة السياسية، فيما إذا كانت هذه المبادرة تشكل بداية لمرحلة جديدة ينشط فيها الشيخ وتمثل صعودا لدوره المأمول؟ ..
بلا شك فإن هناك أمالا كبيرة معقودة من قبل مئات الآلاف من الشباب العربي والمسلم على الدكتور الحوالي وإخوانه من قادة ورموز التيار الإصلاحي في بلاد الحرمين : سلمان العودة، ناصر العمر، محمد الأحمري، وغيرهم. فعلى الرغم أن الظروف السابقة لم تسمح لهم بالقيام بالدور المطلوب؛ إلاّ أن التحولات والتطورات السياسية بحد ذاتها فرصة سانحة لقادة هذا التيار لبناء تصور جماعي مشترك وخطوات مدروسة ومنهجية لأولويات الحركة في المرحلة القادمة، وكما قيل فإنّ "كل مرحلة تنتج رموزها"، وبلا شك فإن قادة هذا التيار يشكلون اليوم صفوة المجتمع السعودي وقيادته الجماهيرية المطالبة بالعمل بالخروج بالبلاد من أزمتها الخطيرة الحالية.
في هذا السياق فإنّ الاحتمال الأرجح هو أن هذه المبادرة هي مقدمة لدور حقيقي متصاعد للدكتور الحوالي في الحياة السياسية، يمثل جزءا من الكثير المطلوب من هذا العلم الإسلامي الكبير، والذي لن يقبل منه الشباب المسلم اليوم إلا دورا كبيرا وعميقا يتجاوز كل العوائق والحدود التي تقف دون قيامه بما هو مطلوب منه كأحد رموز الصحوة الإسلامية المعتبرين في العالم الإسلامي.
من هنا فإنّ التيار الإصلاحي مطالب اليوم بمراجعة أوراقه، وإعداد تصوراته للمرحلة القادمة، وبناء الرؤية المشتركة لمساحات الحركة وأولوياتها المطلوبة، والاحتمالات المرتبطة بذلك، والمطلوب ابتداء – على هذا الصعيد – أنهم في مقابل اشتراكهم في الحوارات الوطنية أن يشتركوا في حوارات معمقة داخل التيار نفسه يشترك فيها مجموعة من الشباب المثقف الصاعد والقيادات الرديفة، يتم فيها الحوار والنقاش ومراجعة المسار، ومن ثم توحيد وتنسيق الجهود، من أجل التعامل الأمثل مع الظروف في سبيل مواجهة التحديات واستثمار الفرص السانحة.   

تم غلق التعليقات على هذا الخبر