قراءة في مبادرة الدكتور سفر الحوال لوقف العنف (1) ما قبل المبادرة : نقاش في الظروف المحيطة

2005-2-22 | المحرر السياسي قراءة في مبادرة الدكتور سفر الحوال لوقف العنف (1) ما قبل المبادرة : نقاش في الظروف المحيطة
شهدت الأيام الأخيرة تطورا ملحوظا على صعيد أزمة العنف في السعودية، وتمثلت أبرز معالم هذا التطور في إعلان العفو الملكي عن المطلوبين، ثم في مبادرة الدكتور سفر الحوالي وتحركه باتجاه إقناع المطلوبين بتسليم أنفسهم، سعيا للخروج من المأزق الخطير الذي ألقى بظلاله على مختلف جوانب الحياة العامة، وزاد من حالة الاستقطاب والتشتت الداخلي على المستويين الرسمي والشعبي.
        وتثار في قراءة التطورات الأخيرة عدة مؤشرات وملاحظات، فعلى الصعيد الرسمي، وعلى الرغم من أن المبادرة في حد ذاتها محاولة لتجاوز – إلى درجة ما – المنظور الأمني المحض وإعادة الاعتبار لنوع من تخفيف حدة الصراع، كما أنها تمثل بادرة حسن نية في ظل ظروف عصيبة، إلاّ أن المشكلة في المبادرة أنها ليست مبنية على ضمانات حقوقية وسياسية واضحة وراسخة، وبالتالي تفتقد إلى "المحفزات" العملية لقيام المطلوبين بتسليم أنفسهم، كما أنها تتغافل الربط بين متغيري الأمن والإصلاح السياسي المطلوب، الأمر الذي يدور حول معالجة تداعيات الأزمة ونتائجها وليس أسبابها أو العوامل الفاعلة التي أدت إليها.
        الملحوظات السابقة تقودنا إلى إمعان النظر في مبادرة الدكتور سفر الحوالي، والتي تعبر بلا شك عن عمق هذا العالم العامل وروح الداعية المصلح لديه الذي يتصدى للمهام الصعبة في سبيل تجنيب بلاده والشباب المتعجل عواقب وخيمة إن استمرت الحالة الأمنية في التدهور، وتفاقمت الأمور، خاصة في هذه الظروف الحرجة؛ إذ تعيش السعودية أزمة خطيرة متعددة الأبعاد - الداخلية والخارجية- والجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية، وتتكاتف العوامل المختلفة للدفع بالبلاد إلى حافة الهاوية، الأمر الذي لا يهدد فقط مستقبل الشباب المتورط في دائرة العنف وإنما مستقبل الدولة ككل، ويكفي الإشارة في هذا السياق إلى أن السعودية تقع في مقدمة الدول الشرق أوسطية التي توقعت مراكز دراسات - تابعة لوكالة المخابرات الأمريكية– أنها ستشهد تغييرا سياسيا بنيويا في الفترة القادمة الممتدة إلى عام 2015 .
        لا مندوحة قبل الخوض في مناقشة مبادرة الدكتور سفر الحوالي من الإشارة إلى طبيعة الظروف والضغوط التي أحاطت به في الفترة الأخيرة؛ فقد جاءت هذه المبادرة على الرغم من الظلم الشديد الذي تعرّض له، والذي لم يقف عند حدود التضييق الرسمي على نشاطاته بخلاف باقي العلماء والدعاة، وهو الأمر الذي يثير علامات استفهام كبيرة، وإنما التضييق والهجوم الشديد الذي تعرّض له وكيل الاتهامات المختلفة ضده بعيدا عن أي منطق أخلاقي أو أدبي من قبل مجموعات من الشباب المحسوبين على التيار الجهادي ومن قبل مواقع إسلامية محسوبة – للأسف – على هذا التيار، ناهيك عن الدعاية الإعلامية العلمانية.
بالإضافة إلى ما سبق، فإنّ الإعلام الغربي ومراكز الدراسات التي لم تفتر تحذر من خطاب الشيخ ودوره السياسي، ويمكن الإحالة هنا إلى المقال القديم لهانتنجتون "صدام الحضارات" (الذي نشره عام 1993 في مجلة الشؤون الخارجية ) وتعرّض فيه للدكتور سفر دون باقي العلماء والكتاب والمفكرين الإسلاميين، أو الإحالة إلى مقالات حديثة أمريكية ضد د. سفر أو حتى دراسة الخبير الأمريكي "كورديسمان" حول المعارضة الإسلامية في السعودية ( منشورة على موقع مركز الدراسات الإستراتيجية والسياسية بواشنطن ) والتي أفرد فيها فصلا كاملا في الحديث عن الشيخين سفر وسلمان.
بالفعل، الدكتور الحوالي عالم ومصلح "استثنائي" في الحياة السياسية السعودية قام بدور كبير منذ بداية التسعينات، إذ حرّك المياه الراكدة في حرب الخليج الثانية، وقدّم خطابا متقدما أذهل الجميع، وكانت له رؤيته السياسية الثاقبة، وقراءته العميقة للأحداث مع القدرة على التأصيل الشرعي لها بالاستناد إلى ثقافة موسوعية متمكنة، وساهم ببناء الوعي السياسي وتحريك الطاقات الكامنة لدى عدد كبير من الشباب بالدفع باتجاه الإصلاح والتغيير، والمطالبة بإعادة الاعتبار للحقوق الشرعية وكرامة الإنسان وحرياته العامة، وعلى الرغم أنه جاء في فترة تعددت فيها دعاوى الإصلاح وكثرت الأصوات المنادية به، إلاّ أنّ صوته كان ذا تأثير واسع وعميق، وامتلك من القدرة على النفوذ إلى عقول الناس وأفئدتهم، فأصبح عالما معترفا به ومعتبرا بشكل كبير، ودفع استحقاقات جرأته ودوره المحوري في هدم جدار الخوف واختراق حصون الصمت ، فسجن سنوات ، وعاد ليستأنف نشاطه الإصلاحي بعد الخروج ، لكن في ظل ظروف أصعب وأخطر .
لقد كانت دعوة الحوالي السابقة للإصلاح قراءة متعمقة ومسبقة لحالة العنف الحالية المرتبطة برفض الحكم القبول بالإصلاح، فكانت النتيجة أن انتقلت حالة العنف إلى باطن الأرض، وتحول النشاط من علني مسالم إلى سري عنيف. فخرج الرجل في ظل أحداث سبتمبر وتداعياتها لا ليستأنف مشروعه السابق في الإصلاح العام والمدافعة المدنية السلمية للحكومة في إدارة الصراع الداخلي فحسب، وإنما ليواجه أيضا اتساع دائرة العنف في خطاب كثير من الشباب وسلوكهم، الأمر الذي يعكس إلى درجة كبيرة سوء الأوضاع الداخلية والخارجية، فوقع خطابه بين السيفين: عنف السلطة وعنف الجماعات المستفزة ضد السلطة .
بلا شك، فإن خطاب الحوالي العقلاني والمتزن لن يضيع وسط الزحام، وهو على الرغم مما يتعرض له ما زال صاحب تأثير نافذ وقوة اجتماعية كبيرة ليس في السعودية فقط وإنما في العالم الإسلامي، إلاّ أن الظروف ما زالت تحول بين هذا العالم المصلح وبين القيام بدوره المأمول، وهو دور متوقع له أن يكون فاعلا ومؤثرا وكبيرا يوازي عمق هذا الرجل الأخلاقي والعلمي والفكري، بيد أنّ ما ينقصه إلى الآن، وربما هذا هو بيت القصيد، الانتقال من العمل الفردي المبادر إلى العمل المؤسسي والمنهجي، والسير باتجاه تحويل مشروعه الإصلاحي إلى مؤسسات وآليات عملية متخصصة تنهض به ليأخذ مكانه المستحق في إصلاح الوضع الداخلي، والأمر بالضرورة يحتاج إلى مجموعة من الكتاب والمثقفين وطلاب العلم الذين يلتفون حول الشيخ لبناء المؤسسات المطلوبة، ويحتاج أيضا إلى الحوار والتعاون والتكامل مع رموز التيار الإصلاحي الآخرين لتكون هذه الجهود مجتمعة ومتكاملة في خدمة الإصلاح العام المطلوب بعيدا عن الروح الفردية والنزعة الشخصية في اتخاذ القرار وإدارة المؤسسات المختلفة.
وربما هذا يدفع بدوره أيضا إلى ضرورة إعداد الصف الثاني والثالث من قيادات التيار الإصلاحي لتحمل مسئولياتهم في هذه المرحلة، والعمل على "مأسسة" المشروع ومراحله وخطابه وأدواته، وقد قطع الإصلاحيون بالفعل خطوات مقبولة على هذا الصعيد على الرغم من عدد من الملاحظات السلبية.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر