آخر الأخبار

نداء الضمير والجيش الأميركي في العراق

2005-2-21 | محمد سليمان نداء الضمير والجيش الأميركي في العراق
كثيرون طرحوا على أنفسهم الأسئلة تلو الأسئلة عن الروح البربرية التي يتعامل بها الجيش الأميركي في العراق مع المدنيين والمقاومة، متجاوزا كل معاني حقوق الإنسان ومواثيقها والقانون الدولي الإنساني وفي مقدمة ذلك اتفاقيات جنيف، بل ونداء الضمير ذاته. وإن شئنا الدقة، فإن من الظلم البين وصف ما تقوم به القوات الأميركية بالعمل البربري، فأعتقد أن البرابرة كان لديهم الحد الأدنى من الأخلاق التي تمنعهم من الوصول إلى المستوى المنحدر الذي وصل إليه سلوك الاحتلال الأميركي في العراق! سواء في سجن أبو غريب أو مجازر الفلوجة أو الكثير من القصص التي لم تكشف بعد وإنما تتسرب بعض الأخبار والاعترافات الصحفية حولها بين الحين والآخر.
        في هذا السياق تكشف مقالة "جيف ريديل" بعنوان "لقاء مع جندي أميركي مستنكف ضميريا" الكثير من التفاصيل المهمة حول الجانب الأخلاقي والبعد النفسي لدى جنود الاحتلال الأميركي في العراق، ابتداء من أدوات التجنيد وظروفه وانتهاء بالمذابح والجرائم التي ترتكب بالعراق بحق المدنيين العزل، والتي شارك الجندي ماسي نفسه فيها، وأخطر ما تكشف عنه رسالة ماسي الذي عاد من الخدمة في قوات المارينز في العراق إلى الولايات المتحدة أنها تلقي الضوء على الذرائع النفسية والشروط العامة التي تخلق الأساس ألاّ إنساني لجنود الاحتلال، ومما يعزز مصداقية رسالة ماسي الذي وعد أنه سيقول الحقيقة دوما ويكشف أكاذيب الإدارة الأميركية أن ماسي لم يكن جنديا عاديا وإنما كان ممن يتولون عملية التجنيد للمارينز ويدربونهم ويعدونهم للقيام بمهامهم.
        في رسالة ماسي توضيح لطبيعة الجنود الذين ينخرطون في المارينز مقرا بأن أحد أهم أسباب الانخراط هو النزعة الاقتصادية، وان الذين ينخرطون هم من أبناء الطبقات الفقيرة ومن الشباب الباحث عن فرصة عمل، ويصف ماسي ذلك بأن أغلبهم يكون فرحا بالتأمين والرعاية الصحية وأنهم لأول مرة يذهبون إلى طبيب الأسنان، ويرى ماسي أن الإدارة الأميركية تجعل الطبقات الفقيرة واجهة لتحقيق أهدافها الاقتصادية في العراق، مذكرا بالفيلم الرائع لمور "11 سبتمبر" عندما ذهب إلى أعضاء الكونغرس مطالبا إياهم بإرسال أبناءهم إلى العراق وهم يتهربون منه، ذلك أن واحدا فقط من أعضاء الكونغرس له أبناء في جيش الاحتلال في العراق، مما يفسر إلى حد بعيد عدم اكتراث الإدارة الأميركية بالأعداد الكبيرة للقتلى والجرحى في الجيش الأميركي، ويؤكد ماسي أن أغلب المجندين في المارينز في العراق هم من أبناء الطبقات الفقيرة من "منطقة الابالاش" ومن ذوي أصول اسبانية.
        أما بخصوص البعد النفسي والإنساني الغائب عن الجندي الأميركي الذي يقتل المدنيين والعزل ويجهز على الجرحى بدم بارد فيوضح ماسي ( المدرب السابق في المارينز) أن عمليات تدريب المارينز تتم لإعداد أشخاص مهيئين للقتل فقط دون أي ثقافة إنسانية أو أخلاقية تردعهم عن الأعمال المحرمة، ويؤكد ماسي أنه لم تكن هناك قط أي عملية تدريب أو إعداد للجنود الأميركيين للتعامل مع ثقافة الإنسان العراقي وقيمه ومقدساته، ولذلك فإن عمليات قتل كثيرة تتم بسبب خطأ في فهم الرسائل من قبل الطرف العراقي الآخر، فتؤدي إلى التسرع في عملية القتل خاصة في ظل مناخ كامل من الرعب لدى جنود الاحتلال يتصورون خلاله أن كل العراقيين هم أعداء وإرهابيون!.
        ولا يتوانى ماسي في اعترافاته "الماسية" من الإقرار بمشاركته في قتل مدنيين وعزل وأبرياء بلا سبب، ومن الاعتراف –كذلك- أن الجيش الأميركي كان يترك الجرحى والجثث في الشوارع لساعات وأيام، ويكشف أيضا أكاذيب الإدارة الاميركية حول المساعدات والمواد الإغاثة التي كانت تصور في وسائل الإعلام وتدعي الإدارة أنها كانت ترسل إلى الإغاثة في العراق في حين يؤكد ماسي أنها كانت تبقى في الكويت!.
وإذا أردت أكثر من ذلك فإن رسالة ماسي تكشفه وتوضحه حتى لا يبقى لديك شكوك حول الروح السيئة والمدمرة التي يتعامل بها الجنود الأميركيون مع الشعب العراقي ومع المدنيين، الأمر الذي يلقي الضوء على بوضوح على الجانب النفسي والبعد الأخلاقي للجندي الأميركي!. ويؤكد ما ورد في مقالات كثيرة للخبراء والكتاب الاميركان المعارضين للحرب وسياسة بوش العنصرية وفي مقدمتهم "سيمور هيرش" و"ستيفن زونز" والذي أكد أن الجنود الأميركان يلقنون الروح العنصرية ضد كل العرب والمسلمين ويتشربون نزعة عدوانية ازدرائية ضد العرب والعراقيين فيتعاملون معهم وكأنهم جنس أحط من البشر، كما يشارك الموساد الإسرائيلي بخبرته في المهام القذرة في بث هذه الروح لدى قوات الاحتلال الأميركي!.
        الآن ماسي ترك الخدمة في المارينز بعد استشارة طبية قام بها الجيش الأميركي وأثبتت انه مصاب بحالة اكتئاب، وبعد أن أوصى قادته بأنه "مستنكف ضميريا"، ويخبرنا ماسي كيف وصل إلى قناعاته الجديدة ضد الحرب في العراق وضد سياسة بوش بقوله "عليك أن تصل إلى أعماق روحك كي تصل إلى أجوبة لأسئلة تبدأ في فرض نفسها" هذه الأسئلة دفعته إلى الاتصال بمعارضي الحرب الأميركان ووضعت أمام عينيه الحقائق كما هي بلا تزوير أو خداع، وهو ينشط الآن مع عدد من الجنود الأميركان العائدين من العراق في معارضة الحرب والاحتلال.
        وربما الأسئلة التي طرحها ماسي على نفسه هي أيضا التي طرحها جنود وطيارون في جيش الاحتلال الإسرائيلي على أنفسهم في فلسطين فاستنكفوا ضميريا عن تنفيذ أوامر القتل والتعذيب والهدم والاغتيال الأمر الذي يدفعون استحقاقه بالسجن والتشويه أمام الرأي العام من خلال إعلام مزور ومؤدلج إلى أبعد مدى!.
        ولك أن تسأل فيما إذا كان علاوي وأفراد حكومته من أعوان الاحتلال من الممكن أن يطرحوا على أنفسهم الأسئلة التي طرحها ماسي على نفسه؟.. أعتقد أن هذا الأمر من المستبعد؛ لأن ماسي كان لديه أعماق روح نقية يصل إليها، أما غيره فقد وصل التلوث إلى أعماق أعماق روحه مبكرا!!..

تم غلق التعليقات على هذا الخبر