تفجيرات طابا ..الإرهاب صناعة أميركية بامتياز!

2005-2-21 | محمد سليمان تفجيرات طابا ..الإرهاب صناعة أميركية بامتياز!
يبدو من المبكر الآن الجزم بهوية المنظمة أو الجهة التي تقف خلف التفجيرات العنيفة في منتجع طابا، ولكن ليس من المستبعد أبدا أن يكون وراء هذه الأحداث عرب ومسلمون وصلوا إلى حد الانفجار من مجمل الأوضاع السياسية المتدهورة في المنطقة، وفي مقدمتها المجازر والدماء الغزيرة المسفوكة في كل من العراق وفلسطين، خاصة دماء المدنيين والناس العزل الذين لا تشفع لهم سقوف بيوتهم من نيران القنابل والصواريخ الأميركية والإسرائيلية.
        والغريب أن المسئولين الأمريكان ما زالوا يتبجحون بأنهم آتوا إلى المنطقة لنشر الديمقراطية وإرغام النظم العربية على المضي قدما في مشاريع الإصلاح المرسومة في اتفاقيتي الشراكة والشرق الأوسط الموسع، إذ لم تعد هذه الادعاءات تقنع إلا القليل، روى لي الصحفي الأسترالي بيل ميكفو - والذي كشف عن حادثة قتل علاوي لستة من المقاومين العراقيين– أنّه قابل عراقيا شيعيا قتل النظام السابق أحد أخوانه وأبنائه، فسأله ميكفو عن انطباعاته الحالية فقال: "فليعد صدام، فالوضع كان أفضل بكثير!". ووفقا لميكفو ولمؤسسات بحثية أميركية عديدة، فإنّ الأوضاع في العراق تبدو في أسوأ حالاتها، وقد فتح احتلال العراق كل الملفات المغلقة وأطلق الإشارات المكبوتة، ولم يعد الإنسان العراقي يشعر بالأمن ولا بالسلام فضلا عن تدهور أحواله الاقتصادية وتدمير البنية التحتية، وافتقاد كثير من مقومات الحياة الأساسية، الأمر الذي يصفه ميكفو بأنه الجحيم بعينه، وحتى المنطقة الخضراء التي أقامها الأمريكان في بغداد ليحموا قادتهم وجنودهم ويمارسوا من خلالها حياتهم الخاصة ولهوهم فإنها لم تعد آمنة واستطاعت المقاومة العراقية اختراقها وتنفيذ عدة عمليات فيها.
        ولا تبدو مؤشرات إيجابية سياسية تلوح بالأفق فالأكراد تسيطر عليهم النزعة الانفصالية، بينما الشيعية يطمحون إلى بناء دور سياسي جديد في المنطقة يتعدى حدود العراق إلى السعودية، والسنة منشغلون في مقاومة الاحتلال، إذن ماذا خلق التدخل الأميركي في العراق سوى تمزيق المجتمع، وآلاف القتلى من المدنيين وشروط سياسية واقتصادية واجتماعية أصعب بكثير من الوضع السابق!، ووصل الأمر إلى الحد الذي بات ينادي فيه عدد من الكتاب والمنظرين الأمريكان بنظرية الرجل القوي الذي يحكم العراق، بقبضة حديدية، ولكن بميول أمريكية.
        على صعيد آخر كان طموح "المحافظين الجدد" أن يتم إنهاء القضية الفلسطينية بمجرد التخلص من صدام في الشرق وعرفات في الغرب، وإقامة حالة ديمقراطية في العراق تكون مقدمة لتغيير العالم العربي، والمضي قدما بخارطة الطريق، وما حصل أن عملية السلام برمتها انهارت تحت مجازر حكومة الليكود وتواطؤ الإدارة الأميركية معها، والحالة الفلسطينية شهدت مزيدا من التفجر ومشاهد القتل والاغتيالات التي بقدر ما تصيب الإنسان الفلسطيني في جباليا أو رفح بقدر ما تزيد من مخزون ورصيد العداء الشديد ضد إسرائيل وحليفها الأمريكي.
        هذا الغليان ونزعة "معاداة الولايات المتحدة" التي تجتاح العالم العربي والإسلامي بأسره، وفق استطلاعات الرأي الأمريكية ذاتها، تنعكس من خلال أحداث عنف تحاول النيل من المصالح الأميركية والإسرائيلية، وتزيد من حساسية موقف الحكومات العربية أمام شعوبها، بل وتخلق حالة أمنية بالغة الخطورة في العديد من العواصم كما حصل في الرياض في الشهور الأخيرة من خلال محاولة الجماعات الجهادية هناك استهداف المصالح والمراكز الأميركية. وكما تقر العديد من الدوريات الأميركية فإن سياسة الولايات المتحدة تعمل على إضعاف صوت الاعتدال في العالم العربي، وتخلق القاعدة الاجتماعية لجماعات "القاعدة" أو تيارات العنف المنتشرة في المناطق المختلفة، بل وتنشئ داخل كثير منا عدوا متحمسا للانتقام لكرامته التي يشعر أنها تراق في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من الأماكن.
        من كان منا سيسمع عن أبي مصعب الزرقاوي أو عن عبد العزيز المقرن وقبلهم أسامة بن لادن والظواهري لولا السياسة الأميركية، والذين يتمثل مؤهلهم الرئيس بأنهم يحاولون إلحاق الأذى بالولايات المتحدة، بمعنى آخر فإن هذه التنظيمات والجماعات التي تحاول الانتقام من أمريكا هي الاستجابة الشعبية على سؤال الكرامة الذي تطرحه كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على العالم العربي بقوة، وإذا كان بوش قد تذرع بشعار "إنه الأمن يا غبي!"، فإن رد هذه الجماعات "إنه الدين وهذه الكرامة يا غبي!".
        كان يجب على الولايات المتحدة أن تلتقط نتاج صنيعها في ظاهرة آلاف المتطوعين العرب، الذين غادروا ديارهم -وكثير منهم ليس له أي صلة بتنظيمات إسلامية أو حتى سياسية- وسافروا إلى بغداد سعيا لمواجهة المارينز الأمريكي، لعل هذه المواجهة غير المتكافئة تريحه من عناء الشعور بالعجز وحالة الغضب الشديد التي تعتمل داخله، وقد شكل هؤلاء المتطوعون القاعدة الصلبة اليوم لتنظيم الزرقاوي الفاعل في العراق، من صنع هؤلاء؟! هي أميركا.
        الرسالة التي تنقلها تفجيرات طابا، وهي بمثابة أحداث أيلول الشرق الأوسط، أنّ الولايات المتحدة التي تشن الحرب على الإرهاب هي التي تخلق قاعدة الإرهاب والعنف وتفخخ المنطقة العربية بأسرها، وتزرع نفوسا قابلة للانفجار في أي لحظة.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر