آخر الأخبار

إعلان مكة... أهداف سامية بحاجة إلى 'مؤسسات وآليات'

2005-2-21 | محمد سليمان إعلان مكة... أهداف سامية بحاجة إلى 'مؤسسات وآليات'

تأتي خطوة عدد من المثقفين والعلماء لتأسيس نواة لحركة جماهيرية عربية شاملة بعنوان "حملة مكة لمقاومة العدوان"، حيث بين المؤسسون أنّ أبرز أهداف هذه الحملة التصدي للعدوان الاستعماري والتسلطي على الأمة العربية والذي لا يقف عند حدود الفعل العسكري، وإنما يصل إلى محاولة الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية الشاملة. كما أشار المؤسسون إلى البعد الديني المتطرف الذي يحرك أصحاب القرار في البيت الأبيض ويدفعهم باتجاه إشعال حرب دينية حاقدة ضد المسلمين..

\n

اليقظة في مواجهة الغزوة

\n

يشكل هذا الإعلان، الذي يمثل بداية لحملة شعبية واسعة النطاق تهدف إلى استنهاض همم الأمة بشرائحها المختلفة، دليلاً واضحاً على وجود وعي إسلامي كبير وعميق بطبيعة المرحلة السياسية الحرجة واللحظة التاريخية المفصلية التي وصلت اليها الشعوب العربية. هذه اللحظة [الآن] تشكل مفصلاً ومحكاً حقيقياً على مدى قدرة الأمة واستعدادها لمواجهة التحديات الخطيرة التي تعصف بها من كل مكان، والتي باتت بمثابه الهم العام الذي يعيشه الإنسان العربي في مراحله العمرية المختلفة واختلافاته المذهبية ومراكزه الاجتماعية والسياسية والثقافية المتعددة. ولعل البيان الذي كتبه قبل أشهر عدد من المثقفين السوريين وخاطبوا خلاله الرئيس السوري يعد مثالاً بارزاً على حالة القلق والضيق والإحباط التي تسيطر على الإنسان العربي؛ فقد قال المثقفون السوريّون أنهم لا يشعرون بالاطمئنان وهم يعيشون في منازلهم وبين أبنائهم، وأنهم قد فقدوا الشعور بالأمن على حياتهم وعلى أسرهم على المستوى الخاص فضلاً عن العام.

\n

هذه الحالة الرهيبة التي وصفها البيان المذكور تضعنا أمام ملاحظة غاية في الخطورة، وهي أن الإنسان العربي أصبح اليوم مكشوفاً أمام كل التهديدات والأخطار بشكل كبير، فلا يمكن أن يشعر هذا الإنسان بأمان وهو يشاهد المجازر والمذابح التي يقوم بها العدو الصهيوني في فلسطين، ولا يملك ترف النوم الهانيء وقد رأى القنابل والصورايخ والأسلحة الفتاكة وهي تنهال على الشعب العراقي وعلى المدنيين، وتنال الأطفال وتسرقهم من بين أهاليهم، وكيف لهذا الإنسان أن يثق بنفسه وقد فقد الثقة بالجيوش والأنظمة والعالم الذي لم يفعل أكثر من المشاهدة لحرب لم تملك أدنى مقومات التوازن، وأنّى له أن يعود لحياته الطبيعية اليومية وقد تعرض لكافة أنواع الاغتصاب النفسي والفكري، في عمان على سبيل المثال ازداد عدد مراجعي العيادات النفسية بشكل مذهل يوم سقوط بغداد، وتعرض عشرات المواطنين لجلطات ونوبات قلبية، وازداد عدد مراجعي المستشفيات لأمراض عضوية ناتجة عن أثار نفسية.

\n

المسألة ليست احتلال بغداد أو القدس أو ابتزاز دول عربية أخرى، المسألة باتت تصيب كل مواطن مسلم في كل مكان، ولا أدل عن هذا الهم العام من ظاهرة المتطوعين العرب الذين ذهبوا بالالاف إلى أفغانستان والعراق من الشباب الذي مازالوا في بداية سني حياتهم، رغم أنهم ذهبوا وهم يعرفون تماما ما ينتظرهم حين يعودون -إذا عادوا-، وهم يدركون تماما أن النظام العراقي لا يستأهل حتى مجرد البقاء ولكنهم ذهبوا للدفاع عن دينهم وعن كرامتهم، ولم يستطيعوا الصبر على جمر الذل الذي يكتوون به صباح مساء، لقد نجحت أمريكا بامتياز أن تجعل من كل إنسان مسلم فيه ذرة من كرامة ومن دين عدواً لها في كل مكان من العالم.

\n

إذن الحالة عامة تعبر عن هجمة استعمارية امبريالية شرسة متطرفة شاملة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية، والواقع بشير الى احتلال عسكري لأهم العواصم الدينية والتاريخية لدى المسلمين أجمعين والعرب خاصة بغداد حاضرة الخلافة والعلوم والسياسة والخبرة العربية، والقدس مسرى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وثالث الحرمين وأولى القبلتين، وأنظمة عربية عاجزة أو ممالئة لهذه الهجمة غير قادرة أن تحمي أي مواطن فيها وهو في منزله بين عياله من أن تطاله اليد الأمريكية بأي حجة كانت، حكومات فقدت كل أنواع الشرعية سواء شرعية القيام بوظائفها من حماية الناس وتنظيم الاقتصاد والدول، أم شرعية الرضا الشعبي والاختيار الحر، وشعوب فقدت الشعور بالأمان وتعيش حالة من الذهول للنكوص الحضاري والتراجع السياسي والاقتصادي والثقافي الذي تعيش. هذه التحديات تفرض عملاً شعبياً يوازي التحديات الكبرى الحالية، فكانت فكرة إعلان مكة كأحد أنواع الاستجابة للتحديات..

\n

إعلان مكة..الدواعي والأهداف

\n

يعتبر إعلان مكة فكرة متميزة في الرد على هذه التحديات، وبالتالي الصيغة التي حرص أن يخرج بها هذا التحدي توحي وتؤشر على إدراك تام لحقيقة الصراع وأبعاده المختلفة.

\n

فهناك قوة استعمارية طاغية تستند إلى مشروع هيمنة وإذلال، في مقابل عجز رسمي، وقلق واحتقان وغليان شعبي يحتاج أن يتحول إلى عمل أيجابي مؤسس على رؤية عميقة وقراءة دقيقة للظروف، يتم خلالها اختيار الأهداف والآليات والمساحات والكيفيات التي ستواجه من خلالها الشعوب هذه التحديات.

\n

وقد حمل هذا الإعلان عدة سمات تعطيه إطاراٌ أوليا مناسبا لمقاومة ومواجهة العدوان، وأبرز هذه السمات:

\n

1. عالمية الإعلان:

\n

 فالتحدي الأمريكي ، الذي تتعرض له الأمة الإسلامية اليوم، يتسم بالعالمية، وبحاجة إلى مشروع فوق قطري لمواجتهه، ولا تملك القوى الشعبية العربية وهي في هذه الحالة من الفرقة والتشتت أن تقف ضده بفعالية، وإنما الأمر يتطلب وقفة شعبية عربية إسلامية على مستوى عام حتى نتمكن من التصدي لهذا التحدي من خلال تنسيق وتوزيع الجهود، وبحاجة إلى نخبة من العلماء والمثقفين الثقات الذين يمتلكون أدوات الصراع والمواجهة، وعلى درجة من الوعي الاستراتيجي وهذا الذي نلمسه ونحسبه في القائمين على هذا المشروع.

\n

وقد أكد البيان التأسيسي على أنه يعبر عن " حملة شعبية تطوعية سلمية مستقلة"، وأنه يسعى إلى " تنسيق وتكامل الجهود الشعبية والرسمية في بلاد المسلمين..".

\n

2. مشروع شعبي:

\n

يتميز الإعلان بأنه يعيد الاعتراف بالقدرة الشعبية بما تحتويه من طاقات مبدعة من مثقفين وعلماء وأدباء وتجار..، وقدرتها على مواجهة العدوان، وتذكير المجموع الإسلامي العام، أنه مطالب بالنهوض والعمل ومواجهة العدوان، ولا يجوز له أن يقف متفرجاً أو ملقيا المسؤولية على الحكومات مبرئاً نفسه من أي تبعة أو مسؤولية، وبالتالي يسعى الإعلان إلى استنهاض  همم الشعوب والمجتمعات ودفعها إلى مواجهة التحدي بالوسائل المتاحة والمشروعة.

\n

يقول البيان التأسيسي أن من أهداف الحملة " استنهاض الروح الإسلامية لدى المسلمين لخدمة دينهم وأمتهم والدفاع عن حقوقهم..".

\n

3. شمولية الحملة وتكاملها:

\n

ينطلق الإعلان من فقه صحيح لطبيعة المشروع الأمريكي الذي لا يقف عند حدود عسكرية وإنما يتخطاها إلى الجوانب الثقافية والسياسية والاقتصادية، وبالتالي جاءت الدعوة المضادة إلى قيام مشروع شعبي مكافيء له من حيث الشمول والتعدد، يمتد بين عدة مناطق في حراسة ثغور الأمة الثقافية والسياسية والعسكرية والاجتماعية.

\n

من الشعار إلى البرنامج:

\n

هذه البداية الجيدة من خلال اختيار الصيغة المناسبة، والوقت الملائم، والخطاب الشامل تحتاج الآن إلى بلورة وتأطير من خلال مأسسة الحملة ووضع التصورات العملية لتنفيذها في أرض الواقع، وعدم التسمر عند لغة الشعارات والمباديء.

\n

وهنا لا بد أن يتم إقامة عدة ورشات وتقديم أوراق عمل من خلال جملة من المثقفين من عدة دول عربية وإسلامية ومن ذوي الاختصاصات المختلفة، تنتهي بوضع تصورات عملية مناسبة وواقعية للقيام بتنفيذ هذه الحملة، واختيار الأطر والمؤسسات التي تتكفل بالعمل ببعض جوانب الحملة، وانتقاء الأفراد الذين سيعملون على تفعيل وتبني الحملة ابتداءً في عدة دول عربية، وفقا لتخصص كل واحد.

\n

آن الآوان لتقف الأمة وتعلن عن وعي أنها ترفض العدوان وستواجهه، وذلك أبسط حقوقها الإنسانية والشرعية، وجاء الوقت الذي لا بد أن يوضع العلماء والمثقفون والكتاب والشباب والشرائح المختلفة أمام مسؤولياتهم الشرعية والتاريخية، للدفاع عن دينهم وكرامتهم وأرضهم واستقلالهم السياسي والاقتصادي واختيارهم الحضاري والثقافي، وتوحيد الجهود أو على الأقل تنسيقها في هذه اللحظة الحاسمة، وهنا فإنّ حملة مكة هي بداية موفقة وتعبير من التعبيرات المطلوبه في فقه المرحلة الحالية الخطيرة من الصراع.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر