في مواجهة العدوان: دور الفكر الإسلامي

2005-2-21 | محمد سليمان في مواجهة العدوان: دور الفكر الإسلامي
ازداد الحديث في الفترة الأخيرة عما يسمى بحرب الأفكار أو السيطرة على العقل، خاصة منذ إشارة وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد إلى ذلك وإعلانه أن على الولايات المتحدة كي تكسب الحرب على الإرهاب يجب أن تكسب حرب الأفكار.
وتكمن خطورة حرب الأفكار في أنها تهدف إلى إخضاع الإنسان من خلال السيطرة على تفكيره والوصول به إلى النتائج التي يريدها الخصم دون الحاجة إلى استخدام القوة العسكرية أو باستخدام الحد الأدنى منها، وإنما من خلال بناء إدراكات وإيحاءات لديه توصله إلى مرحلة التسليم لإرادة الآخر والقبول بها وكأنها الحل الأمثل.
        ويأتي مفهوم حرب الأفكار استمرارا لما سمي بالحرب الباردة الثقافية التي شنتها الولايات المتحدة على المعسكر الاشتراكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من خلال الترويج للسلع الفكرية والثقافية الأمريكية التي تمجد النموذج الغربي وتزينه في عقول الطرف الآخر فيصبح هذا النموذج هو المثل الأعلى الذي يجب أن يطمع الإنسان في الوصول إليه، والحلم الذي يراود الجميع في أنحاء العالم ؛ ولعل الأعداد الكبيرة من البشر في كثير من دول العالم التي تتقدم بطلب الفيزا للسفر أو الهجرة للولايات المتحدة مثالا بارزا على الحلم الأمريكي الذي استطاع أن يسيطر على عقول الكثيرين ، وربما الرموز الثقافية والاقتصادية الأمريكية المنتشرة في أغلب المجتمعات الإنسانية اليوم مثالا آخر أيضا .
        بيد أن الحرب الثقافية الأمريكية على العالم الإسلامي هذه المرة لا تقف عند حدود الترويج للنموذج الأمريكي واكتساب العقول والقلوب المؤمنة به، وإنما أيضا في تسويق تفوق الولايات المتحدة وقوتها وعدم جدوى مقاومتها أو الوقوف في وجهها، ويظهر هذا الأمر بمنتهى الوضوح من خلال احتلال العراق وإلقاء القبض على القادة العراقيين، وتهافت كثير من الدول المعارضة للولايات المتحدة إلى تقديم التنازلات إرضاء لها خاصة – بعد احتلال العراق - .
من هنا فإن النظر إلى الاحتلال الأمريكي للعراق يجب أن يتم من خلال الرؤية الشمولية التي تأخذ بعين الأبعاد المتعددة لهذا المشروع وفي مقدمتها البعد الثقافي ..
        فلقد وجه الساسة والمخططون الأمريكيون جهودا كبيرة على هذا الصعيد، كما أجريت عملية مراجعة شاملة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ووضعت استراتيجيات ثقافية تعمل على تحقيق أهداف المشروع الأمريكي إما من خلال الترغيب والترويج للسلع الثقافية ونمط الحياة الأمريكي، أو من خلال الترهيب من حجم القدرات الأمريكية عسكريا وأمنيا . ومن ضمن الآليات التي استخدمها الأمريكيون: ما يسمى بالدبلوماسية الأهلية والتواصل مع المثقفين والمفكرين في العالم الإسلامي وبناء المراكز الثقافية، وأيضا وسائل الإعلام ويبرز في هذا السياق راديو "سوا" وفضائية "على الهوى سوا" وكلها تعمل على الترويج للنموذج الأمريكي في المجتمعات المسلمة وبالتحديد لدى عنصر الشباب ومن خلال مخاطبتهم بلغة الشهوة واللذة والغريزة.
        ومما يزيد من التأثير الثقافي والفكري للمشروع الأمريكي في العالم الإسلامي التحولات الاقتصادية الكبرى الجارية فيه وانتشار النمط الاستهلاكي الرأسمالي مع مشاريع الخصخصة البنيوية التي تقوم بها العديد من الدول والتي يصاحبها في الأغلب الأعم تحولات ثقافية واجتماعية مفصلية، مرتبطة بتغير دور الدولة وبالوضع الاقتصادي للفئات الاجتماعية وطبيعة سوق العمل ونمط الثقافة الذي يتطلبه السوق والقائم على سيادة قيم الربح ورأس المال ، كما يصوغ ذلك " ستيوارت هول " بقوله : " تقوم الخصخصة بتغيير البنية التي كانت قائمة على علاقة التضاد ، وخلاصتها : " هو " مقابل " أنا " وتضع بدلا منها معادلة جديدة ، تكون الأطراف فيها متكافئة وليست متضادة لتصبح : " هو + أنا = نحن " . ثم تضع الخصخصة " نحن الجديدة " أي " الشعب " في علاقة خاصة مع رأس المال ، وهي أن يكون الشعب خلف رأس المال ، خاضعا لمستلزماته ( كالربحية والتراكمية ). ولكن في الوقت ذاته يبقى الشعب مرتبطا برأس المال ومندمجا معه " .
        الملاحظات السابقة تقودنا إلى بيت القصيد في هذا المقال : وهو الجانب الفكري في مواجهة المشروع الأمريكي واستحقاقاته ، وإذا كان الحديث اليوم في أغلبه عن المناطق المشتعلة : العراق وفلسطين ، فإن المسألة الرئيسة الآن والخطيرة جدا هي غياب السند الفكري الحقيقي للمقاومة والانتفاضة ، وظهورهما وكأنهما نتوءا معزولا ولحنا شاذا غريبا خارج إطار سنفونية الرضوخ والخضوع العربي . أما المؤتمرات والصيحات العالية من قبل فئات وأحزاب وقوى شعبية عربية فلا وزن ولا قيمة لها على الإطلاق إن لم ترتبط بصوغ استراتيجية ثقافية حقيقية ذات آليات محددة تعمل على بناء الفكر الإسلامي الحضاري والمقاوم الذي يناصر المقاومة ويقدم لها الإطار الفكري المستمد من قيم وروح الإسلام والهوية الحضارية ، ويعمل على تحصين الشعوب فكريا وثقافيا من براثن الفكر الأمريكي الذي يعلي من شأن قيم النفعية والاستهلاك.
        ويؤكد ضرورة قيام الفكر الإسلامي اليوم بمهامه في تحصين جبهات الأمة داخليا وخارجيا وجود نفر من بني جلدتنا ممن يتحدثون بألسنتنا - تعرفهم في لحن القول - وهم يروجون للنموذج الأمريكي وما يتضمنه من مفاهيم ويستند إليه من قيم وفلسفة من جهة ، أو وهم يدعون إلى الواقعية والرضوخ للهيمنة الأمريكية والمارد الأمريكي ولموازين القوى من جهة أخرى .
        إن الفكر الإسلامي مطالب اليوم بمراجعة شاملة تعمل على بناء إطار استراتيجي يستند على فلسفة النهوض والتحرر الإسلامي، ويستمد عونه من الخبرة الإسلامية المكتنزة بالمفكرين الذين قادوا مجتمعاتهم لمواجهة التحديات والعدوان كشيخ الإسلام أبن تيمية والعز بن عبد السلام، وبالتأكيد فإن الجانب الأخطر الذي نؤتى من قبله هذه الفترة وفي المستقبل هو الجانب الفكري والثقافي، وهو الذي يهدم الحصون من الداخل قبل أن تهدمها جيوش الأعداء من الخارج!.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

SALMA ALQAHTANI

من خلال عرضك للموضع وهوة مقاربة بين العرب والمسلمين فهو عرض اكثر من رائع ياستاذي الفاضل ولو نضرناالى الورقة التي طرحت من قبل ماليزياءولم يكن لهااي ردة فعل من اي من الا طراف سواء الشرق او الغرب فذا يرجع الى الخوف والذلة التي يتصفون بهااوان يغضب عليهم ماردهم الاكبر فيتهمهم برعاية الا رهاب ودعمة ايضا والخوف على العروش ان تذهب فهم يرون ان الافضل لهم البعد كل البعد عن مايقربهم من هذا الدين الحنيف وكانة بصمة عار لهم.الا يعلمون ان بعدهم عن كتاب اللة وسنة نبية بسببة ارتمو بلحضيض واصبحت الذئاب تنهش فيهم وتقطعهم ايربا ايربا.فمن اين تاتي هذة الامة برجل الرشيد الذي ينقذها من الغرق .ومع الاسف فهم يرددون خلف من يقودهم دون تبصر فعندما تقول القوة الكبرى ولا الضالين يرددون خلفها امين.واخيرا فاني ادعوا لستاذي الفاضل بثبات والعافيةولهداية لجميع شباب المسلمين.سلمى القحطاني


salma

نجدان من خلال محاربة الفكر الاسلامي والثقاقة الاسلاميةوصل الى طرد احدى الدول الاسلامية طلابيها العرب والمسلمين المتواجدون بها لدراسها العلوم الدينيةوذلك لكي يرضى المارد الامريكي،بل لدرجة الى تغير المناهج الدينية الاسلاميةوجعلهامناهج ركيكةلا يستفيد طالب العلم منهااي شي فصدق الحق في قولة تعالى(لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)


ALI SAYOUR

مقاربة
بين العرب والمسلمين
في
طرح برنامج عمل لأمن مجتمع ونهضة أمة .

في زمن تحتاج فيه الأمة لرجل رشيد وفقه سديد ، وتتأكد حاجة الأمة لبرنامج عمل ، ومنهج رشيد تسير عليه أمام عدة ظروف ومتغيرات ومفاجآت وفي زمن :
اتفقت فيه كلمة الاعداء من خارج الأمة ، وظاهرهم الاعداء داخل هذه الامة ممن ينطقون بلسان عربي مبين على هذا الدين .

وفي زمن اضطربت فيه كلمات وخطوات من بيدهم مقاليد الامور وهم يبحثون عن زورق نجاة لمجتمعاتهم التي باتت مهددة بضياع الامن، فيسارع البعض إلى عقد مؤتمرات على أعلى مستويات لبحث ما يسمى بالارهاب.
وفي زمن سقطت فيه أكثر البرامج الدعوية والحركية والفكرية والسياسية أمام أمرين:
عجزها عن تحقيق الغاية في:
ـ إقامة مشروع دولة المجتمع المؤمن الآمن، ومجتمع الدولة التقي العامل الآمن.

ـ وفي عجزها عن تحقيق الاقناع لأبنائها وللاخرين بها وبطروحاتها، لعدة أسباب منها :
إما لعدم شموليتها في الاطروحات والبرامج،
وإما لعدم وضوح رؤيتها في العناوين التي تبنتها وأعلنتها،
وإما لكون بعض هذه البرامج أخذت ببعض الامور دون البعض الآخر، أو لأنها كونت مسلكا في اختيار البرامج والمفردات أكثر ميلا إلى التطرف والتشدد .
أمام هذا المشهد تأتي ورقة عمل من ماليزيا لم يكن يتوقعها أحد ربما أو حتى أكثر المراقبين على أقل تقدير لكون الأكثر يخافون أن يشار إليه بتهمة تبني الاسلام.
وأهم ما يميز هذه الورقة عدة أمور منها :
ـ المستوى السياسي الذي يمثله أصحاب هذه الورقة : فهي تأتي من أعلى سلطة سياسية في النظام الديمقراطي وهو رئاسة مجلس الوزراء .
وفي هذا دلالات على أن المشروع الاسلامي السياسي يمكن أن يطرح كوثيقة عمل دولية دون أن يصادم أو يخاصم أحد علاوة على أن يكون في قفص الاتهام.
ـالمستوى العملي التجريبي الذي يمثله أصحاب هذه الورقة ، فإن أكثر ما يعانيه أصحاب البرامج الاسلامية افتقارهم إلى الخبرة والواقعية، ولذلك تجد السقطات المريعة عند كثير من أصحاب المشروعات السياسية وغيرها عندما يخوضون التجربة العملية في تطبيق برامجهم.
وعندما تأتي هذه الورقة من أناس على رأس سلطة تنفيذية ففي هذا الامر من الدلالات الايجابية ما فيه.
ـ المستوى العلمي الذي يمثله أصحاب المشروع من شهادات في التخصص وممارسات عملية علمية، مما يدفع التهمة والشبهات التي قد تلقى في العادة على كل من يحاول طرح ورقة عمل برؤية جديدة.
ولكن لمذا برأيك لم يكن لهذه الخطوة ردة فعل من الغرب ومن الشرق على حد سواء ، بينما تجد التجاوب مع دعوات الغرب فتقام مؤتمرات ضد ما يسمى بالارهاب.
وكتبه : د. علي سيور