اغتيال الحريري...والتبعات العاصفة

2005-2-17 | ياسر سعد اغتيال الحريري...والتبعات العاصفة
كان لحادثة اغتيال رفيق الحريري وقع الصاعقة على المراقبين والمتابعين من حيث التوقيت وضخامة الحادثة والقدرة العالية في التخطيط والتنفيذ. وإذا كانت آراء الكثير من الكتاب والمحللين العرب اتجهت بأصابع الاتهام إلى الأجهزة الإسرائيلية بتدبير الحادث لإحكام الخناق الدولي والإقليمي على النظام السوري ولبعثرة الأوراق والمواقف على الساحة اللبنانية خصوصا بعد حصول شارون على الهدنة الفلسطينية وعودة سفراء الأردن ومصر بعد قمة شرم الشيخ الأخيرة، والتي حصد فيها "البلدوزر" – كما يسمي الإسرائيليون شارون- أكثر مما كان يتوقع ويتأمل. فيما اتهمت المعارضة اللبنانية دمشق صراحة بالوقوف وراء عملية الاغتيال.
من يقف وراء الحادثة؟، مسألة أُشبعت بحثا وتحليلا دون القدرة للوصول إلى نتيجة حاسمة. سأتوقف عند نقاط استدعتها الحادثة تذكرنا بحقائق مرة وترسم أخرى أكثر مرارة وأسى:
- عمت الأوساط الشعبية والرسمية العربية مشاعر عارمة من القلق والخوف والترقب مما هو قادم، حرب أهلية أم ضربات لسورية أو ربما إعلان حرب عليها ولو بصيغة اقتصادية وسياسية، خصوصا بعد الانتهاء من ترتيب السودان الجديد وفق المقاييس الأمريكية. الحادثة وتبعاتها جاءت لتذكرنا بهشاشة النظام العربي الرسمي إن لم نقل باحتضاره. ومن الملاحظ في نفس السياق غياب أي دور عربي رسمي عن ساحة الفعل والتأثير فيما تقفز الولايات المتحدة ومن بعد باريس إلى الأخذ بزمام المبادرة والتحرك، مما يؤكد ما أشرت إليه من انهيار تام للمناعة السياسية العربية الرسمية.
- من الأمور المثيرة للسخرية حقا هو الموقف الأمريكي الصارم في الدفاع عن رمز سني في لبنان، فيما يتواصل هجومها على الحزب الشيعي الرئيسي هناك "حزب الله" ووصمه بالإرهاب وتطويق وسائل إعلامه، فيما الإدارة الأمريكية تقف بحزم – ظاهريا- مع الطموحات الشيعية في العراق، فيما تحاصر السنة وتحجمهم هناك. في كلتا الحالتين يبدو الموقف الأمريكي مراهنا على إثارة النعرات الطائفية والخلافات المذهبية والعرقية لتجذير النفوذ والهيمنة الأمريكية في المنطقة.
- الصرخات الشعبية الغاضبة على النظام السوري في شوارع بيروت واللافتات الساخطة عليه تضيف فشلا جديدا لنظام يدعي القومية العربية ويرفع شعاراتها، فبعد وجود طويل على الأرض اللبنانية وبعدما أسمعنا الإعلام عن مزايا وميزات الشقيقة الكبرى تأتي الحقائق على الأرض لتظهر السقوط الذريع للنظام السوري في كسب الشارع اللبناني حتى في بعده السني. فما الذي يتبقى بعدها للنظام من إنجازات وشعارات ليستند إليها وعليها إن كان ليبرر وجوده في الحكم أو على الأرض أو لمواجهة العواصف الأمريكية العاتية.
– في عام 1990 أعطت أمريكا الضوء الأخضر للنظام السوري ليكتسح مواقع العماد ميشيل عون في بيروت الشرقية وإنهاء تمرده مقابل الدعم السوري للولايات المتحدة في عاصفة الصحراء والتي شارك فيها النظام السوري بقواته في حفر الباطن مخالفا ما كان يرفعه من شعارات ومبادئ. أمريكا اليوم تستخدم المعارضة اللبنانية أو على الأقل توظفها ومنها تيار ميشيل عون لإذلال النظام السوري ومحاصرته. القفز على المبادئ والبراغماتية السياسية ترتد على أصحابها من الأنظمة التي لا تستند إلى شرعية شعبية ولا تتواصل مع مواطنيها، بؤسا وإذلالا.
– الشريط الذي ظهر فيه شاب يدعي قيامه بعملية الاغتيال وعدم توقف الإدارة الأمريكية عند هذا الشريط رغم ظهور الرجل فيه دون قناع، في حين تستخدم الإدارة الأمريكية أشرطة من هذا النوع لتبرير سياسات معينة أو تهئية الرأي العام الأمريكي لحروب أو مواجهات. وبالرغم من ترجيحي أن ما جاء في الشريط غير صحيح فإنني لا تأسف تماما على ما وصلنا إليه من التردي السياسي والاجتماعي والفكري بحيث أصبحت الأشرطة المجهولة والمعروفة هي التي تصنع حقائقنا السياسية والنفسية وتفرضها علينا.
– النظام السوري أدار ظهره لشعبه وخان الإصلاحات السياسية التي نادى بها وراهن وما يزال على تقديم التنازلات للإدارة الأمريكية والتي تطالبه بالمزيد وبشكل مهين. أخفق النظام السوري في اقتناص فرص عديدة للمصالحة الشعبية الواسعة وازدرى الكثير من دعوات المعارضة لفتح صفحة جديدة مستهترا بها لضعفها كما صرح أكثر من مسئول سوري، وعوض أن يفتح أبواب السجون لإطلاق سراح سجناء الرأي، فتحها لإدخال نواب برلمانيين وناشطين حقوقيين طالبوا وعلى استحياء بإصلاحات محدودة. كتبت وكتب غيري أن الطريق الوحيد لنجاة سورية وخلاصها يكمن في إصلاحات سياسية واسعة حقيقية وفي إجراء انتخابات نزيهة تماما وعلى كل المستويات. إن ديمقراطية حقيقة في دمشق ستحرج الإدارة الأمريكية كثيرا وتعري أطروحاتها وتوحد الجبهة الداخلية السورية في مواجهة التحديات الخطيرة المتسارعة تداعياتها. غير أن سورية النظام تصم أذنيها تماما عن كل نصح مخلص وتنتظر الخلاص من خلال الانحناء الشديد للعاصفة الهوجاء.
من المؤكد أن أمريكا لا تريد خيرا لا بنا ولا بمنطقتنا، والنموذج العراقي خير شاهد على النتائج البائسة لاحتلال يدمر الأخضر واليابس، كما يبتغي التحكم بالمقدرات الاقتصادية وإعادة تشكيل الخارطة السياسية في المنطقة الهيمنة على العقل العربي وتطويعه وتطويقه، وربما تتحول منطقتنا إلى مناطق صراعات قبلية ومذهبية وعرقية لتمتد اللبننة والصوملة والعرقنة إلى كل أو أغلب دولنا، لتبقى بلادنا رديفة للتخلف والنزاعات واستهلاك السلاح الأمريكي، غير أنه من غير المنطقي أن نحمل الغزو الخارجي لبلادنا كل ما نعانيه وما ننحدر إليه من قاع سحيق في هاوية التخلف وما نتردى إليه من درك الهزيمة. تتحمل الأنظمة البائسة والتي أوصلت البلاد إلى قيعان التخلف العلمي والإفلاس السياسي وانعدام الوزن الإقليمي والدولي، وأوصلت العباد إلى الفقر والبؤس والحرمان من حقوق المواطنة والحرية والمساهمة في بناء بلادهم، الجزء الأكبر من المسؤولية عن ما آلت إليه أوضاعنا وأحوالنا. كما نتحمل جميعا بسلبيتنا وتجذر الخوف في نفوسنا ما وصلنا إليه.
على النظام السوري أن يدرك أنه يلعب – كما يقولون- في الوقت الضائع وأن يتعظ مما آل إليه النظام العراقي، فالتنازلات تفتح الباب أمام المزيد والمزيد حتى السقوط المدوي. الأوراق التي يمكن استخدامها ضد النظام كثيرة، فكما فُتحت ملفات حلبجة بعد ما يزيد عن 15 عاما يمكن وبسهولة بالغة أن تفتح ملفات حماة وتدمر وجسر الشغور ومسألة اغتيال رياض طه وسليم اللوزي وبنان الطنطاوي والسفير الفرنسي في لبنان وغيرهم كثير، كما يمكن الحديث المثير للمشاعر عن حكم الأقلية وحقوق الأكثرية، ولن ينفع النظام لا تبريرات "دخل الله" الفارغة ولا فلسفات "بثينة شعبان" الغارقة في الخيال السياسي. بل إن الجرأة والوقاحة الأمريكية المستندة إلى منطق القوة والتجبر ممكن أن تستخدم قضية "ماهر عرار"، والذي عذبه النظام السوري وغيره لصالح أمريكا وحربها على "الإرهاب" كواحد من أدلة إدانة النظام وتجريمه. على النظام السوري أن يستدرك وبشكل عاجل الأمر، باحترام المواطن وصون حرياته وكرامته وإطلاق شامل لسراح السجناء السياسيين مع تعويضهم والاعتذار منهم ولهم والعودة إلى الشعب متصالحا.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر