آخر الأخبار

المحامي نور الدين البحيري في حوار جريء مع العصر 2-2

2005-2-16 | الطاهر العبيدي المحامي نور الدين البحيري في حوار جريء مع العصر 2-2

تواصلا مع الملف التونسي الحاضن لأبعاد ومخلفات وآثار عملية إطلاق سراح بعض المساجين الإسلاميين، وما حام حولها من الجدل والردود والتفاعلات والانطباعات والرؤى والكثير من التحليلات حول هذا الحدث، الذي بدا حدثا هاما على محدوديته حيث لا زال يفعّل الساحة السياسية التونسية بجميع مكوناتها، ولكي نواصل إثراء هذا الملف وتوريقه أفقيا وعموديا، وتصفحّه يمينا ووسطا ويسارا، استضفنا هذه المرة أحد الوجوه الحقوقية والسياسية البارزة في الداخل التونسي وهو المحامي الأستاذ نور الدين البحيري عضو مركز استقلال القضاء والمحاماة، ومنسّق لجنة المحامين النائبين أمام المحكمة العسكرية صيف 1992.حاولنا أن يكون حوارنا معه جريئا ومفتوحا على كل القضايا فكان صدره رحبا في الإجابة على أسئلتنا....وإليكم الجزء الثاني :

* باعتبار أنكم أحد الوجوه الحقوقية، هل كان للعمل الحقوقي سواء المباشر أو الغير مباشر تأثيرا في إطلاق سراح بعض المساجين؟

** منطقيا يستبعد أن يكون أي عمل بشري نتاج معطى واحد. ومع أنه لا أحد من خارج دائرة صنع القرار يعلم تحديدا مبنى قرار السراح وأهدافه، ولا المعطيات التي ساعدت على اتخاذه، فإنه من المعلوم أن السراح كان بقرار من السيد رئيس الجمهورية، وأن أغلب المعنيين بمتابعة الأوضاع في بلادنا والمسرحين وعائلاتهم وأصدقائهم تفاعلوا إيجابيا مع ذلك القرار، واعتبروه استجابة محمودة لما سبق لهم المطالبة به. ومن الطبيعي جدّا أن تكون هذه الخطوة ( وإن كانت جزئية) دافعا لمزيد بذل الجهد من أجل توسيع دائرة المؤمنين بضرورة إفراغ السجون من المساجين السياسيين.والمطلوب تكثيف النضال السلمي والمسئول من أجل طي صفحة الماضي، وإعلان العفو التشريعي العام، ويتجه التأكيد أن للمنظمات والفعّاليات الحقوقية والإنسانية المستقلة وذات المصداقية، والتي لا أحد ينكر أهمية ما قدمته لقضية المساجين في بلادنا خلال العشرية الماضية، دورا أساسيا تلعبه دفاعا عن الحرية والكرامة والمساواة.

* العمل الحقوقي بقي نخبويا ولم يستطع الوصول إلى الشرائح الاجتماعية، بمعنى أنه لم يستطع أن يحضن المواطن العادي إلى ما يعود ذلك؟

** إذا كان المقصود بالنخبوية، نخبوية القيادة والأطر فذلك يعود لعدة أسباب أهمها طبيعة العمل الحقوقي في حدّ ذاته، بما هو عمل مختص يتطلب خبرات واستعدادات علمية ونضالية دنيا لا تتوفر عند العامة، ولذلك كانت المنظمات الحقوقية في كل أنحاء العالم على مستوى عدد الفاعلين فيها، وقياداتها نخبوية وهي معنية بالكيف أكثر من عنايتها بالكم، علاوة على أن بعضها مختصّة في مجالات محدودة، ممّا يجعل الانخراط فيها حكرا على فئات دون أخرى، مثلما هو شأن مركز استقلال القضاء والمحاماة على سبيل الذكر. وأما إذا كان المقصود بالنخبوية عجز هذه المنظمات على الوصول إلى أوسع شرائح المجتمع، والتبشير بأفكارها والمبادئ التي تدافع عنها، فذلك راجع لعدّة عوامل موضوعية، من بينها صعوبة إن لم نقل استحالة التواصل مع أوسع فئات الشعب، بسبب انعدام الحق في التنظم والتعبير ومنع أنشطة الجمعيات المعنية ومحاصرتها، وذاتية من مثل ما تشكو منه بعض هذه المنظمات والهيئات من ضعف إيمان بعض منخرطيها والفاعلين فيها بالمبادئ التي تأسست عليها، وانعدام الممارسة الديمقراطية داخلها وعجزها عن الانفتاح على كل الطاقات، وغياب الحد الأدنى من الشفافية الإدارية والمالية، وخضوعها في حالات عديدة للتوظيف السياسي والفئوي وحتى الشخصي.إن محاصرة السلطة للعمل النقابي والسياسي والحقوقي بصفة عامة على أهميته، لا يجب أن يمثل عائقا أمام وجود عمل حقوقي ونقابي حرفي ومستقل ومحايد، تحكمه قواعد التعامل الديمقراطي، بما يضمن تجذّره وإشعاعه وإنجازه المهام المنوطة به.

* ما يلاحظ أن المجال الحقوقي في تونس موزع بين عدة أطراف ( جمعيات منظمات شخصيات أحزاب)، هل هناك تعاون بين هذه الأطر، وما هي شكل العلاقة التي تحكم الجميع؟

** لأسباب ذاتية وموضوعية كثيرا ما ينعدم التعاون بين هذه الأطر، بل يطغى على علاقاتها في بعض الأوقات طابع الصراع، حتى تحولت العلاقة بين هذه الأطر إلى مجرّد مرآة تعكس الخلافات السياسية والفكرية التي تشقّ المجتمع، وبسبب ذلك تأثرت الأوضاع داخل بعض المنظمات الحقوقية فيما بينها، بتطورات العلاقة بين بعض الأطراف والأفراد سلبا وإيجابا، وقد زاد الأمر تعفّنا انعدام الشفافية والديمقراطية، وسلطة المؤسسات داخل هذه المنظمات، دون أن ينفي ذلك وجود بعض المحاولات المحتشمة للتنسيق بينها وتوحيد جهودها، من مثل ما تحقق في فترة سابقة بمبادرة من الصديق الأستاذ محمد نجيب الحسني الناطق الرسمي السابق باسم المجلس الوطني للحريات، والقاضي مختار اليحياوي رئيس مركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة، والأستاذ فتحي الشامخي الناطق الرسمي باسم التجمع من أجل بديل عالمي للتنمية، وللأسف الشديد بقيت هذه المحاولات ظرفية ومناسباتية، وكل الأمل أن تنجح قيادات المجتمع المدني في تجاوز العراقيل والمعوّقات، من أجل بناء عمل مشترك جدّي ودائم، وهنا أود التأكيد أن للأخ المناضل مختار الطريفي بوصفه رئيسا للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان دورا هاما يلعبه خدمة لحقوق الإنسان، ولوحدة نضال منظمات المجتمع المدني بما يتماشى ومكانة الرابطة وعراقتها.

* السنين الأخيرة تميزت بعدّة تحركات حقوقية بقيت في شكل لجان خاصة، تولت الدفاع عن بعض الحالات نذكر منها على سبيل المثال: (لجنة الدفاع عن حمة الهمامي - لجنة الدفاع عن عبد الله الزواري - لجنة الدفاع عن عبد اللطيف المكي وجلال عياد - لجنة الدفاع عن العجمي الوريمي - لجنة الدفاع عن مجموعة جرجيس – لجنة الدفاع عن الأستاذة راضية النصراوي وغيرها...)، وقد كانت ذات نجاعة وحققت نجاحات هامة، فما الذي يمنع من توحيد كل الجهود من أجل تحقيق مطلب العفو التشريعي العام في رأيك؟

** تحول الكثير من العوامل مجتمعة دون توحيد الجهود من أجل تحقيق هذا المطلب، علما وأن أهم تلك العوامل هيمنة الحسابات الإيديولوجية والسياسية على العمل الحقوقي، وهو ما انعكس سلبا على نشاط الجمعيات والمنظمات، التي تتفاعل بعضها مع الحالات لا حسب خطورتها، بل حسب هوية أصحابها، وإنني أعتقد أن استعادة المنظمات الحقوقية والإنسانية لاستقلاليتها عن كل الأطراف، وتحرّرها من كل الحسابات، هو السبيل الوحيد لإعطاء نضالها الزخم الضروري، لتحقيق مهامّها.

* في الفترة الأخيرة لاح إجماع وطني حول مطلب العفو التشريعي العام، فما هي معالم هذا المطلب وآلياته وشروطه، وما هو المطلوب من الجميع لتحقيق هذا الهدف وما مدى تجاوب السلطة في هذا الإطار؟

** مطلب العفو التشريعي العام مطلب مشروع وهو مطلب وطني، يهدف إلى طي صفحة الماضي بوضع حدّ للعقاب ومحو آثاره، وتمكين كل المحكوم عليهم من حقوقهم المدنية كاملة، بما يؤهلهم للمشاركة في نحت مستقبل بلادهم بدون استثناء ولا إقصاء، وبترك النظر عن مدى تفاعل السلطة مع هذا المطلب، فإن المطلوب أن يتجاوز المؤمنون بمشروعيته وضرورته مرحلة رفع الشعار، إلى مرحلة وضعه في سلم أولويات النضال الوطني.

* بوصفكم أحد مؤسسي مركز استقلال القضاء والمحاماة هل هذا يعني أن القضاء التونسي لا يتمتع باستقلالية، أم أنه مؤسسة القضاء خاضعة للسلطة التنفيذية، وما صحّة ما يقال أنه في السنين الأخيرة انتفى دور المحامي، وأصبحت مهمته تقريبا شبه لاغية باعتبار وجود الأحكام المسبقة؟

** لم يكن تأسيس مركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة مجرّد ردّة فعل على واقعة محدّدة، بل كان تتويجا لجهود انطلقت منذ مدّة، بناء على ما ترسّخ لدى مجموعة من الحقوقيين من قناعة، بأنه لا سبيل لبناء دولة القانون والمؤسسات دون قضاء ومحاماة مستقلين، ولقد ساهمت رسالة القاضي مختار اليحياوي في دفع وتطوير المساعي لبعث المركز، الذي وضع من أهم أهدافه المساهمة في تعميق الآليات الضرورية لضمان استقلال القضاء والمحاماة، وتحقيق مطالب القضاة والمحامين في إنجاز الإصلاحات الضرورية، ليقوم القضاء بدوره كاملا كمؤسسة دستورية مستقلة، ولتقوم المحاماة بواجبها في المساهمة في إقامة العدل، وإنه لمن الطبيعي إذا ما حالت الظروف دون القضاء ودون القيام بدوره الدستوري، أن يتقلص دور المحامي بما حال دون توفير الشروط الدنيا للمحاكمة العادلة، هذا علاوة على ما يتعرّض له المحامون كقطاع وكأفراد من مضايقات وتعدّيات، وصلت حدّ الاعتداء المادي على العديد منهم وتضييق مجال تدخّلهم، والتدخل في توزيع القضايا على أساس الولاء السياسي، وتسخير إمكانيات الدولة للتأثير في اختيار المحامين لممثليهم .

* باعتباركم أحد الذين أمضوا على الميثاق الوطني سنة 1989 كيف تنظرون بعد هذه السنين لهذا الميثاق وهذا الإمضاء، وما هي الأسباب التي عطلت التطبيق على أرض الواقع، وهل الوضع السياسي التونسي يحتاج الآن إلى ميثاق آخر، وإن كان كذلك فما هي تحديدا معالمه الأولية؟** كان الميثاق الوطني مجموعة قواعد دنيا متفق عليها، وبهذا المعنى كان محاولة جماعية لقراءة الواقع وسبل تطويره وبناء المستقبل، وللأسف الشديد تمّ إجهاض تلك الخطوة، ممّا أدخل البلاد في نفق مظلم، وبترك النظر عن الصيغ والأشكال، فإنني أعتقد والله أعلم أنه لا أحد يملك الحقيقة، وأن الاختلاف والتنوع نعمة لا نقمة، وأنه لا إمكانية للخروج مما نحن فيه، ومواجهة التحدّيات الداخلية والخارجية، إلا بوفاق شامل على أساس الوفاء للوطن أولا وأخيرا.

* ما الفرق حسب تجربتكم بين تلك الفترة، التي رأى فيها البعض أنها اتسمت ببعض الانتعاش السياسي، وبين هذه المرحلة، التي يصفها الكثير بمرحلة الانغلاق السياسي؟** الفرق بين تلك المرحلة من تاريخ البلاد وهذه المرحلة، يكمن فيما ظهر من محاولة اتفاق الفرقاء سابقا في البحث عن شرعية جماعية، بما يحفظ مصالح كل الكيانات ولو بأحجام مختلفة، في حين أن المرحلة التي تلت سنة 1992 انبنت على شرعية الغلبة والانفراد بالحكم.

* أنتم من الوجوه الإسلامية البارزة في الحقل السياسي الإسلامي التونسي، قبل أن تأخذوا مسافة من التنظيم بداية التسعينات، هل ممكن أن نتعرّف على الأسباب والدوافع التي جعلتكم تتخذون هذا الموقف، خصوصا وأن بعض الاستقالات في تلك الفترة، أثارت كثيرا من ردود الفعل الغاضبة، في حين أن الآن هناك تيار، يتفهّم هذه المواقف بل يعتبرها البعض إلى حدّ ما مواقف راشدة سياسيا؟

** إن من الصعب جدّا تغليب موقف على آخر وذلك لعدة اعتبارات، أولها عدم مواكبة تفاصيل ما شهدته مؤسسات الحركة قبل وبعد البيان الثلاثي، وثانيها استحالة التواصل مع أغلب الإخوة وخاصة الفاعلين منهم داخل المؤسسات، بسبب الحصار والمتابعة اللصيقة والدائمة التي استهدفت لها، إثر إطلاق سراحي بعد احتجاز دام أكثر من شهر بمحلات وزارة الداخلية، وثالثها إيماني بخطأ الانتهاء إلى مواقف حاسمة ونهائية من أحداث، في غياب الفاعلين الرئيسيين فيها بين السجن والمهجر، ولكن ذلك لا يحول دوني ودون الإشارة إلى أن ما حصل كان دليلا على فشل الجميع في إدارة الحوار في لحظة تاريخية حاسمة، بما فوّت فرصة اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، ومواجهة المستجدّات بالحكمة والاقتدار اللازمين، وتفادي حصول الكارثة التي لم تصب الحركة ومناضليها فقط بل أصابت البلاد عامّة، والأهم من كل ذلك حسب رأيي والله أعلم يكون في التعمّق في البحث عن سبل تجاوز الواقع الراهن بموضوعية وتجرّد، بعيدا عن الإعجاب بالنفس وبالكثرة وعن التحقير وجلد الذات، في إطار خيار إيجابي تصالحي مع الذات ومع المحيط.

* في شهر أكتوبر الماضي كنت قد صرّحت لجريدة "لوموند ديبلوماتيك" أنك تشكك في عملية مقاطعة الانتخابات الرئاسية، التي نادت بها بعض الأطراف، هل يمكن أن نعرف أكثر مرتكزات هذا الموقف، وما مدى مخلفاته على صعيد علاقتكم بمن نادوا بالمقاطعة، ومن ضمنهم الشيخ راشد الغنوشي؟

** سبق لي أن أكدت خطأ إعطاء الانتخابات التي شهدتها البلاد مؤخرا أولوية في سلم اهتمامات المعارضة الوطنية، لأنه في غياب أي رهان جدّي يصبح بذل أيّ جهد في الدعوة إلى المقاطعة أو المشاركة من قبيل العبث، ومحاولات القفز على الواقع وتهميش وتغييب القضايا الرئيسية، فماذا يمكن أن تعني هذه المحطة للمحرومين من الحق في الحياة، الذين يعاملون على أنهم مواطنين من درجة رابعة أو خامسة، وماذا يمكن أن تعني هذه الانتخابات حتى وإن كانت حرّة وشفّافة عندما تنعدم المساواة بين المواطنين، ويستهدف قطاعات واسعة منهم للإقصاء ومحاولات الاستئصال...ماذا تعني الانتخابات للمحرومين من بطاقات الهوية والعلاج والحق في العمل والتنقل ... كلنا يعرف أن الانتخابات بما هي آلية لتنظيم التداول على السلطة، تقتضي من جملة ما تقتضي تمتع الجميع بحقوق المواطنة كاملة، فلا انتخابات حرّة لمواطنين غير أحرار، وفي غياب الشروط الدنيا الضامنة لتعبير كل مواطن عن إرادته، وفي ظل التمييز واللامساواة تصبح الانتخابات وسيلة لتكريس الاستبداد، ولعبة معلومة النتائج مسبّقا.مازلت شخصيا على قناعة تامّة بأن بلادنا في أمسّ الحاجة إلى تيار وطني جامع مناضل من أجل الديمقراطية، على قاعدة الحد الأدنى الذي يوحّد أكثر ما يمكن من الفعاليات والطاقات من مختلف الأطياف، وأنه من أولى أولويات هذا التيار الوطني خوض معركتين هامتين، أولهما معركة بنائه وتشكله ووضع أسسه النظرية والقانونية، وثانيهما معركة الإقناع بشمولية قيم الحرية والعدل والمساواة، ورفض كل دعوات الاستثناء مهما كان مأتاها ومبناها، وعلى هذا الأساس فإن معركة الانتخابات آنيا هي معركة الباحثين عن البقاء في الحكم والمشاركة فيه أو الوصول إليه في غياب الشروط الدنيا لممارسة الديمقراطية الحقيقية.إن من يختزل كل مشاكل البلاد في وجود هذا أو ذاك في أعلى هرم السلطة، ويحاول حصر الصراع في الموقف من مسائل شكلية دستورية وقانونية على أهميتها، إنما يتجاهل أن البلاد تعاني من أزمة شاملة (سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا)، وأن هذه الأزمة مسّت كل المواقع والمستويات (في الحكم والمعارضة ومنظمات المجتمع المدني على حدّ السواء)، وإن الاستبداد ليس نتاج وجود حاكم مستبّد فقط بل هو نتاج وجود استعداد لقبوله والخنوع له، أو كما سمّاه المفكر المرحوم مالك بنبي "استعداد للعبودية"، وهو نتاج غياب قوّة مضادّة، تحدّ من نزوع الحاكم نحو الانفراد بالسلطة والثروة، وهذا يحيلني إلى التأكيد على القول للمرة الألف أنه لا يهمّني اليوم ولا غدا من يحكم، بقدر ما يهمّني كيف وبماذا يحكم، فلا فرق عندي بين الدكتاتورية التي يمارسها علماني أو تلك التي يمارسها قومي أو إسلامي، فالدكتاتورية دكتاتورية مهما كان الغطاء، هذا علاوة على أن مسارعة البعض إلى الدعوة إلى المقاطعة ورفض فتح أي حوار حول المسألة، بل رفض حتى مجرّد الحوار مع الداعين إلى المشاركة، وممارسة أشكال من الضغوط إلى حدّ محاولة الإكراه، كشف عن ترسّخ عقلية وصاية، وكأنه لم يكفهم ما نعانيه من وصاية الحزب الحاكم وعتاة الاستئصاليين، ليثقلوا كاهلنا بوصاية المقاومين والثوريين الذين ذهب في ظنهم خطأ أن غيرهم مجرّد طابور خامس طوع بنانهم، كما توهّم غيرهم أن مصلحتهم تكمن في رسم ملامح مستقبل البلاد وخياراتها الكبرى وخارطتها السياسية والفكرية، في غياب طرف إسلامي فاعل بما أغراهم بتهميش قضية المساجين والمهجّرين، إن لم نقل تعطيل حلها بكل السبل، بما في ذلك المزايدات مما عطل بعض المساعي الجادّة (على تواضعها)، لوضع اللبنات الأولى لبناء التيار الوطني الذي سبق أن أشرت إليه، وبما ساهم عن (وعي أو غير وعي) في إجهاض محاولات توحّد المعارضة الوطنية، ومكوّنات المجتمع المدني حول برنامج الحد الأدنى لمواجهة استحقاقات تلك المرحلة، وكأن من نتائج ذلك المزيد من تشتت الصفوف وإضعافها. كان المطلوب مرحليا التوحّد حول أدنى جامع بدون شروط مسبقة، وتقديم الأهم (وحدة الموقف والممارسة النضالية) على المهم (سقف المطالب والخيارات)، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، أما عن مخلفات ذلك على صعيد العلاقة بمن نادوا بالمقاطعة بصفة عامة، فإن إيماني العميق بأنه لا أحد معصوم من الخطأ، وأن الاختلاف رحمة، وأنه لا يفسد للود قضية، وأن من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد، كفيل بأن يضع ذلك الخلاف الجزئي في إطاره الحقيقي ومكانة كل الإخوة الذين كان لهم شرف العطاء بلا حدود والهجرة دفاعا عن الكرامة والوجود، وعلى رأسهم الأخ المناضل راشد الغنوشي في أعمق أعماق القلب والوجدان...

* في إحدى كتاباتك ذكرت "...أن القمع مهما كانت هوية الجلاد وهوية الضحية، لم يعبّد يوما طريقا للديمقراطية، فالقمع والتسلط من جهة، والحداثة والديمقراطية من جهة أخرى خطان متوازنان لا يلتقيان أبدا...هل من توضيح لهذا القول، وما هو حسب مفهومك الحد الفاصل بين الديمقراطية والحداثة؟

** لا يختلف اثنان في أن الحداثة هي نقيض التخلف والماضوية، وإذا كان انفراد البعض واستئثارهم بالحكم وبالسلطة على أساس العرق أو الدين أو الجنس أو الانتماء السياسي، وانعدام الفصل بين السلطات والاستعباد والاستغلال أهم مظاهر الأنظمة الماضوية المتخلفة، فإن حكم الشعب للشعب بنفسه والتحرّر من سلطة الكهنة، الذين يدّعون الحكم باسم المقدس (أديانا وقيما إنسانية أو طبقات وأعراق)، والمساواة بين البشر على قاعدة المواطنة، وإنهاء مظاهر التمييز والعبودية كلها وغيرها من أسس الدولة الحديثة. ولذلك فإن الأنظمة الكليانية نقيض الأنظمة الحداثية، ووضوح هذه المسألة لم يمنع بعض المستفيدين من السلطة من محاولة إضفاء صفة الحداثة على بعض الأنظمة، لمجرّد اتخاذها إجراءات جزئية في بعض المجالات، تكريسا لنظرة تجزيئية تبريرية، والحال أن الدولة الحديثة في جوهرها دولة ديمقراطية، تضمن الحرية والحق في المحاكمة العادلة، والحق في العيش الكريم وفي الثروة الوطنية، وفي التداول على السلطة للجميع على قدم المساواة، دون تمييز بسبب انتماء سياسي أو جنس أو لون أو عرق، وهو ما لا يتوفر مطلقا في الأنظمة الاستبدادية القائمة هنا وهناك، وقد أثبتت التجربة التاريخية فشل محاولات غلاة العلمانويين (والتعبير للسيد ألان قراش رئيس تحرير جريدة لوموند ديبلوماتيك )، تبرير قمعهم للمجتمع وتسلطهم عليه وسحقهم للإرادة الحرّة، بادعائهم التحديث والحداثة، كما أثبتت التجربة التاريخية، أن بعض الأنظمة التي تسلطت على رقاب الشعوب تحت ستار التقدمية لم تزد بلدانها إلا تخلفا، وأن الأنظمة التي تحول بقوّة الحديد والنار دون المجتمع، ودون التعبير عن ذاته وإرادته الحرّة، والتي تجعل من الشعوب عبيدا، ومن الحكام آلهة ليست إلا أنظمة ماضوية متخلفة، مهما وضعت من مساحيق، ومهما ابتعدت أو اقتربت فيما ترفعه من شعارات من بعض المبادئ الدينية، أو التي يحسبها الناس كذلك، فمجرّد منع نظام دكتاتوري لتعدد الزوجات ليس دليلا على حداثته، كما أن مجرّد إبقاء نظام آخر على التعدد ليس دليلا على إسلاميته .

* من الملاحظ أن البعد الإسلامي في المجتمع التونسي بدا حاضرا وفقا لفقه واقع مغاير لسنين خلت، مغايرا لما رسم سابقا، وفقا لمرحلة أخرى آخذة بعين الاعتبار كل الموازين والمنعرجات الفكرية والمجتمعية، حيث أن هذا الجيل لم يعايش التجربة السابقة، جيل أقرب للواقع الأرضي لا يؤمن بالتحلق ضمن المربعات فكيف ترون أنتم هذا الأمر؟** بلادنا ليست إلا جزءا من عالم متحرّك يعيش تحولات عميقة على كل المستويات، وما صلح لمواجهة متطلبات مراحل مضت، لن يصلح لمواجهة المرحلة الراهنة، والمطلوب لضمان الديمومة والقدرة على الفعل، إحداث نقلة نوعية وتثوير الحركة الإسلامية على مستوى الخيارات والمهام والأولويات والوسائل، ولا مفرّ من أن تترك دعوات التمييز والتمايز والقطيعة وتحقير الآخر مكانها للدعوة إلى القبول بالآخر والمساواة والاندماج، كما تترك الدعوة للأحقية في الريادة والقيادة مكانها إلى الدعوة للمشاركة والمساهمة، ذلك أنه من الطبيعي بعد أن ساهمت الحركة الإسلامية وبفعّالية في إيجاد توافق عام بين الفرقاء الإيديولوجيين والسياسيين، حول الالتزام باحترام هوية البلاد العربية الإسلامية وعدم المساس بها، أن تطوّر أهدافها بما يستوعب ما تحقق (وهو على درجة كبيرة من الأهمية) ويستجيب لتحديات المرحلة.إن تحمّل الدولة بما هي تعبير عن الإرادة الجماعية، لمهمّة حماية الهوية والدفاع عنها، وترسيخ وجود مكوناتها، والواجب المحمول على الأحزاب والمنظمات دستوريا وقانونيا في احترام القيم المشتركة، وحق المجتمع في بعث الجمعيات والمؤسسات الدينية والخيرية وتحرير المساجد من التسلط الحزبي، فالدفاع عن الهوية مثله مثل الدفاع عن حرمة الوطن واجب وطني محمول على الجميع، بما يحرّر الحركة من تبعات تحمّل تلك المسؤولية لوحدها، وبما يمكنها من المشاركة كطرف على قدم المساواة مع غيرهم في تأهيل المجتمع لمواجهة التحدّيات الراهنة داخليا وإقليميا ودوليا. إن اللحظة التاريخية التي نعيشها تجعل البلاد في حاجة إلى بناء حركة حضارية إصلاحية أصيلة، تساهم في تحقيق الديمقراطية، وإنجاز النهضة الشاملة المنشودة لا إلى حركة فئوية منغلقة.* يرى البعض أن مشروع "الجماعة" بما هو مشروع فئوي استنفذ أغراضه أو يكاد، وأن المطلوب هو التحول من ضيق الجماعة إلى سعة حركة حضارية ديمقراطية، ومن الاهتمام ببناء الفرد المؤهل للقيادة فقط، إلى الاهتمام بتأهيل المجتمعات للتعاطي باقتدار مع متطلبات مرحلة ما بعد الحداثة، حتى تكون البلاد والأمة طرفا فاعلا في نحت ملامح مستقبل العالم والإنسانية.

** إن هذا التحول ليس ضروريا لضمان نمو الحركة فقط، بل هو ضروري لضمان حياتها واستمرارها، فالجمود والعجز طريق إلى الموت والفناء، وهذا التحوّل التلقائي الطبيعي يجب أن يتجاوز حدود الأشكال والأطر والمصطلحات، إلى عمق المبادئ والغايات الكبرى، لينعكس على الأهداف المرحلية والأولويات، إن المطلوب حسب رأيي والله اعلم أن تتحرّر الحركة من الإطار الضيّق الذي يحاول النظام الحاكم وبعض الأطراف المعادية للحرية والمساواة (وإن ادعت خلاف ذلك) حصرها فيه، واستنزاف طاقات أبنائها وجهودهم بسببه، وذلك باستثمار ما توفر لديها من رصيد وإمكانات في إعادة البناء، على أسس تستجيب لتطلعات الجيل الجديد، في إطار من الاستمرارية والتواصل مع رموز وطلائع الإصلاح في بلادنا (أفرادا ومنظمات وأحزاب)، لأن الدماء التي بذلت والتضحيات التي أنفقت خلال العشرية الأخيرة، لم تكن سدّا في وجه أطماع دعاة الاستئصال وغلاة الستالينيين فقط، بل جسرا منيعا ربط بين رواد حركة الإصلاح والنهوض خلال القرن الأخير من أمثال: الشيخ سالم بوحاجب، وخير الدين التونسي و الطاهر بن عاشور، وعبد العزيز الثعالبي، ومحي الدين القليبي، وغيرهم ممّن تحمّلوا مسؤولية النضال من أجل تحديث البلاد والنهوض بها...حركة ترفض القطيعة والمفاصلة والعنف والإكراه والوصاية، وتقدّس الحق في الاختلاف والتعدد والتدافع السلمي، تؤمن بأن الحكم للشعب وأن الدولة المبنية على أساس الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء كمعبّرة عن الإرادة الجماعية هي الحامية لأحكام الدستور والقانون والمقدسات، وبأن الديمقراطية ليست آلية لضمان التداول على السلطة فقط، بل هي أداة لحماية التعدّد والتنوع والتربية على احترام حقوق الأقلية، وضمان حماية المجتمع من تغوّل الدولة، بتمكينه من التعبير عن ذاته، بواسطة منظمات وجمعيات مستقلة عن كل الأطراف (كقوّة مضادّة لكل نزوع نحو الاستبداد)، حركة لا تختزل النضال السياسي في التسابق نحو الحكم، بل تؤمن أنه عملية بناء من أجل ترسيخ قيم الحق والحرية والمساواة والكرامة في المجتمع، بما هي شروط ضرورية لتحقيق الديمقراطية، حركة تتجاوز حدود " الدعوة والتبشير والإفتاء " إلى حركة تساهم في إيجاد حلول واقعية وجدية لقضايا الأمية والفقر والبطالة والتنمية ... حركة تحمل هم الجواب على التساؤلات المرتبطة بسبل مواجهة تداعيات العولمة وآثارها (معرفيا وقيميا وسياسيا واقتصاديا ) بما يحمي الحركة من تبعات شبهة استغلال الدين وتوظيفه ويحمي ظاهرة التدين من شبهة التحزب ويمكن كل أبناء الشعب والأمة من المشاركة في توفير شروط تطورها وتقدمها.نجحت الحركة والتيار الوطني خلال العشرية الماضية في إفشال محاولات استئصالها، كما نجحت في إجهاض مخططات تجفيف منابع التدين في البلاد، وإغراق وطننا في مستنقع ردود الأفعال العنيفة والتحارب والتقاتل، وذلك بصبرها وصبر أبنائها على الأذى رغم قساوته وبشاعته إيمانا واحتسابا، بما ساهم في الحفاظ على مكانتها في قلوب الناس، وتدعيم وجودها وحضورها المعنوي في المجتمع، ويسعى أعداؤها أعداء الديمقراطية والهوية، إلى الالتفاف على ما تحقق لها ولشعبها ولكل الخيّرين فيه من مكاسب، عبر إغراقها في الخوض في قضايا هامشية والبقاء أسيرة لمستجدات الظروف الطارئة، وتلهيتها عن طرح القضايا الأساسية والجوهرية التي تشغل بال الشعب والأمة، والاستفادة ممّا توفر لديها وحولها من طاقات خلاقة مبدعة قادرة على تحقيق الكثير، متى توفّرت لها الظروف الملائمة، لذلك يحاول البعض من الذين عجزوا عن النظر إلى أبعد من أنوفهم أسر الحركة وفعالياتها ومعها كل قوى الخير والبناء في البلاد، في حلقة مفرغة تبدأ من السجن لتنتهي بالسجن، بعد فسحة قصيرة لأشهر أو سنوات وعلى الحركة أن تتحرّر من ذلك الأسر لتحرّر طاقات أبنائها وشعبها لخدمة الوطن والأمة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر