المحامي نور الدين البحيري في حوار جريء مع العصر 1-2

2005-2-11 | الطاهر العبيدي المحامي نور الدين البحيري في حوار جريء مع العصر 1-2
تواصلا مع الملف التونسي الحاضن لأبعاد ومخلفات وآثار عملية إطلاق سراح بعض المساجين الإسلاميين، وما حام حولها من الجدل والردود والتفاعلات والانطباعات والرؤى والكثير من التحليلات حول هذا الحدث، الذي بدا حدثا هاما على محدوديته حيث لا زال يفعّل الساحة السياسية التونسية بجميع مكوناتها، ولكي نواصل إثراء هذا الملف وتوريقه أفقيا وعموديا، وتصفحّه يمينا ووسطا ويسارا، استضفنا هذه المرة أحد الوجوه الحقوقية والسياسية البارزة في الداخل التونسي وهو المحامي الأستاذ نور الدين البحيري عضو مركز استقلال القضاء والمحاماة، ومنسّق لجنة المحامين النائبين أمام المحكمة العسكرية صيف 1992.
حاولنا أن يكون حوارنا معه جريئا ومفتوحا على كل القضايا فكان صدره رحبا في الإجابة على أسئلتنا....
* الحوارات التي أجرتها مجلة العصر الإلكترونية مع بعض قيادات حركة النهضة التونسية حول عملية إطلاق سراح بعض المساجين الإسلاميين، أثارت الكثير من الحبر والجدل وتخصيب الآراء، هل تعتقدون أن هذه الحوارات قد فعّلت الساحة وفي أي اتجاه، وكيف ينظر لها في الداخل التونسي، وما هي تأثيراتها على الساحة السياسية حسب رأيكم؟
** فعلا كان إطلاق سراح بعض المساجين السياسيين وراء الكثير من الجدل داخل البلاد وخارجها. وبترك النظر عن خلفيات المواقف المعلنة فإن ما حصل كشف عدّة حقائق: أولها عمق حضور قضية المساجين السياسيين في الوعي الجمعي للتونسيين، بما أعطاها أبعادا وطنية ودولية رغم محاولات التجاهل والتهميش، وثانيها أن مطلب إطلاق سراح المساجين السياسيين أضحى مطلبا وطنيا ودوليا ملحّا، وأكبر دليل على ذلك أن إطلاق سراح مثل ذلك العدد المحدود وفي مثل تلك الظروف، أحدث هزّة نفسية وخلق حراكا لم تعشه البلاد منذ سنوات، رغم ما شهدته من محطات سياسية هامة، وثالثها جديّة الخلاف الذي يشقّ الساحة الوطنية حول بعض القضايا الجوهرية والمصيرية، فالخلاف حول تقييم الموقف من مسألة الإفراج عن المساجين، كان انعكاسا لخلاف أعمق حول تقييم طبيعة الأزمة التي تعيشها البلاد، والمهام المطروحة على المعارضة وأولوياتها وموقع الأحزاب السياسية عموما والإسلاميين على وجه الخصوص في كل ذلك، وخاصّة مكانة قضية ضحايا الكارثة التي عرفتها البلاد خلال العشرية الماضية ( شهداء، ومساجين، ومسرّحين محرومين من كل الحقوق، ومهجّرين وعائلاتهم وذويهم ) والتي آن الأوان لفتح حوار رصين حولها، بما ييسّر التفاعل الإيجابي بين كل المهتمين بالشأن العام، وبما يسهّل على المناضلين المدافعين عن الحريات والديمقراطية تحقيق أهدافهم، عوض إهدار الوقت والطاقات في اللهث وراء السراب، وأملي أن يتجاوز البعض الجدل حول الألفاظ والشكليات، لعرض وجهة نظرهم من القضايا المطروحة بدون لف ولا دوران، والتصريح بما يؤمنون به من أن الإسلاميين ليسوا إلا مجرد "موضوع "، ووقودا لنيران معارك اختاروا وقتها ومكانها، وأن قضية ضحايا الكارثة قضية ثانوية في سلم أولويات "الثوريين" وأن في اعتبارها قضية ذات أولوية، محاولة لتحويل الأحزاب السياسية إلى مجرّد حركة حقوقية حسب ما صرّح به البعض منهم.
ومع إيماني بأن الخلاف مهما كان عميقا رحمة، فإنني مازلت على قناعتي بأن للإسلاميين دورا إيجابيا ورئيسيا يلعبونه في خدمة قضايا العدل والحريات، ودماء شهدائهم وتضحيات الآلاف منهم أطفالا رضّعا وشيوخا، وأن قضية المساجين والمهجّرين ليست قضية إنسانية أو حقوقية فقط، بل هي قضية وطنية بكل ما تعنيه الكلمة من أبعاد، ومن واجب الجميع أحزابا ومنظمات إعطائها المكانة التي تستحق في برامجهم النضالية، خدمة للوطن قبل أن تكون خدمة للإسلاميين
* من موقعكم كرجل قانون في أيّ إطار يمكن أن يتنزّل إطلاق سراح بعض المساجين الإسلاميين، هل هو عفو رئاسي، أم هو عفو مشروط، أم هو عفو إنساني؟، وما هي الترتيبات الإدارية الناجمة عنه؟
** قانونيا جاء إطلاق سراح بعض المساجين السياسيين بمقتضى قرارات سراح شرطي، طبق أحكام الفصل 353 من مجلة الإجراءات الجزائية التونسية التي تخوّل للسيد وزير الداخلية بعد موافقة لجنة السراح الشرطي، تمتيع بعض المحكوم عليهم بذلك الإجراء، متى توفرت الشروط المنصوص عليها صلب الفصلين 354 و 355 من نفس المجلة، كما يخوّل القانون التونسي للسيد وزير الداخلية فرض جملة من القيود على المتمتع بالسراح الشرطي، سواء كان من المحكوم عليهم بالمراقبة الإدارية أم لا طبق أحكام الفصل 357، كما يخوّل له حق إلغاء السراح طبق أحكام الفصل 359 من نفس المجلة، ولمزيد الإحاطة بالموضوع يرجى مراجعة الفصول 353 و 354 و355 و 356 و357 و358 و 359 و360 و 371 و372 و373 و374 و375 و376 و377 المنظمة للسراح الشرطي والعفو الخاص والعفو العام.
* حسب رأيكم كيف تمّ إطلاق سراح بعض المساجين الإسلاميين، هل كان انتقائيا أم وفقا لمعطيات إدارية أم لتقديرات سياسية، ولماذا لم يطلق سراح البقية؟
** من اتخذ قرار الإفراج هو الأقدر على الجواب على سؤالكم، والله أدعو أن ييسّر سراح البقية وعودة المغتربين، تكريسا لقيم التسامح وخدمة للبلاد والعباد كافة.
* كيف تعتبرون هذا الإفراج هل يمكن أن يكون مدخلا ومقدمة في اتجاه التعامل بشكل مغاير مع ملف المساجين الإسلاميين؟ هل هو هدية مسمومة؟ هل هو نوعا من الانفتاح السياسي؟ أم خطوة تصحيحيّة؟ أم نوعا من المناورة يراد بها إرباك الطرف القابل؟ وبماذا تفسّرون تجاهل السلطة للإعلان عن هذا الإفراج، وكذلك الصحف الرسمية التي أشارت إلى أنهم مساجين حق عام لمحاولة نزع الصفة السياسية عنهم؟
** أعتقد والله أعلم أن من أخطر ما يمكن أن يصيب المناضل السياسي والحقوقي فقدانه القدرة على التمييز بين الألوان، وهو ما يؤدي بالكثيرين إلى رؤية الواقع من خلال ما يتوهمونه أو ما يخيّل إليهم، والذين يرفضون النظر إلى الحدث كما هو يسعون عبر عملية إسقاط نفسية تطويعه وتوظيفه (سلبا أم إيجابا تضخيما أم تقزيما ...) لخدمة الذات، وهذا ما حصل عند تفاعل البعض مع عملية إطلاق سراح بعض المساجين السياسيين، فبعضهم ذكر يوم مغادرة الأخوين علي لعريض وزياد الدولاتلي وغيرهم السجن ( بعد أربعة عشر سنة من العزلة والتنكيل) أن لهم حسابات طويلة وعريضة مع النظام والإسلاميين، ومع كل من عبّر عن فرحته بإطلاق سراح البعض، ممّن دفعوا الكثير من أجل البلاد والشعب، حتى إنهم لم يجدوا حرجا في صبّ غضبهم على الجميع دون تمييز، ودون أدنى احترام لمشاعر المسرّحين وعائلاتهم بعد أن تجاهلوا أن لكل مقام مقال، وهذا لا ينفي أن الكثير من الفعاليات السياسية والحقوقية نجحت في التعاطي مع الحدث بموضوعية دون خلط ولا انفعال.
وبقطع النظر عمّا إذا كان قرار السراح مدخلا لتعامل مغاير مع ملف المساجين، أم هدية مسمومة أم نوعا من المناورة أو من الانفتاح أم خطوة تصحيحية، فالأهم عندي هو أن مطلب إطلاق سراح المساجين السياسيين مطلب مشروع إنسانيا وقانونيا وسياسيا، وهو مطلب عاجل ذو أولوية، وأن تعطيل تسوية هذا الملف لم يكن بسبب عوائق قانونية، بل بسبب عوامل أخرى لا علاقة للمساجين بها، ولو تمّ تطبيق السراح الشرطي لما بقي واحدا منهم في السجن، وسواء تجاهلت الصحف الرسمية الأمر أو لم تتجاهله، فان ذلك لا ينفي الإجماع الحاصل حول ضرورة وضع حدّ لمأساة المئات من خيرة التونسيين ومن ذوي المستويات العلمية العالية (جامعيون أطباء – مهندسون – أساتذة – طلبة ...)، وأن حل المأساة المذكورة يمثل المدخل، لتنقية المناخ السياسي وتجاوز المأزق الراهن.
وهنا أرى من الضروري التنبيه إلى خطورة تعاطي البعض ( في الحكم والمعارضة والمنظمات الحقوقية ) مع قضية المساجين السياسيين على أنها ورقة سياسية، تحكمها تطورات توازناتهم الداخلية وعلاقاتهم ببعضهم البعض، وحتى تطورات علاقاتهم ببعض الأطراف الخارجية، لأن وضع هذه القضية في قلب دائرة التجاذب السياسي والحزبي والإيديولوجي، والمبالغة في توظيفها كوسيلة تكسّب (فكري وسياسي ومادي)، والاستمرار على ذلك بمثابة اللعب بالنار على فوهة خزّان الوقود في باخرة يركبها الجميع، كلّ من يطمع في النجاة لو اندلع الحريق وأهم فالنيران تعشق البدء بالتهام اللاعبين بها، وهو ما يفرض على الكل التعاطي مع هذه القضية، باعتبارها قضية وطنية متعددة الأبعاد ( إنسانيا وقانونيا وسياسيا ) بمنتهى المسؤولية والجدّية في اتجاه التعجيل بحلها، بعيدا عن الحسابات الضيقة وقبل فوات الأوان.
* من وجهة نظركم هل إطلاق سراح بعض المساجين الإسلاميين يعتبر حدثا متميّزا، هل يمكن أن يكون عنوانا لمرحلة الاستحقاقات الرئاسية الجديدة، أم هو مجرد حدث عابر لا يستحقّ الوقوف عنده؟
** من المسلم به أن كل محكوم ضدّه بالسجن يفقد حريته، والحكم بالسجن لمدة طويلة هو حكم بالموت البطيء. الداخل للسجن مفقود والخارج منه مولود، والولادة بأبعادها المختلفة (الرمزي والواقعي، الفردي والجماعي) لم تكن ولن تكون حدثا عابرا لسبب بسيط، هو أنها شرط استمرار الحياة مهما كانت الوالدة والمولود وظروف الولادة. إن الولادة حدثا متميّزا في حياة كل بشر، فهي عنوان الحياة وعنوان الإصرار على البقاء والاستمرار، وهي الباعث على الثقة في المستقبل...
ولو لم يكن السجن مرادفا للموت والتحرّر من ضيقه مرادفا للحياة ما كان هناك من مبرر أصلا للنضال من أجل سراح سجين، ولا كان هناك مبرر للهجرة وفراق الأهل والأحبة.
وأنا شخصيا أعتقد أن محاولات تقزيم استعادة بعض الإخوة حريتهم، بعد صمود بطولي سيسجّله تاريخ شعبنا بأحرف من ذهب، لا يعكس موقفا من الحدث في حد ذاته ولا ممّن اتخذ قرار الإفراج، بل محاولة لتحقير الإخوة المسرّحين والمساس بالمكانة التي يحتلونها في قلوب الناس ووجدانهم، وإلا فكيف نفسّر أن يملأ هؤلاء الدنيا ضجيجا تعبيرا عن الفرح احتفالا بسراح بعض من لم يعرفوا من سجون تونس إلا أشهر معدودات، إن لن تكن أياما قضوها في "الأجنحة من فئة الخمسة نجوم"، كما يحلو للمساجين تسميتها!
لماذا ينظم البعض التظاهرات بمجرّد أن تطأ أقدامهم أحد المطارات الأجنبية، بعد سفرة مريحة في الدرجة الأولى على متن الطائرات العملاقة؟!
لماذا يستكثر البعض على أصدقاء المسرّحين وأبنائهم وعائلاتهم الحق في الفرحة بعد طول غياب؟ !لماذا يتناسون أو يحاولون تناسي أن الذين عادوا لأهليهم بعد أكثر من أربعة عشر سنة من الفراق، لم يكونوا في نزهة في باريس أو واشنطن أو حتى في كنشاسا، بل كانوا أسرى ينهشهم التنكيل والمرض والبرد والتجويع المتعمدين بغاية تدميرهم بدنيا ومعنويا...لماذا يتجاهل البعض ممن لو قيض لأحدهم أن واجه واحدا من الألف ممّا واجهه علي لعريض ونبيل الواعر ومصطفى بن حليمة وزياد الدولاتلي لأقاموا لهم نصبا تذكارية... يحاول البعض وبكل السبل طمس نضالات وعطاء الذين ضحّوا بالغالي والنفيس من أجل شعبهم وأمتهم، وينسون أن شعبنا يميّز بين الخبيث والطيب والغثّ والسمين، وتفاعله مع إطلاق سراح بعض أبنائه حتى وان لم يعد يفصلهم عن قضاء كامل العقوبة إلا أشهر معدودات، دليل قطعي على أن الإفراج عن المساجين السياسيين هو المدخل الرئيسي لاحتلال موقع في قلوب الناس، وإحداث انفراج في الوضع العام وحماية سمعة تونس ومستقبلها.
* دفع المساجين الإسلاميون ويدفعون ضريبة باهظة، هل في اعتقادكم هم ضحايا النظام، أم ضحايا منهج سياسي، أم نتاج طبيعي لحتمية النضال والقناعات الإيديولوجية والفكرية، أم تشابك كل هذه الأسباب وتداخلها؟
** دفع المساجين الإسلاميون مثلهم مثل كل مساجين الرأي ضريبة الدفاع عن حقهم في حرية المعتقد والتفكير والتنظم، وبترك النظر عمّا إذا كانوا أصابوا أو أخطئوا في بعض ما اعتقدوا أو مارسوا، فإنه لا أحد ينكر أنهم كانوا ضحايا لمحاكمات باطلة وجائرة لم تتوفر فيها أدني شروط المحاكمة العادلة، كما كانوا قبل المحاكمات
وبعدها ضحايا التنكيل والتعذيب المتعمدين حتى الموت، وقد كانوا ومازالوا وعائلاتهم وعائلات الشهداء مثالا حيّا على قدرة شعبنا على العطاء والتضحية من أجل المبادئ والقيم، وسيبقى صمودهم البطولي والأسطوري ( نساء
ورجالا شيوخا وأطفالا) نبراسا يهتدي به كل مناضل شريف مهما طال الزمن.
* هل تعتقدون أن وضع المساجين ووضع الحريات عموما هو وضعا مريحا للسلطة، أم يشكل هاجسا وحملا سياسيا، أم يعتبر ملفا مؤرّقا أم لا يمثل وزنا يذكر؟
** أعتقد شخصيا أن قضية المساجين السياسيين والمسرّحين والمهجّرين تحولت في بلادنا إلى حبل يلتف حول أعناق كل الفاعلين السياسيين والحقوقيين في السلطة والمعارضة على حد سواء، إن ما حصل في بلادنا خلال العشرية الماضية كان بمثابة الكارثة الوطنية، فالاعتقالات والتهجير مسّ عشرات الآلاف، والاعتداء على الحريات العامّة والخاصة وتكميم الأفواه وقطع الأرزاق وسحق ما بقي من مؤسسات المجتمع المدني، والتضييق على ممارسة الشعائر التعبّدية، ومحاصرة كل ما يمتّ بصلة لظاهرة التدين... بلغ حدودا تذكرنا بمحاكم التفتيش، وقد انعكست سياسة الاستئصال وتجفيف المنابع على حياة التونسيين في منازلهم وأماكن عملهم، وفي المساجد والمدارس والمستشفيات والشوارع، بما فتح الباب واسعا أمام سيادة الخوف، وانتشار الآفات الاجتماعية والأخلاقية، وفشل سياسة التعليم المتبعة فشلا ذريعا مثلما ثبت ذلك من خلال الدراسات المختصة المنشورة. تسبّبت الكارثة التي عرفتها البلاد في إصابة المجتمع في الصميم (سياسيا وثقافيا واجتماعيا وأخلاقيا )، ووضع حدّ لآثار هذه الكارثة، وعلاج ما نجم عنها من آفات وأوبئة واسترجاع المجتمع لتوازنه، لا يكون إلا بإطلاق سراح المساجين السياسيين، والسماح بعودة المهجرين، وتمتيع المسرحين بحقوق المواطنة كاملة.
* لنفرض جدلا أنه وقع الإفراج عن جميع المساجين السياسيين، فكيف تتصورون شكل الخريطة السياسية، وهل يمكن أن تداوى الجروح؟
** عندما يعي الجميع حقيقة ما جرى وخطورته على حاضر البلاد ومستقبلها، وعندما يتحمّل كل طرف مسؤولياته التاريخية ويترفّع عن الحسابات الخاطئة ويتعالى عن الآلام والأحقاد عطاء واحتسابا، يتحقق بإذن الله الكثير والتونسيون ليسوا أقل نضجا ولا تسامحا من جيرانهم.
* عملية إطلاق سراح هذا العدد الهام من ضمنهم بعض العناصر القيادية، هل تعتقدون أنه له دلالات سياسية مستقبلية، وهل هذا من شأنه أن يجعل الداخل يستعيد البادرة؟
** من أهم دلالات إطلاق سراح بعض الإخوة بعد احتجاز دام أكثر من أربعة عشر عاما، أن قوة الإيمان بعدالة القضية، والاعتصام بالصبر والمصابرة والثقة في الله وفي النفس لا تقهر، وأن الأمل في توفّر استعداد ما لوضع حدّ لهذه المأساة لم ينعدم تماما، حبطت أعمال رؤوس الفتنة من دعاة الاستئصال والتطهير السياسي والديني، وخابت مساعيهم لتدمير البلاد رغم ضخامة ما سخّروه من طاقات وكفاءات وإمكانيات ...تحطمت أحلام غلاة التطرف العلمانوي المعادي للهوية، المتمترسين داخل أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع، على أسوار القلوب المفعمة بالإيمان وبالوطن، والمستعدّة للعطاء بلا حدود، والأمل كل الأمل أن يكون صمود الوطنيين المخلصين داخل البلاد وخارجها، دفاعا عن الوطن وحريته ومقدساته طوال السنوات الماضية، حافزا لكل الخيرين والعقلاء والصادقين من أبناء شعبنا من مختلف التيارات الفكرية والسياسية وفي كل المواقع، لاستعادة المبادرة وعزل دعاة القتل تحت أي ستار كان، والمساعدة على طي صفحة الماضي، ووضع البلاد على سكة خيار جماعي وفاقي لا يستثني أحدا.
* لو قرأنا قراءة تاريخية هادئة لهذه الأزمة أو إن شئتم هذه التراجيديا، فأي العبر التي يمكن استخلاصها، وما هو الشطط السياسي الذي يشير له البعض والذي يعتبرونه السبب الرئيسي في نشوب هذه الأزمة، ثم ما هي تأثيرات الوضع الإقليمي على الواقع السياسي التونسي، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار وضع الجزائر السائرة في اتجاه المصالحة الشاملة، والمغرب الذي رأيناه يتصالح مع العشرية السوداء، وكذلك انعكاسات الوضع الدولي الذي يستدعي أن تتصالح الأنظمة مع شعوبها، لاجتناب التفتت ولتكون حصنا في وجه أي غزو؟
** لعلني لا أخطئ إذا قلت إن أهم سمات الوضع في العديد من البلدان العربية ( ومن ضمنها تونس ) منذ خروج الاستعمار المباشر وبناء الدولة الوطنية، ظاهرة الصراع الدامي في الكثير من الأحيان بين شرعيتين شرعية المبادئ وشرعية الغلبة، مثّل الشرعية الأولى أفرادا وجماعات تتمتع بثقل شعبي هام، ومثل الثانية أفرادا وجماعات تمسك بالأجهزة وتتمتّع بدعم خارجي، تاريخيا ربح تيّار شرعية الغلبة معركة الحكم، ولم ينقذ الدعم الشعبي ولا وطنية الشعارات والتوجهات التيار الثاني من خسارتها. حدث هذا عبر الصراع بين السلطة الجديدة واليوسفيين في مرحلة أولى، لتعيش البلاد على وقع مواجهة أخرى مع تيارات و جماعات اعتقدت أنها أحقّ بالحكم، فكانت المواجهة مع اليسار الماركسي والقوميين والإسلاميين، وتجدّد نفس السيناريو تقريبا مع بعض الفوارق التي فرضها تغيير الأوضاع بعد7 نوفمبر 1987، ولم تكن ظاهرة الصراع المذكور خاصة بتونس، بل عاشتها أغلب بلدان المنطقة حيث احتدّ في بعضها إلى أن وصل حد النزاع المسلح، وكان من الطبيعي جدّا أن تكون خطى الذين ذاقوا ويلات التحارب ودفعوا ثمنه ( أرواحا- وأموالا ) أسرع نحو البحث عن سبيل للخروج من المأزق، وهو ما يفسّر إلى حدّ ما اندفاع الإخوة الجزائريين والمغاربة نحو صيغ توافقية تحقق مصالح الجميع ولو بأقدار مختلفة، دون أن ينفي ذلك تأثير إرادة الملك محمد السادس والرئيس عبد العزيز بوتفليقة في التأسيس لشرعية الوفاق، في حين تعثرت الخطوات المحتشمة لإنجاز نفس المهمّة في كل من تونس وليبيا، رغم تشابه الظروف وقرب المسافات، وكل ذلك لا يجب أن يحجب عنّّا أهمية درجة نضج الفاعلين السياسيين في البلدين، وما تتمتع به بعض الأطراف الأجنبية من نفوذ وتداعيات 11 سبتمبر 2001 وما تبعها من احتلال لأفغانستان والعراق. وإذا أعطت الأحداث المذكورة ( أحداث 11 سبتمبر 2001 ) في مرحلة أولى الإستئصاليين دفعا قويا ومكنتهم من غطاء لممارسة مزيد من القمع، فإن الكثيرين يعتبرون أن ما حصل بعد التفجيرات التي شهدتها كل من المغرب والسعودية وتركيا وإسبانيا عرقل نزوعها نحو مزيد التشدّد، وحال دونها ودون استغلال ورقة مواجهة الإرهاب، لإقناع العالم بجدوى ضرب معارضيها بما في ذلك الإسلاميين منهم، وهيّأ لعملية فرز جديدة لم تقف عند حدود رفض الخلط بين الإسلام كدين والإرهاب، وبين الإسلاميين والجماعات الإرهابية، وبين المقاومة الوطنية المشروعة كعمل واع ومسئول دفاعا عن الوطن والأمة، وبين أعمال القتل العشوائية التي لا يقرّها دين ولا تحقق أيّة مصلحة، بل تجاوز ذلك إلى حد اقتناع البعض بأن للحركات الإسلامية المعتدلة دورا رئيسيا تلعبه في مواجهة ظاهرة الإرهاب، حتى أضحى كل قمع لهذه الحركات ينظر إليه في بعض الدوائر على انه خدمة تقدّمها بعض الأنظمة للإرهابيين، كما ترسّخت قناعة لدى عدة أطراف (داخليا وخارجيا) بأن جماعات التطرف الديني والتطرف المعادي للدين وجهان لعملة واحدة، وأنهما يغذيان بعضهما بعضا، حتى إنه لم يعد هناك مجال للشك في أنه لا سبيل لعزل دعاة القتل باسم الدين إلا بعزل دعاة القتل باسم الديمقراطية.
وقد ذهب الإخوة الجزائريون والمغاربة من مختلف التيّارات الفكرية والسياسية خطوات هامة في اتجاه الإصلاح والمصالحة الشاملة، أملي أن لا تتأخر بلادنا على الركب بما يحميها من الآفات والعزلة إقليميا ودوليا.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

ياسر المدهون

لقد بات من الضروري التحدث عن المقاومةوسلاح المقاومة بعد جلاء الصهاينة المغتصبين عن جزء من ارض فلسطين الغالية فاليوم يختلف عن أمس وبالتالي فالشرعية التي كانت تفضي علي سلاح المقاومة اصبحت هشة وبالتالي يجب العودة الي الاصل وهو سلاح واحد وشعب واحد وسلطة واحدة وتعددية سياسية ديمقراطية وذلك كله ليس من أجل مصلحة حزب او جهة معينة بل من اجل تحقيق المصلحة العامة ومنعا لفوضي السلاح والانفلات الامني وبالتالي يجب نقل المقاومة وسلاح المقاومة الي الضفة الغربية لكي نكمل المشوار حتي دحر آخر مستوطن عن ارضنا الحبيبة فلسطين
فالكل يعلم ان العدو الصهيوني اندحر عن الارض بفعل ضربات المقاومة فما هي غاية المقاومة الجهاد في سبيل الله وتحرير الارض المقدسة لذلك فيجب ان تستمر المقاومة في تحقيق اهادفها وليس عن طريق التمسك به في ارض جرداء لا يوجد بها الا ابناء الشعب الواحد
واخيرا نامل من الله عز وجل ان ينصرنا ويثبت اقدامنا ...................
السلام عليكم ورحة الله وبركاته
المحامي/ ياسر المدهون
غزة


منجي السلماني

للاسف الشديد كانت اجابات الاستاذ البحيري ضبابية و غير صريحة بل تفهم في اطار مسك العصا من الوسط و محاولة المصالحة مع قيادة النهضة الحالية بعدما اتهمه رئيسها تحت اسم مستعار ممن يريدون ركوب موجة المساجين لبلوغ مراتب تنظيمية <<وما عودة بعض الوجوه "الإسلامية" التي غابت عن الساحة خلال السنوات الطويلة الماضية وتخلت عن إخوانها وتبرأت من حركتها وهي تمتطي صهوة قضية المساجين وتزايد بها على العالمين وتتخذها قميص عثمان تحقق به نقاطا تنظيمية ومكاسب سياسية >>.
ايها الاستاذ لقد تميزت سنة91 عندما اختار المغامرون طريقهم، ولكن اليوم مطلوب منك ان تمضي في ما رايته صوابا في ذلك الزمان ن مطلوب منك ان تتميز اكث و تعمل مع الصادقين من اخوانك و الوطنيين من تخيص اخوانك الذينهم مهددين في ارواحهم و ابدانهم كل يوم في سجون نظام تجاوز كل حدود الانسانية في التشفي و الانتقام وقيادة نهضة من اولوياتها انقاذ الحركة و التنظيم من الموت و ليس الارواح الين تعتبرهم رصيد لها و قصة لها نهاية سعيدة لاولاد لم يعرفوا النهضة و لا اباءهم و لا البسمة الابوية. مطلوب منكم يا استاذ العمل مع الخلص من ابناء الوطن الغيورين على انقاذ الاسلام من الابتزاز السياسي و التغييب المتعمد في المجتمع باشاعة الفساد و الافساد بكل اشكاله، بعدما بدا يتخلى عنه حتى من اوهم الناس انه من اهداف و جوده هو الدفاع عن الاسلام: السيد راشد الغنوشي ما فتئ يصرح في كل مناسبة تتاح له مع اخوانه بان عليه واجب انقاذ الحركة سياسيا و تنظيميا و المحفظة عليها اما الاسلام فله رب يحميه. هكذا بعد اكثر من ثلاثين سنة يفصح "الشيخ" راشد بان الاسلام و سيلة لا غاية. نعم للاسلام رب يحميه من كل معتد اثيم و من كل غاية تتخذه وسيلة . لكن ترى ماذا يقول لربه اذا ما سئله -و هو اعلم بم في الصدور- ما هو الاولى الدفاع عن الاسلام و العمل على انقاذ الارواح؟ ام انقاذ رصيد سياسي لعب به الهواة و المغامرون فاصبح من الحكايات التي لا يذكرها الا من عاشها.