آخر الأخبار

ما بعد الإحيائية الإسلامية

2005-1-27 | محمد سليمان ما بعد الإحيائية الإسلامية
يقسم عدد من الدارسين للفكر الإسلامي تطوره التاريخي الحديث إلى مرحلتين؛ الأولى هي الإصلاحية والنهضوية، ومثلها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأبي ضياف وخير الدين التونسي، ومحمد رشيد رضا (في أحد مراحل تطور خطابه الفكري)، واعتبر كل من مالك بن نبي وابن باديس وغيرهم امتدادا لهذه المدرسة الفكرية، التي حاولت التجاوب مع تحدي التخلف والاستبداد ومواجهة الحملة الغربية والاستعمار، ولئن تعددت اتجاهات وسبل الإجابة على التحديات السابقة عند رواد المدرسة، فإنهم جميعا اتفقوا على إدانة الظروف الحضارية التي عايشوها والسعي الحثيث إلى التجديد الحضاري والفقهي، واتفقوا كذلك على ضرورة الإفادة من الغرب والحداثة والنظر في الأسباب التي أدت إلى تقدم الغرب وتخلف المسلمين، وقد تجلى الجواب من خلال عدة فرضيات: محاربة الاستبداد (عبد الرحمن الكواكبي)، الإصلاح الديني والتجديد السياسي (جمال الدين الأفغاني)، السنن الكونية (مدرسة محمد عبده).
        تلا هذه المدرسة تاريخيا بروز الاتجاه الإحيائي والذي تحول في بؤرة خطابه الفكري والسياسي من الاهتمام بمسألة النهضة والإصلاح إلى جدل "الهوية" في ضوء إرهاصات الاستقلال والصراع الفكري الذي احتدم بين التيارات الفكرية والسياسية العربية العلمانية والإسلامية، فقد أدت وفاة الإمام محمد عبده إلى انقسام مدرسته التجديدية إلى اتجاهين؛ علماني (قاسم أمين وسعد زغلول) وإسلامي (محمد رشيد رضا، وجمعية الشبان المسلمين)، ومثلت جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها الشهيد حسن البنا تلميذ رشيد رضا البداية الحقيقية للإحيائية الإسلامية وعبرت عنها بشكل كبير الحركات الإسلامية المتعاقبة بتنوع أطيافها الفكرية والسياسية.
        إلا أنَّ الإحيائية الإسلامية ذاتها شهدت مراحل تاريخية متعددة عكست كل منها تفاعل الحركات الإسلامية مع الظروف السياسية والثقافية، وأدت إلى خطابات فكرية متباينة في النظر إلى القضايا الرئيسة والمحورية كمفهوم الدولة الإسلامية والتعددية السياسية، والنظر إلى الحداثة والحريات العامة، ومنهج التغيير السياسي. وتمثلت المدرسة الإحيائية في اتجاهين رئيسين: مدرسة حسن البنا وحسن الهضيبي والقرضاوي والغزالي ومجموعة من الرموز الذي كانوا أكثر انفتاحا وتفاعلا مع الحالة السياسية العربية برؤى غير راديكالية تقوم على التعايش، ويسجل المفكر الإسلامي إبراهيم غرايبة أن جماعة الإخوان المسلمين –صيغة حسن البنا- لم يحتو نظامها الأساسي على هدف إقامة الدولة الإسلامية وإنما الدولة الصالحة.
في مقابل الاتجاه السابق ظهر الاتجاه الإحيائي المتشدد الذي شكلت كتابات كل من سيد قطب والمودودي أيدلوجيته الرئيسة، ومثلت الأدبيات الرئيسة له، وكما يسجل عدد كبير من الباحثين فإن هذا الاتجاه سيطر على الحركة الإسلامية طيلة فترة الخميسنيات والستينات، وامتد إلى العالم العربي انطلاقا من مصر، حيث كان الأخوان في السجون يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب والقتل، في حين اعتبر كتاب "معالم في الطرق" (لسيد قطب) بمثابة "المنفستو الإسلامي" الذي قدّم للرؤية الراديكالية الإسلامية والتحول في منهج جماعة الأخوان المسلمين من انفتاح وتعايش البنا إلى مفاصلة سيد قطب ومحمد قطب وعبد السلام فرج، إلا أن هناك اتجاه داخل الفكر الإحيائي ما يزال يرفض أن هناك اختلافا بين مدرسة البنا وقطب، وربما أبرز من يمثل هذا الاتجاه هو د. محمد أبو فارس، والذي لا يرى في سيد قطب ورؤيته سوى امتدادا تاريخيا لحسن البنا.
        ومن رحم الإحيائية المتشددة ولدت مدرسة الغلو والتطرف في مصر، وتأسست جماعات الجهاد، والتي اعتمدت بداية على أفكار سيد قطب ومحمد قطب والمودودي إلا أن دائرة أدبياتها السياسية تحولت بشكل أكبر –فيما بعد- للتراث السلفي(ابن تيمية والشوكاني)، وعكس كتاب عبد السلام فرج "الفريضة الغائبة" بوادر ايدلوجيا التحالف القادم بين السلفية والجهادية، الامر الذي ظهر بوضوح -فيما بعد- مع التيار السلفي الجهادي (التنظير الحركي أيمن الظواهري، أسامة بن لادن) والتنظير الفكري (أبو قتادة الفلسطيني، أبو محمد المقدسي، أبو بصير الشامي).
        مع فترة السبعينات حدثت مراجعات داخل الحركات الإحيائية الإسلامية، وعاد الأخوان المسلمون في مصر –ثم في الدول الأخرى- من رؤية سيد قطب إلى رؤية البنا مرورا بكتاب الهضيبي "دعاة لا قضاة".
        في مقابل الاتجاه الإحيائي الإخواني برافديه السابقين، بدأت الحركة الإحيائية السلفية تنتقل من الديار السعودية إلى الدول المختلفة في العالم العربي والإسلامي، وساهم في نشر هذه الدعوة وازدهارها الكبير في الثمانينات أموال النفط التي نفخت فيها بتواطؤ من النظم العربية المحافظة والعالم الغربي لمواجهة خطر الثورة الشيعية الإيرانية 1981، ولاحتواء الخطر الشيوعي، إلا أن المدرسة السلفية، بصيغتها السعودية الوهابية التقليدية، قد انقسمت في التسعينات إلى ثلاثة اتجاهات رئيسة: التقليدي (المتحالف مع النظام المحافظ العربي)، الإصلاحي ( محاولة الاقتراب بخجل من إصلاحية رشيد رضا وابن باديس العقلانية المستنيرة أو التأثر بأدوات النشاط الاجتماعي للإخوان المسلمين: السلفيون الإخوان، السروريون..)، الجهادي (برز بقوة بعد حرب الخليج الثانية ويشكل امتدادا للجماعات السلفية المصرية وعولمة للجهاد بعد تجربة أفغانستان وتمثل جماعات العنف السلفي المنتشرة اليوم هنا وهناك أبرز تعبيراته الحركية).
        في الحقيقية فإن التيارات الإحيائية السابقة (بما في ذلك السلفية) على اختلاف تنوعاتها وروافدها الفكرية وتعبيراتها الحركية، قد أغفلت بشكل كبير موضوعة التجديد والنهضة، وتحت ضغط الواقع وتعبئة الظروف السياسية والاجتماعية المختلفة برزت تساؤلات الهوية والاختيارات السياسية، فانتقل خطاب هذا التيار من التأكيد على مواجهة تحدي التخلف والاستبداد والهجوم الخارجي الحضاري وشروط التفاعل مع الحداثة ومقتضياتها إلى تحدي مواجهة الخطاب العلماني والسلطات القطرية العربية والتغول الأمني والسياسي، الأمر الذي أدى إلى غياب سؤال الأمة والنهضة والحداثة الإسلامية في مقابل هيمنة سؤال السلطة والهوية والمواجهة مع التيارات العلمانية.
        وهنا لا بد من تسجيل ملاحظة مهمة: بأنه وفي ظل ازدهار مدرسة الإحيائية الإسلامية وحركات الإسلام السياسي المختلفة، وتزاوج هذه المدرسة في كثير من الأحيان مع الفكر السلفي، فقد كان هناك اتجاه فكري إسلامي يمتد إنتاجه الفكري إلى السبعينات والثمانينات والتسعينات يعبر عن رؤية إصلاحية تحترم إنتاج المدرسة الإصلاحية والنهضوية، وترفض عملية الإلغاء والتخوين التي تمت من قبل الإحيائية الإسلامية لتلك المدرسة، إلاّ ان هذا التيار الفكري بدوره عانى من الإهمال على المستوى الإعلامي والثقافي العام، ولم تحتفل الإحيائية الإسلامية كثيرا بأفكاره، وفي مقابل هذا التيار الأقرب إلى العقل والانفتاح والتفاعل مع الحكومات القائمة تبنت الإحيائية الإسلامية في روافدها المختلفة خطاب الانقلاب على الحكومات القائمة وإقامة الدولة الإسلامية، فيما كان هذا التيار لا يرى فارقا كبيرا؛ إذ يعتبر الدول القائمة هي إسلامية ويتبنى ضرورة العمل على إصلاح أوضاعها في ظل تجديد فقهي وفكري إسلامي يسمح بإزالة "الشزوفرينيا" السياسية والفكرية في العالم العربي، ويعيد كل من التيار الإسلامي والعلماني إلى عباءة محمد عبده التي ترمز إلى الفكر الإسلامي المستنير التجديدي.
        واليوم، يسجل عدد من الباحثين والخبراء العرب والغربيين عودة الحياة إلى مدرسة الإصلاح من خلال التيار الفكري السابق، فأوليفيه روا ( المفكر اليساري الفرنسي) يرصد في كتابيه "فشل تجربة الإسلام السياسي" و"عولمة الجهاد" الكثير من الظواهر التي تدل على نمو اتجاهات إسلامية متعددة كلها تشير إلى تجاوز المجتمعات الإسلامية اتجاه الإحيائية الإسلامية، كما يسجل في كتابيه حالة التراجع للحركات الإحيائية، فيما يتحدث رضوان السيد عن الإسلاميين الجدد، ويراجع مازن النجار كتاب "إسلام بلا خوف" ويتحدث رضوان زيادة (وإن كان بتحامل غير موضوعي لا مجال لمناقشته هنا) عودة الحديث عن النهضة في ظل ما يسميه "أيدلوجيا النهضة"، وكذلك يسجل المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز عودة الروح للمشروع الإصلاحي.
        إلاّ أن الذي يعبر بوضوح عن التيار الجديد وتصوراته هو أحمد كمال أبو المجد في كتابه "رؤية إسلامية معاصرة" (1993)، ثم عاد عبد الوهاب المسيري قبل سنوات قليلة ليؤكد على وجود "خطاب إسلامي جديد" في مقابل الخطاب القديم، ولعل أبرز ملامح الخطاب الجديد –كما يسجلها المسيري نفسه- هي في الانتقال مرة أخرى من السلطة ومحوريتها إلى الأمة ونهضتها، وإعادة قراءة التاريخ وفق منطق الصيرورة والتحول، كما يختلف هذا الخطاب مع الخطاب الإسلامي القديم من الحداثة، فالخطاب الجديد يتفاعل مع الحداثة من المنظور النقدي الموضوعي، ويقدم رؤيته المنبثقة من النظرية المعرفية الإسلامية للوجود والإنسان والمجتمع.
        ووفقا للقائمة التي يقدمها المسيري لأصحاب هذا الخطاب، نجد أنها تنقسم إلى عدة اتجاهات الاتجاه الأكاديمي الذي يعبر عنه سيف عبد الفتاح ومنى أبو الفضل ونصر عارف ولؤي صافي وجماعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، والاتجاه الفقهي الذي يعبر عنه القرضاوي والغزالي وطه علواني، والاتجاه الفكري والتنظيري الذي يعبر عنه طارق البشري ومحمد سليم العوا وأحمد كمال أبو المجد، والاتجاه السياسي الذي يعبر عنه راشد الغنوشي وغيره.
        في الحقيقة قيمة هذا التيار وأهمية خطابه السياسية تتمثل بأن اهتمامه التنظيري يتجه نحو إعادة الاعتبار للتجديد الفكري والتنظير الذي يحاول أن يتناول مشكلات الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي، ويتخذ منهج الإصلاح السياسي العام على مستوى المجتمع والأمة، ويبتعد عن تمثيل حركة أو حزب سياسي إسلامي بعينه. كما أنه يحمل رؤية أكثر تعقلا للتغيير والإصلاح السياسي في التفاعل مع الواقع. ويأخذ منهجا متقدما تنويريا في فهم الإسلام وتفسيره ويبتعد به عن حالة الصدامية الكبرى مع العصر، في مجال الفنون والآداب والثقافة، ويستطيع أن يقدم خطابا إسلاميا واقعيا يمكن تطبيقه.
        أبرز معالم هذا الخطاب في تفسير الدين ووظيفته الاجتماعية والسياسية تتمثل بالتأكيد على دور الدين في المسؤولية المدنية والأخلاقية وحقوق المواطنة وحفظ رأس المال الاجتماعي، والتعددية السياسية والشرعية والمعارضة البنيوية.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

abderrahim

je vous remercis


باهي التركي

دور المصالحة في نشر رسالة الإسلام
بسم الله الرحمان الرحيم : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ونحمد الله تبارك و تعالى و نصلي ونسلم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله و صحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين أما بعد :
أيها العلماء أيها الدكاترة أيها الأساتذة و الباحثون الحضور الكريم السلام عليكم و رحمة الله و بركاته تحية من عند الله طيبة مباركة , إنه لمن دواعي السرور و الفرح أن يكثر في هذه الأيام الحديث عن المصالحة في القنوات الرسمية وغير الرسمية وتحتضن الترويج لهذا المشروع المنظمات و الهيئات الحكومية وغير الحكومية وتلقته الأمة بالقبول حتى أصبح مطلبا جماهيريا وهذا مكسب عظيم ينبغي تفعيله و تثمينه و المحافظة عليه إلا أن الأعظم من هذا كله هو أن يتم التأسيس لهذا الإنجاز الضخم عن طريق الاعتماد على عقيدة هذا الدين الذي نادى منذ أربعة عشر قرنا من الزمان بهذا المبدأ بل إن انتشاره في بقاع الدنيا و عبوره إلى القارات الخمس كان بفضل تسامحه و دعوته للمصالحة مع كل الملل ( قل لا تسألون عما أجرمنا و لا نسأل عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ) (1) .
و هذا التوجه يعتبر هو المنهج الصحيح إذا أردنا أن تنجح هذه الفكرة ويقوى الإيمان بها و تزداد الحماسة لها فتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها , وبهذا نكون قد أعدنا المياه إلى مجاريها ووضعنا القطار على السكة ,فعندئذ سينطلق بإذن الله تعالى إلى بر الأمـان وسـوف نحقـق المقصـود – إذا خلصت النيات - و نقطـع دابـر الأحقـاد و الضغائن , وسوف يحل الأمن و الأمان والطمأنينة والسلام في جو ملؤه الحب و المودة و التآخي و التصافح و التصالح , وهذا كله بسبب اعتمادنا على هويتنا الحضارية و أهم ثوابتنا الوطنية وهو ديننا , فهو وحده الكفيل – إذا اعتمدنا عليه - بإخراجنا من كل الأزمات ويجد لنا الحلول لكل المشكلات لأن الله تبارك وتعالى يقول ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) (2) , ويقول ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) (3) , بعد أن أفك الخراصون الذين يحاولون عبثا أن يجعلوا المصالحة من ثمار رياح الإصلاحات التي نادت بها أمريكا وأصبحت تفرضها على الأنظمة العربية بالقرارات والتهديد العسكري .
أيها الاخوة :
إنكم تعلمون بان انتشار الإسلام في ثلاثة أرباع الكرة الأرضية لم يكن بالاعتماد على السيف والسلاح وهذا يشكل عندنا مظهرا للفخر و الاعتزاز لدى شعوب العالم وأمام الحضارات التي عرفها الإنسان و كان انتشارها واتباع الناس لها عن طريق القهر والقوة و الجبروت , وهل الحضارتان الرومانية والفارسية إلا خير دليل على ذلك , وما الحروب الصليبية عنا ببعيد و حتى الحضارات التي يزعم أصحابها أنها تقوم على أساس التآخي و المساواة , فقد عمد فيها الأمراء و الملوك و الرؤساء و السلاطين إلى فرضها على الشعوب بقوة الساعد والسلاح , كما رأينا في المعسكر الشيوعي .





ـــــــــــــ
(1) ـسورة سبـأ [ 25 ـ 26 ]
(2) ـ سورة النحل [ 89]
(3)ـ سورة الأنعام [ 38 ]




و إذا تأملنا في مظاهر انتشار رسالة الإسلام نجد أن تاريخ الإسلام قد حفل بالمحطات الكبرى التي كان الصلح هو المحور الأساسي الذي من خلاله قويت شوكة الإسلام و اشتد عوده ومن خلاله دخل الناس في دين الله أفواجا و من ذلك ما حفظته لنا ذاكرة السيرة العطرة في صلح الحديبية الذي أقامه النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش في السنة السادسة للهجرة , ورغم أنه قد حمل في طيا ته تنازلات كبيرة من طرف النبي صلى الله عليه وسلم لصالح المشركين إلا أنه كان في مظهره العام انتصارا للإسلام وتكثيرا لمجموع المسلمين , والمتأمل في صلح الحديبية يجد أن ثقافة الصلح التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم تعتبر منهاجا عظيما ينبغي الاهتمام به و الاعتماد عليه وليس من هذه الزاوية فحسب بل إن الأمر منطلقه هو وجوب الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (1) , ذلك لأن الناس على مختلف مواقعهم و مستوياتهم ومنازلهم يجد كل واحد منهم من نفسه موضعا للاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر )( 2) و موضع الاقتداء هنا يتنزل على الأمراء و الحكام و السلاطين و الملوك و الرؤساء الذين آمنوا بشريعة محـمد صـلى الله عليه وسـلـم , فعليهم أن ينهجوا نهج نبيهم صلى الله عليه وسلم في اتخاذ الصلح مع من يعارضهم من شعوبهم كمنهج لا ينبغي العدول عنه حتى يصير خيارا لا رجعة فيه وإننا إذ نستلهم المعاني من صلح الحديبية نجد أن موقف النبي صلى الله عليه وسلم كان في موضع القوة وكان بإمكانه أن لا يعقد هذا الصلح خاصة وأنه كان بعد غزوات كثيرة ,كان فيها النصر و الغلبة للمسلمين وبدأ الصوت الإسلامي يتجاوز حدود المدينة و لكنه ما إن دعي إلى الصلح إلا وكانت الاستجابة هي خياره الأول , ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن المشركين تمادوا في غطرستهم رغم ضعفهم ووهنهم و أملوا على النبي صلى الله عليه وسلم شروطا لهذا الصلح وقد فهم بعض الصحابة أن هذا إذلال للمسلمين وإضعاف لهم بعد قوتهم وعزتهم مما جعل عمر بن الخطاب يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يرتجف غضبا ويقول : يا رسول الله أولسنا على الحق , فيقول النبي صـلى الله عليه وسلم : بلى , ثم يواصل عمر : أو ليسوا على الباطل , فيقول النبي صلى الله عليه وسلم بلى , فيجهر عمر بموقفه قائلا : يا رسول الله فلماذا نرضى بالدنية في ديننا ؟ فيطمئنه النبي صلى الله عليه وسلم ويهدئ من روعه قائلا : ألم تعلم بأني رسول الله , فيقول أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أنك رسول الله , وبهذا هدأ عمر وسائر الصحابة الذين رأوا ما رآه عمر .

وما كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يؤدي بالمسلمين إلى الإذلال أو الإضعاف وهو الذي أرسله الله تعالى ( بالمؤمنين رؤوف رحيم )(3) , وهو الذي قال الله فيه ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) (4 ) فقد كان صلى الله عليه وسلم يرى بنور البصيرة التي فطره الله عليها إذ أنه أمضى هذا الصلح على أساس أنه يؤدي إلى حقن دماء المسلمين من جهة , ومن جهة أخرى فهو من أوسع أبواب النصر التي فتح الله بها على نبيه صلى الله عليه وسلم .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) _ سورة الحشر7
(2) _ سورة الأحزاب 21
(3) – سورة التوبة 128
(4) سورة الأحزاب 6




وقد صدق التاريخ ذلك و سجل القرآن الكريم ذلك في سورة الفـتح فقال تعالى في ما نزل في صلح الحديبية : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك و يهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا ) ( 1 ) .
وهكذا لم تمض سنتان ونصف حتى جاء الفتح الأعظم بفتح مكة وجاءت الوفود تعرض إسلامها (إذا جاء نصر الله والفتح و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) (2) .
و إنه من الملفت للنظر أن رسالة الإسلام التي كان عمرها لا يتجاوز الثلاثة والعشرين سنة وهي مدة الوحي كانت هي الرسالة الوحيدة التي استطاعت أن تنتشر و تتوسع بهذه السرعة المذهلة في كل تلك البقاع الشاسعة ولم يتوف النبي صلى الله عليه وسلم إلا ورسالة الإسلام قد عبرت شبه الجزيرة العربية بأكملها , ولقد كان الفضل الأكبر لله تبارك وتعالى ثم لحكمة النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) ( 3 ) .
ورسالة الإسلام في مجملها اعتمدت على دعوة الناس إلى الالتفاف حول القدر المشترك بين الرسالات السماوية ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأن مسلمون ) ( 4 ) .
وفي هذا دلالة واضحة إلى دعوة المسلمين إلى مد أيديهم إلى غيرهم من أهل الكتاب لاشتراكهم في عقيدة الإيمان بالله تعالى , وقد صرح القرآن الكريم بوجوب فرح المسلمين بانتصار أهل الكتاب على أهل المجوس من الوثنيين واللادينيين من الملاحدة و الزنادقة وكان ذلك عقب انتصار الروم على الفرس الشيء الذي
أخبر عنه القرآن الكريم في الغيب ثم تحقق بعد سنوات من نزوله وصدق الله العظيم عندما قال : ( ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من بعد ومن قبل ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده , ولكن أكثر الناس لا يعلمون , يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ) (5 ) .

ثم إن نصوص الشريعة قد جاءت في كثير من المواقف تؤكد على التوجه العام الذي ينبغي أن تنصهر به حياة المسلم في علاقاته وتعاملاته وهو الصفح والتسامح والعفو عندما يكون الإنسان قادرا على تنفيذ تهديده ووعيده إذ لو كان الإنسان في حالة عجز وعدم مقدرة على تحقيق مقصوده فإن لجوءه في هذه الحالة إلى الصلح سوف يكون من باب [ مكره أخاك لا بطل ] , وهو الذي عبر عنه علماء الكلام بتحصيل حاصل , وهذا لا أجر فيه ولا مثوبة عليه و إنما يتنزل الكلام على الصنف الأول الذي يستجيب للنداء القرآني ( فمن عفا و أصلح فأجره على الله ) (6 ) ، و قوله ( ولمن صبر و غفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) , وهو قادر ومقتدر فهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ـ سورة الفتح [ 1ـ 2 ـ3 ]
(2) ـ سورة النصر
(3) ـ سورة آل عمران [ 159 ]
(4) ـ سورة آل عمران [ 64 ]
(5)ـ سورة الروم [ 1 ـ 7 ]
(6)ـ سورة الشورى [ 40 ]

في الحديث الصحيح ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة و الصيام والقيام , قالوا بلى يا رسول الله , قال : إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الرأس ولكن تحلق الدين ) , حديث شريف .
وقد لمس الناس هذه الحقيقة في واقع الإسلام ونصوصه وكذلك من خلال ممارسات المسلمين الأوائل الذين ارتسمت ملامح حياتهم بتعاليم الإسلام و أحكامه و شرائعه فأدرك غير المسلمين في بلاد الإسلام وحتى خارج أرض الإسلام بأن للإسلام جاذبية كبيرة تدفعهم إلى اتباع هذا الدين و الإنظواء تحت لواء ه لما يرونه من قيام نصوصه على أساس التسامح بين المسلمين .
إننا نستطيع أن نجزم بان التفاف الناس حول رسالة الإسلام واستحواذ هذه العقيدة على قلوب الملايين من المسلمين من مختلف الأجناس والألوان إنما كان لما أحس به هؤلاء من دفء الأخوة وحلاوة الإيمان التي جاءهم بها هذا الدين الذي بنى أساس الإيمان على الأخوة الإسلامية وجعل كمال الإيمان بتمام الأخوة ( إنما المؤمنون اخوة ) .
فلا إيمان إلا بالأخوة وما دامت الأخوة هي الشرط الأساسي لوجود الإيمان واكتماله , فقد شرع الله تبارك وتعالى ما يحقق هذه الأخوة بين المسلمين وهي الصلح ( إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) (1) ,فإذا تصالح الناس في ما بينهم تحققت أخوتهم و اكتمل إيمانهم وتهيأت نفوسهم لتقوى الله عز و جل ، فإذا ما فعلوا ذلك تنزلت عليهم الرحمة من العلي الكبير وهو أرحم الراحمين .
ولا يمكن لأحد أن يحتج بأن النص القرآني قد ورد في مجال بيان حالة الاقتتال بين المسلمين وما يترتب على ذلك من أحكام فهذا مما لم يرد تخصيصه بذلك و إن كان السياق يدل عليه , إلا أن الآيات الكريمة في الكتاب العزيز تؤكد بأننا على فائدة جديدة كلما وقفنا على جزء منها ، ثم إن العبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فيكون الأمر بالصلح بين المسلمين في جميع الأحوال أمرا عاما تستقيم به أخوة المسلمين الذين لا يكتمل إيمانهم إلا بها و هذا الذي جاء في الحديث إشارة إليه ( لا تناجشوا ولا تدابروا ولا و لا تنابزوا وكونوا عباد الله إخوانا ) , فبين الحديث بأن النفوس تفرق بين الأحبة وما دامت النفوس قد جبلت على الأنانية وحب الذات وهو الشح وهو أساس تلك الأمراض كلها كان من اللازم الدعوة إلى الصلح ( والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح ) (2) , وقد كشف عن هذا السر الداخلي علام الغيوب الذي يعلم السر وأخفى في أدق رباط بين الناس وهو رباط الزوجية ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) (3) , وهذا طبعا في حالة حدوث الشقاق و التنازع والنشوز من أحدهما أو كليهما ، وإننا إذ نعرض لهذه النصوص الواضحة المعالم نريد من خلا لها أن نبين ذلك المظهر العام الذي كان عليه المسلمون وهم يعرضون رسالة الإسلام على الناس وينشرونها شرقا وغربا وهم يحملون ذلك



ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـسورة الحجرات [ 10 ]
(2) ـ ـسورة النساء [ 128 ]
(3) ـ سورة البقرة [ 187]






الشعار الخالد ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون ) (1 ) .
أما المعارك التي خاضها المسلمون، فلم تكن احتلالاً أو حروباً شريرة وإنما كانت بهدف تحرير البلدان العربية من ربق المحتل الروماني أو الفارسي (كالعراق وبلاد الشام، أو من أجل نشر رسالة الإسلام العظيمة.. فكانت فتوحاً لم تبطش، ولم تقتل شيخاً أو طفلاً أو امرأة أو حيواناً، يشهد لها العدو قبل الصديق..
(لم يعرف التاريخ فاتحاً.. أرحم من العرب) غوستاف لو بون.
(كان المنتصرون معقولين وإنسانيين)! (رانسمان) يصف العرب في كتابه (تاريخ الحروب الصليبية).
يقول لو بون: (لقد أكرهت مصر على انتحال المسيحية، ولم ينتشلها إلا الفتح الإسلامي من شرور الانقسامات الدينية، فحررها من براثن القياصرة الظالمين) (2).
أما بالنسبة لفرية (إحراق المسلمين لمكتبة الإسكندرية)، فقد خاض في هذه القضية الكثير من المستشرقين أمثال (جبون) و(بتلر)، وارتاب بعضهم في صحة هذه التهمة التي وجهت إلى عمرو بن العاص بأمر من عمر بن الخطاب.
أيعقل أن يقدم على هذا الأمر رجلان من أعظم رجال المسلمين وأكثرهم قرباً من العقل والعلم والمعرفة والرحمة الإنسانية.
لذا فإن (ريسلر) في كتابه (الحضارة العربية): (اعتبر حريق الإسكندرية أسطورة)! (3) .
كما لم نجد ذكراً لتلك التهمة الشائنة، حتى في كتب المؤرخين المعاصرين للفتح الإسلامي لمصر مثل (أوتيخا)، وكذلك في كتب الأقدمين (البلاذري والطبري والكندي ومن جاء بعدهم كالمقريزي والسيوطي وغيرهم).
لم يذكرها سوى (حاجي خليفة) ومثل هذا المؤرخ لا يعتد بكلامه ولا يعول عليه في المسائل التاريخية المتقدمة، إذ لم يوردها المؤرخون الذين تقدموا عليه.
وقد أحرقت مكتبة الإسكندرية مرتين، سنة 48 ق.م على إثر إحراق أسطول (يوليوس قيصر)، ومرة ثانية في عهد القيصر (تيودوسيس) عام 391 م.

وهذه بضع شهادات من علماء ومفكرين غربيين، تشيد بالإسلام والعرب .
(إن القرآن الكريم أفضل كتاب أخرجته العناية الإلهية) د. موريس بوكاي .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة النحل [ 125-128].
(2) (حضارة العرب ص 336).
(3) الحضارة العربية ص100 ـ 101.










(إن تعاليم القرآن عملية ومناسبة للحاجات الفكرية) غوته، (الانسجام تام بين القرآن والعلم) العالم ألكسي لوزفين، (القرآن يستولي على الأفكار ويأخذ بمجامع القلوب) هنري ديكستن، (يحوي القرآن أسمى المبادئ وأكثرها فائدة وإخلاصاً) واشنطن بروتيك، (لقد قرع الإسلام عقلي حقاً) اللورد هيدلي.
ألم يتوج (مايكل هارث) وهو الغربي المتعصب، النبي محمد (ص) في قائمة الشخصيات المؤثرة في التاريخ؟! فكان ترتيبه الأول بلا منازع في كتابه (المئة الأوائل).
لقد أقر الكثير من المفكرين الأجانب بعظمة الإسلام ودوره الحضاري أمثال: غوته، وكارليل، وبودلي، وتولستوي، ولامارتين.
وفي هذا يقول برناردشو: (لو أن رجلاً مثل محمد تولى زعامة العالم اليوم، لخلص العصر من كل مشاكله وشروره)!.
فالإسلام دين عالمي، وليس حكراً على شعب دون آخر، وفي هذا دليل قاطع على أثره على الحضارة وعلى البشرية: (إن هو إلا ذكر للعالمين) (1). (لينذر من كان حياً) (2).
وهذا ما يبرر للعرب المسلمين فتوحاتهم التي أنكرها عليهم غيرهم، بل اتهمهم (بالاحتلال الاستيطاني) الذي مهد للأوروبيين سياستهم الاستعمارية وحروبهم الدينية. لكن هؤلاء نسوا أن معظم الحروب القديمة ـ وحتى قبل ظهور الأديان السماوية والإسلام ـ كانت تتخذ طابع الحروب الدينية العاطفية المرتبطة بالولاء للآلهة الوثنية، فكانت معظم حروب الروم والإغريق (حروباً وثنية).
ولندع المفكرين الغربيين يردون التهمة الشائعة عن الإسلام، فالواضح يصعب شرحه: الفيلسوف العالمي (رينييه جينو) الذي أسلم ثم فند في كتابه (رمزية الصليب): (كيف أن الإسلام لم ينتشر بالسيف).
ويذكر (رانسمان) مؤرخ الحروب الصليبية في كتابه (تاريخ الحروب الصليبية) ج 2 رحمة الإسلام والمسلمين في الحروب (كان المنتصرون معقولين وإنسانيين)!.
ويقول (دي كاستري) : فلم يقتلوا أمة أبت الإسلام (3).
أما (ميشوبابه) أحد بطاركة المسيحيين فيقول: (إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم لم يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا أعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا، ويوقرون قسيسينا ويمدون يد العون إلى كنائسنا وأديرتنا).
ويقول الذميون عن معاملة الفاتحين لهم، والذين أوصى بهم الرسول (من أذى ذمياً فقد أذاني): (إن العرب الذين منحهم الله سلطان الدنيا، لا يحاربون العقيدة المسيحية بل على العكس يكرمون قديسي الرب). من رسالة البطريك يشوع الثالث إلى المطران سمعان ريكس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة ص [87].
(2) سورة يس [69] .
(3) الإسلام خواطر وسو انح ص 35








هكذا حمل المسلمون مشعل الهداية وروح التسامح والإخاء البشري، فاحتضنوا الفئات الأخرى وتفهموا ثقافات وأديان الغير، ألم يستنجد أهل (حمص) النصارى بجيش المسلمين ضد الغزاة الروم من أبناء دينهم: (أنتم أحب إلينا من الروم) (1).
ألم يعاهد عمر بن الخطاب أهل القدس من النصارى بما يكفل حقوقهم الدينية والمدنية، بما يسمى (بالعهدة العمرية).
ألم يوزع عمر بن عبد العزيز فائض أموال الزكاة حتى على غير المسلمين؟!
ألم تحفر كلمات الخليفة المسلم عمر بن الخطاب في أول بند من بنود (حقوق الإنسان): (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).
لقد دخل المسلمون الأندلس برقة الماء، وهذا ما سهل لهم المكوث فيها، وها هم أهل الأندلس إلى اليوم لا يتكلمون بما يسيء لسمعة العرب أو المسلمين.
ذكر (دوزي) (تسامح العرب في إسبانيا مظهراً لرحمة الفاتحين المسلمين) (2) .
و اتسم حكمهم لإسبانيا بالتسامح الديني والإنساني والحكمة، ونعمت الأندلس بأوفر قسط من الرفاهية (3) .
بينما قتلت محاكم التفتيش في إسبانيا زهاء ثلاثة ملايين مسلم بين ذبح وحرق وتهجير.
(لا يسعنا سوى أن نصف الأسبان بالوحوش) (لو بون) (4) .
و المتتبع لسيرة الرسول العظيم عليه أفضل الصلاة و أزكى التسليم يجد أن عام الوفود هو العام الذي دخل فيه الناس ي دين الله أفواجا بالقدر الذي لم يسبق له مثيل منذ بداية الدعوة وكان السبب الأكبر الذي يظهر جليا هو تلك المعاهدات التي أبرمها النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء .
وكانت هذه المعاهدات تشكل توجها جديدا في سياسة الدولة الإسلامية الجديدة و هو أنها جاءت من أجل إقرار السلم والإخاء بين سائر الشعوب وهذا هو ما تطمح إليه البشرية جمعاء .
ومن خلال ما تقدم ذكره و بيانه يتضح لنا جليا بأن سماحة الإسلام و تآلفه مع الآخرين جعل الشعوب تتسابق إلى اعتناقه و حمل لوائه إلى العالمين ( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد )(5).



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأزدي ص 97 .
(2) الدعوة إلى الإسلام ص 157 .
(3) موسوعة المعرفة 684.
(4)حضارة العرب ص272.
(5) سورة سبأ 46.


نوفل المعاوي

يبدو أن الأخ ابو رمان استفزته بعض التعليقات عن مقاله عن الزرقاوي التي أكدت على عجز التيار {العصراني ) التيار الذي يعمل باسم الإسلام و العمل للإسلام على تمييع الإسلام و قولبته مع مواضعات الحضارة الغربية المعاصرة} عن محاورة التيارات التي نحت منحى مغاليا في التكفير و العنف...و قد ذكر أحد الاخوة أن التيار العصراني لا يزيد هؤلاء إلا غلوا و تنطعا و ذرب مثلا لذلك بطروحات الغنوشي, فانبرى أبو رمان في مقاله هذا لينوه بالتيار العصراني و يحاول نفخ الروح فيه بعد أن تجاوزته الأحداث الساحة وهو بصدد التحول إلى فكر تحمله نخب معزولة داخل الساحة الإسلامية كما كان المعتزلة قديما ,و لعل مصيره لن يختلف عن مصيرهم, مع ظلمنا للمعتزلة إذا ما قارنهامهم بهذا التيار فالمعتزلة قادها علماء افذاذ وقعوا أسرى الشبهات و القراءات المخالفة... أما أغلب رموز التيار العصراني فهم صحفيون و مدرسون و أطباء و مثقفون لم يتعموقا ف يعلوم الشريعة بقدر محاولتهم التعمق في متابعة الأحداث السياسية و جانب من الفكر الغربي و فخرجوا على الأمة بفكر هجين زعموا أنه التجديد و كانوا قنطرة للعلمانية و الردة كالذين انتهى أمرهم إلى فكر ما يسمى باليسار الإسلامي الذين قال قائلهم : " بأن الوحي علماني في جوهره" و من انكروا الحجاب الشرعي و قالوا بأن المأمور ستره هي ما بين الثديين و الفخدين و الابطينـ كذا ـ !!! و أنكروا أحكام المواريث و غير ذلك من ثوابت الشريعة, بل أنكروا حتى جوانب من عالم الغيب كوجود الملائكة والجن .....إن التيار العصراني هو قوس فتح في تاريخ الأمة وهي تعيش الهزيمة الروحية و الانضباع بأفكار طواغيت الكفر الغربيين في فترة تقاعس فيها اغلب أهل العلم و قصروا عن واجبهم في قيادتها و ريادتها , وحان لهذا القوس أن يغلق. هذه كلمات مختصرة جدا أكتبها لمحمد أبو رمان, عساه يتحلى بالموضوعية ويصحى من الغفوة و الغفلة و يكف عن النفخ في الرماد البارد و التهويل من شأن من قوم أغلبهم بين صحفي و جامعي ليس له الحد الادنى من العلم الشرعي ثم يتصدى لتجديد الدين!!! فسمعنا عن المجدد الترابي!!!ـ من تجديداته اباحة زواج المسلمة من غير المسلم و أن الفن و الموسيقى عبادة وفناء في الله و أن اليهود و النصارى مؤمنين !!ـ و عن المجدد ابو القاسم حاج حمد ـ داعية ما يسمى بالعالمية الإسلامية الثانية !!ـ الذي من تجديداته أن الحجاب المأمورة به المرأة المسلمة هو الذي بينهاه آنفا!!و عن المجدد خالص جلبي الذي يريدنا أن نواجه إسرائيل بالزهور لأن عصر الأمم المتحدة قد نسخ الجهاد و غيرهم من المجديد الذين كثروا حتى لم نعد نحصيهم . و صدق الإمام مالك ـ رحمه الله ـ إذا قال : " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " .