آخر الأخبار

سفر الحوالي .. والفقه السياسي الرشيد

2004-12-15 | محمد سليمان سفر الحوالي .. والفقه السياسي الرشيد
في رسالته الأخيرة يقدم الدكتور سفر الحوالي فقها سياسيا متميزا ومعبرا عن حكمة الرجل وإمكانياته الفكرية والسياسية، وهذا ليس غريبا على الحوالي الذي جمع بين قراءة الفكر السياسي الغربي وتطوره ومنتجه المعرفي ومصادره وبين العلوم الشرعية والقراءات الموسوعية المتعددة، وكثيرون يشهدون له بتحليلاته السياسية المتقنة (على الرغم أننا قد نتفق معه في بعضها ونختلف معه في البعض الآخر)، وأذكر هنا مثلا أنه كان قد تنبأ بحرب الخليج الثانية قبل وقوعها، وكتب كتابا مهما ما زال مرجعا تاريخيا إلى الآن بعنوان "وعد كسينجر والأهداف الأميركية في الخليج"، وكذلك تميزه في متابعة الأبعاد الدينية والثقافية الكامنة وراء سياسات الولايات المتحدة، وقد برزت كتاباته على هذا الصعيد قبل انتقال المحافظين الجدد من مرحلة التأثير على قرار البيت الأبيض إلى حكم البيت الأبيض ذاته، وكذلك الدعوة المبكرة –استنادا إلى قراءة نقدية- لإصلاح الواقع السياسي والاقتصادي السعودي.
        لست بصدد الحديث عن مكانة الحوالي ودوره – في هذا السياق- فما أريد الوصول إليه أن الحوالي شكَّل –وما يزال – ظاهرة فكرية سياسية نادرة في الحالة السعودية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام، وكان من المؤمل أن يكون دوره أكبر بكثير مما هو عليه الآن، فهو بحق عالم رباني ومفكر من الطراز النادر، في وقت تفتقد الشعوب العربية المسلمة إلى القيادات الحقيقية التي تجمع بين مسؤولية العلم وخبرة التجربة وحكمة البصيرة. وقد توقع له الكثيرون من بينهم خبراء غربيون بالمستقبل الواعد، إلاّ أننا لم نر إلى الآن ما يعكس الآمال المعقودة والطموحات الكبيرة؛ الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن السبب: هل يكمن بأخطاء وقع فيها الشيخ، أم في الظروف المحيطة؟!.
        تعكس الرسالة الأخيرة جوهر الرؤية الجديدة للحوالي وقيادات التيار الإصلاحي السعودي، وتتمثل أبرز معالمها في:
        - التفريق بين النقد السياسي المؤسسي وبين التجريح الشخصي والتحول إلى نشر الإشاعات والشبهات والتهييج والتهريج بعيدا عن الموضوعية والمصداقية؛ فهناك فرق كبير بناء رأي عام نقدي وتعليم الأمة مسؤولية القيام بممارسة وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتجاه السلطة وسلوكها وبين العمل السياسي الدعائي وتوريط الناس بأعمال لا تنتهي إلا إلى الإضرار بهم وببلادهم.
        - قراءة الظروف السياسية الداخلية والإقليمية وممارسة السياسة وفقا لمنطق الحكمة والبصيرة، وتقدير المصالح والمفاسد، وهذه العملية ليست بالعملية السهلة البسيطة، بل تحتاج إلى الوقت والدراية والتحليل والتشاور، وهو الذي جنب الحركات الإصلاحية الانزلاق في متاهات طويلة وربما كذلك البلاد حمامات من الدماء أو العنف العدمي.
        - العمل الإصلاحي المؤسسي التدريجي والحوار مع السلطة ليس على قاعدة التواطؤ على الخطأ أو الحصول على المنافع الشخصية والحزبية وإنما على قاعدة المصالح العامة، والإصلاح التدريجي المؤدي إلى تجنيب البلاد خطورة الوضع الراهن.
        استنادا إلى القواعد السابقة فإن الاختلاف واضح بين رؤية الحركة الإصلاحية بقيادة الحوالي والعودة وبين كل من اتجاه الفقيه والتيار الجهادي السعودي؛ فالفقيه الذي غادر منذ سنوات طويلة إلى لندن فقد البوصلة وتحول في خطابه السياسي إلى الدعاية والإشاعة والتحريض البعيد عن امتلاك حتى شروط التحريض، وحاول استحضار "التجربة الخمينية" في ظروف مختلفة تماما من حيث الشروط الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي يعني في المحصلة جهودا عدمية وتوريطا لأفراد كثيرين داخل المجتمع في قضية محسومة سلفا!.
أما التيار الجهادي فقد دخل في صراع مسلح مع السلطة في لحظة تاريخية غير مناسبة واستخدم السلاح في إدارة الصراع الداخلي من غير اعتبار برصيد تجارب العنف البائسة في العديد من الدول العربية، وانطلق من تفاعل عاطفة الشباب السعودي الإسلامي مع الظروف السياسية الخطيرة وحالة العجز العام من قبل الحكومات العربية عن مواجهة الاحتلال والاعتداء.
في حين رأى الإصلاحيون أن الظروف الداخلية والإقليمية قد تغيرت مع أحداث أيلول، وان الحل اليوم يتمثل في الحوار مع السلطة وإقناعها بما في ذلك الضغط عليها للإصلاح المؤسسي التدريجي، وهذا هو الطريق الصواب في الواقع السعودي الذي لا تحتاج الحكومة فقط الحكومة فيه إلى الإصلاح وإنما المجتمع بأسره، والذي لم يسبق له أن مارس العمل السياسي المدني السلمي العلني، بل كان يعاني من عملية تجهيل – من قبل تحالف السلطة والمؤسسة الدينية الرسمية- وبالتالي يحتاج الأمر إلى التدريج والمضي بخطوات مرحلية وصولا إلى الممارسة السياسية والمدنية الناضجة المرتبطة بخطاب إصلاحي تثقيفي يقوم على تفسير إسلامي مستنير للوظيفة الاجتماعية والسياسية للإسلام يستند إلى تعزيز المسؤولية المدنية والأخلاقية ومفهوم المواطنة لدى المجتمع. من هنا فنحن أمام "عملية تاريخية" تتطلب وقتا ورشدا وممارسة اجتهادية وليس خطابا انفعاليا يقوم على مجرد التهويش والتحريض، دون إدراك لشروط التغيير ومقوماته!.
الإدراك السابق كانت معالمه لدى هذا التيار منذ البداية لكن لم يكن هناك تنظير كاف له ليدرك الشباب والمجتمع الرؤية المطلوبة للتغيير، بل وللأمانة نقول أن الحوالي وغيره قد انساقوا إلى التصادم مع السلطة تحت وطأة الظروف السابقة والحرص على المطالبة بالإصلاح في وقت كانت السلطة ذاتها غير متقبلة للإصلاح ولا لصوت إسلامي جديد مختلف عن المدرسة التقليدية السلفية التي ماريت تجهيلا سياسيا للمجتمع باسم الدين.
بعد أيلول نضج الخطاب الإصلاحي تماما، وبدأ يفصح عن رؤيته الفكرية لمراحل التغيير وخطواته وشروطه ومقوماته، وبدت السلطة مرغمة على تقبل هذا التيار في مواجهة تيار "العنف" ودعوات الإصلاح، إلا أن إرادة السلطة القوية والحقيقية بالتوجه الذاتي نحو الإصلاح ما زالت غير موجودة وموضع شك حقيقي من قبل المجتمع الذي تغيرت ظروفه هو الآخر وبدا وكأنه يعيش حالة كبيرة من القلق والاستقطاب، والنظر الجدي نحو الإصلاح المؤسسي الذي يحمي أمن البلاد وثرواتها ويكون كفيلا بمواجهة الضغوط الشديدة التي تواجه كلا من الدولة والمجتمع.
في هذه الظروف كانت حالة التوافق والتعايش بين الإصلاحيين والسلطة منطقية ومعقولة وأظهر الإصلاحيون وعيا وحسا مسئولا رفيعا قابله تجاوب حذر من السلطة ومحاولة توظيف دون الوصول إلى حد الشراكة والتعاون الحقيقي، في ظل وجود حالة من الاستقطاب داخل السلطة ذاتها حول توزيع القيم والمنافع وأجندة الإصلاح ذاتها.
في هذا السياق يمكن فهم مجمل سلوك التيار الإصلاحي بما في ذلك ممارسة الشيخ سفر الإصلاحية، والذي ما زال إلى الآن يعاني من قيود السلطة التي تحد كثيرا من حريته وحركته، ويبدو جليا أن السلطة ما زالت متخوفة من شخصيته وقدرته ونفوذه.
ما هو مطلوب اليوم من الشيخ سفر وإخوانه من قادة التيار الإصلاحي التحول من حالة "إصدار البيانات" والجهود الفردية إلى العمل الإصلاحي المؤسسي، وإلزام السلطة بالحوار والتجاوب من خلال العمل المدني وبناء مؤسسات التي تستوعب شيئا فشيئا المشروع الإصلاحي، والاهتمام بشكل أكبر بتطوير الخطاب وآلياته وأدواته وبناء مساحات جديدة للحركة الفكرية والثقافية من خلال الصحافة والإعلام والمنتديات والشركات.
وفي ضوء الخطوات السابقة رعاية مجهود إصلاحي متكامل يضم فئات متنوعة ومختلفة تعمل جميعها على بناء رؤية شمولية متدرجة للإصلاح بأبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية، ومحاولة الإجابة العملية المنطقية على المشكلات التي تعاني منها البلاد، وتبدد طاقتها.
ومطلوب كذلك أن يهتم الدكتور الحوالي وإخوانه بتدريب ورعاية العديد من الشباب السعودي وتأهيلهم في المضي قدما في عملية الإصلاح والتي بالضرورة ما زالت في بدايتها.
في المحصلة لا بد من القول إن ما حققه التيار الإصلاحي كثير ومهم، وقد أظهر هذا التيار وعيا ونضجا رائعا في الآونة الأخيرة، لكن في المقابل ما هو أمامه من تحديات وما هو مطلوب منه كثير أيضا، والمجتمع السعودي يتحرك ولا بد من مواكبة حركته وإدارتها.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

قوت

اللهم أطل عمره في طاعته وارفع قدره بالدارين
بحق عالم يعمل بصمت
وماعند الله خير وأبقى
وفقه الله وحفظة وأمد بعمره


دريد

طرح الكاتب السؤال التالي:

ما هو مطلوب اليوم من الشيخ سفر وإخوانه من قادة التيار الإصلاحي التحول من حالة "إصدار البيانات" والجهود الفردية إلى العمل الإصلاحي المؤسسي، وإلزام السلطة بالحوار والتجاوب من خلال العمل المدني وبناء مؤسسات التي تستوعب شيئا فشيئا المشروع الإصلاحي، والاهتمام بشكل أكبر بتطوير الخطاب وآلياته وأدواته وبناء مساحات جديدة للحركة الفكرية والثقافية من خلال الصحافة والإعلام والمنتديات والشركات...

وأقول: حصل هذا بالفعل وتحقق في الواقع (الحملة العالمية لمقاومة العدوان) "قاوم"
التي سعى الشيخ منذ خروجه من المعتقل لتأسيسها وقيامها...وانطلقت بفضل الله.. واليوم انتخبه مؤسسيها وأعضائها رئيسا لهم...

حملة "قاوم" والتي تمثل بختصار حركة شعبية جماهيريه تتوحد وتتظافر فهيا الجهود تجاه العدوان على الامة...
والتي جاء في رسالتها: الحملة العالمية لمقاومة العدوان هي إطار تتضافر فيه جهود أبناء الأمّة، لتذكيرها بواجب النصرة، وتوعيتها بحقها في الدفاع عن نفسها، ومناهضة المعتدي بالطرق الشرعية الممكنة وبالوسائل المؤثرة، وقد أسست الحملة امتثالاً لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالتعاون على البرّ والتقوى ونصرة المظلومين ودفع المعتدين.

والتي استطاعت أن تلعب دوراً كبيراً في إعطاء اسم المقاومة بعداً جديداً يتمثل في العمل السياسي والعمل الإعلامي وتقريب وجهات النظر، والنشاط في هذا الاتجاه.

ولعبت دوراً كبيراً في نشر ثقافة جديدة للمقاومة من خلال الاتصال بأطراف مختلفة كثيرة وشرح قضايا الأمة وأحقيتها، وكانت حلقة وصل بين أطراف مختلفة - وأعتقد أنها نقلة نوعية - حيث قربت وجهات نظر كثيرة في هذا الاتجاه، وهذا بحد ذاته إنجاز نحمد الله عليه.
وحالها اليوم يشبه حال مؤسسها شفاه الله وعافه...
(بين مطرقة ظلم القريب وسندان تربص البعيد)


أبو معاذ

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يمن على شيخنا بالشفاء العاجل ليعود ويملأ مكانه في مجال الدعوة والإرشاد و النصح
والجهاد بالقول والعمل فهو كما عهدناه أسد السنة والإسلام إن شاء الله وهو الأصيل ابن الأصيل ابن الكرام البررة ولا نزكي على الله أحدا
ونقول له ما قاله الإمام الشافعي :
مرض الحبيب فعدته فمرضت من طربي عليه
وأتى إلي يعودني فبرءت من نظري إليه

شفى الله الشيخ وجميع مرضى المسلمين


ابو حمزهـ

نسال الله الكريم رب العرش العظيم ان يمن عليك بالشفاءويردك معافا"الى اهلك واخوانك واصحابك وكل شخص يحبك في الله
وان ترجع كما عهدناك ناصحا"داعيا لله
اللهم امين اللهم امين


ابو اوس

كلام طيب اشكر كاتبه واسأل الله العلي القدير ان يوفقه وان يوفق الشيخ الدكتور سفر الحوالي لخدمة هذا الدين العظيم


ابو اوس

اسأل الله العلي القدير ان يحفظ شيخنا الفاضل الدكتور سفر الحوالي وان يجعله دائماً وابداً سيف في وجه الأعداء والمبتدعة من الخوارج والمرجئة أميـــــن


aboalfeda

بارك الله في شيخنا الشيخ سفر الحوالى ونفع الله به امة الإسلام وجعله الله ساعيا في اصلاح الدولة السعودية وكتم الله ألسنة الحاقدين على الشيخ اطال الله في عمرك يا شيخنا الفاضل


أبو بلال

الشيخ العلامة سفر الحوالي معروف لدى من يبحث عن الحق أينما وجد ، فأسأل الله أن يرفع درجته وأن يعلي منزلته وأن يكبت أعداءه .. آميــــــــــــــــــــن ...........


أبو أسامة البابقي

بسم الله وبعد،
وأخيرا تبلورت الصورة حول هذه الشخصية الفذة ، لقد تأكد بما لا يدع مجال للشك أن الشيخ سفر تحول من المحاظر والمرشد إلى القائد الموجه ولو حاربه الظلمة والمناقين و " أذنابهم " . لذا صار لزاما للشيخ المجاهد _حفظه الله _ ان يجتهد أكثر لإيصال رسالته العظيمة إلى من يهمه الأمر ، إن عصرا أصبح للرويبضه فيه مجال للتحدث لابـــــــــــــــــــد أن ينتهي ، لأن العظـــــــــــــــــماء أتوا ........
( أشهد الله تعالى على حــــــــــــــــــــــــــــــب الشيخ سفر بن عبدالرحمن الحوالي )


راعي الشرفى

المملكه ولله الحمد لا ينقصها الرجال الناصحون الذين شخصوا الداء ووضحوا الدواء الا ان ما يؤسف له امور:
إقصاء هولاء الرجال الناصحين الراشدين وعزلهم عن مواطن التأثير وعدم الاسترشاد بروآهم والانسياق وراء اناس يفسدون اكثر مما يصلحون.
خلخلة الصف الدعوي من خلال استغلال بعض العناصر ممن ينسبون الى العلم او الى العمل الدعوي في الوقوف في صف هولاء الناصحين.
عدم تمكين هولاء الناصحين من تكوين اي عمل موؤسسي مستقل وسيعمل على تفكيكه وخلخلته ما لم يخدم مصالح المتنفدين. وفي المقابل سيسمح لغيرهم من الشواذ والمشبوهين بممارسة ذلك نتيجة لما يلقونه من دعم خارجي وسكوت داخلي.
غرق الملأ وعامة الناس في ملذات الدنيا والغفلة عن الدين وكراهيتهم لمن يصادمهم في رغباتهم وشهواتهم يفقد العمل الدعوي الدعم المنشود ويكثر من خصومه واعدائه المتربصين.
والشيخ حفظه الله هو واخوانه المشايخ أمثاله لو لم يبخسوا حقهم لكان مكانهم المنشود هو في الاسهام بل المشاركه في ادارة دفة هذه البلاد والخروج بها من الملمات التي تعصف بها.
نسأل الله التوفيق والسدلد لكل من نشد الاصلاح لهذه الامه والسلام عليكم.


رائد أبوجحنة

إن مثل هؤلاء المصلحين هم بحاجة قوية إلى تكاتف من أهل الدعوة والإصلاح ، ومن العجب أن تظل التيارات الفكرية تشتغل يتخطئة بعضها البعض وذكر ما عند الآخر من أخطاء في وقت أمس ماتكون فيه الحاجة إلى جمع الكلمة تحت قيادة قكرية اصلاحية رشيدة ....


ابو اسراء

للاسف الرجل لم ياخذ المكانة التي يستحقها في ظل وجود السلطة المتشددة التي ترى ان الناس ملك لحكامهم ولكن ما عند الله خير وابقى