شبح الفتنة الطائفية والعرقية يخيم على العراق

2004-12-11 | محمد سليمان شبح الفتنة الطائفية والعرقية يخيم على العراق
أطلقت عملية التحضير للانتخابات العراقية العنان للنقاشات الصريحة حول مخرجات هذه الانتخابات، وحساسية المعادلة العرقية والطائفية الداخلية، وهناك إجماع من قبل مختلف الفاعلين والمراقبين على أن هذه المرحلة حرجة وخطيرة في تقرير مستقبل العراق، في ضوء تقارير المخابرات الأميركية التي تقر أن الوضع في العراق يزداد سوءا وأن خطر الفتنة الطائفية يلوح بالأفق، في ظل حالة الاستقطاب الداخلي الكبير والذي لا يوحي بانتشار ثقافة العيش المشترك والسلام الوطني بل بسيادة الحسابات الطائفية والعرقية خاصة لدى كل من الشيعة والأكراد.
        بخصوص الشيعة فقد بات واضحا منذ انتهاء "معركة النجف" أن الأمور حسمت بانتصار سياسي كبير حققه تيار السيستاني والقوى الشيعية الرئيسة (مجلس قيادة الثورة وحزب الدعوة) الموالية لإيران على تيار الصدر، وهو الأمر الذي تكرس بشكل صريح من خلال القائمة الموحدة التي يرعاها السيستاني، والممثلة للقوى الشيعية بهدف السيطرة على غالبية مقاعد الشيعة في الانتخابات، وبالتالي إعادة إنتاج المجال السياسي العراقي بهدف تكوين حكم جديد "ذي صبغة شيعية" مؤيد لإيران ومتحالف معها، الأمر الذي إن حدث لن يؤدي إلاّ إلى استفزاز الطوائف المذهبية والعرقية، وبالتالي الدخول في إرهاصات ومقدمات الحرب الداخلية الطائفية، وقد أشار مقتدى الصدر بوضوح إلى هذا الاحتمال في تعليقه على قائمة السيستاني "الشيعية".
في هذا السياق كانت هناك رهانات أميركية سابقة على قيام حكومة عراقية شيعية موالية للولايات المتحدة من خلال إعادة إنتاج الصراع بين النجف وقم، واستنادا إلى أفكار السيستاني العلمانية في رفضه لقيام حكومة "رجال الدين" على النمط الإيراني، لكن هذه الرهانات بدأت تتهاوى سريعا مع ظهور سيطرة إيران على القوى الشيعية الرئيسة، ومع تزايد المعلومات التي تؤكد وجود دور إيراني محوري في دفع أعداد كبيرة من الشيعة العراقيين المهاجرين وربما الإيرانيين للتأثير على مخرجات الانتخابات.
التوقعات السابقة تعززها الحالة الكردية الخطيرة، إذ تشير العديد من الدراسات والتقارير الدولية (على سبيل المثال: تقرير مجموعة الأزمات الدولية حول كركوك) إلى تزايد شديد في النزعة العرقية في "معاداة العرب" و"الطوائف العراقية" الأخرى، وقد وقعت العديد من المؤشرات التي تدل على أن الأكراد يقبلون بالفدرالية لا على أساس ثقافة "الوحدة الوطنية" و"المصالح المشتركة" وإنما ثقافة "الأمر الواقع"، ومن هذه المؤشرات رفضهم رفع العلم العراقي على المؤسسات العامة الموجودة هناك والإصرار على رفع الأعلام الكردية، ومحاولات التطهير العرقي والتهجير والاستيلاء على بيوت العرب القاطنين هناك..الخ. إلاّ أنّ المؤشر الأخطر هو القائمة الكردية للانتخابات والتي أهملت تماما الأعراق الأخرى الموجودة في كردستان. مما يعني أنّ الأكراد متأهبون لإعلان استقلالهم عند أول فرصة سانحة، وبالتالي احتمال تدخل الجيش التركي لمنع قيام دولة كردية مستقلة، وفي المحصلة توتر إقليمي على درجة عالية من الخطورة.
أمّا بخصوص العرب السنة، فقد شعروا منذ بدء الاحتلال أنهم الطائفة الأكثر تضررا، وعزز هذا الشعور السياسة الطائفية الأميركية المعادية للسنة وتصريحات الساسة الأمريكان، وكثير من قرارات الاحتلال منذ الاحتلال كحل الجيش وحظر حزب البعث، وتدمير المؤسسات السنية العامة، والحديث عن التحالف الأميركي الشيعي- الكردي، مما تسبب بإلحاق أضرار كبيرة بمئات الآلاف من الأسر السنية العراقية، وساهم بتهيئة الأرضية المناسبة لنمو المقاومة العراقية وتزايد رقعتها، وبروز حالة من التلاحم العميق بين المجتمع والمقاومة، فأصبحت جهود الاحتلال الأميركي في ضرب المقاومة أقرب إلى العبثية، ودفع بعدد من الخبراء الأمريكان إلى المطالبة الحثيثة بتعديل السياسة الطائفية الأميركية من خلال إعادة الجيش العراقي والاستعانة بضباط سابقين من الدرجة الثانية، والاستفادة من خبرات الطبقة الوسطى السنية، والاستعانة بشيوخ العشائر وإقامة العلاقات معهم في محاولة لعزل المقاومة عن سياقها الاجتماعي، إلاّ أن هذه الجهود لم تنجح مما اضطر الولايات المتحدة إلى محاولة الاستعانة بالدول العربية المحيطة للتأثير على السنة للحد من قوة المقاومة العراقية وزخمها.
إلا أن المشكلة اليوم أمام السنة تتمثل في أنهم أمام أمرين؛ الأول استحقاق الانتخابات والذي أعلنت قوى سنية رئيسة عن مقاطعتها مما يهدد باستثناء السنة من أي دور سياسي فاعل، ويؤدي إلى تهميشهم. والثاني أننا لو فرضنا نجاح الرهان السني على فشل الانتخابات فإن البديل هو التفكك الطائفي والعرقي في ظل غياب الإجماع حول المقاومة ومشروعها وضعف محاولات الوحدة الوطنية والدينية في الفترة الحالية.
ما هو مطلوب اليوم من السنة هو العمل على تقديم تصورات عملية لاحتمالات المرحلة القادمة، والبدائل المنطقية للتعامل معها، بما في ذلك اللجوء إلى منهج "تبادل الأدوار" بين العمل السياسي والعسكري، والاستفادة من الفرصة المتاحة الآن من تفهم العديد من الدول العربية المحيطة لخطر الوضع الحالي في العراق، والاحتمالات الناجمة عن قيام حكومة عراقية تابعة لطهران، مما يعني إعادة بناء جسور التواصل بين قيادة السنة وبين المحيط العربي السني وهو عامل قوة جديد جدير بالاستثمار وأفق سياسي لتشكيل عمق إستراتيجي إقليمي للسنة، إلا أن التحدي الماثل في هذا المجال هو العمل على تحويل الاهتمام العربي من مجرد هاجس من قيام حكومة عراقية ذات ميول إيرانية إلى سند معنوي وسياسي حقيقي في المرحلة القادمة.
كما تتمثل الأولوية الكبرى اليوم للسنة بالعمل على بناء جبهة تمثل فصائل وشخصيات من مختلف الطوائف والأعراق وتوحيد الخطاب السياسي والسير باتجاه وضع ميثاق وطني لهذه الجبهة، وإلا فإن النجاح العسكري لا يكفي في ضوء حالة التفكك العرقي والطائفي.
في هذا السياق لعل الخطر الرئيس القادم متمثل برؤية برنارد لويس (أستاذ المحافظين الجدد) القائمة على تفتيت المنطقة وبث الصراعات الطائفية والعرقية فيها، والاحتمالات ما زالت مفتوحة ومتعددة..

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

جلال حقاني

ما يتحدث عنه الكاتب من ضياع لحقوق السنة وتهميش لدورهم , هي فترة مرحلية طبيعية .. ما دام الاحتلال جاثما في العراق !

رهان أهل السنة الحقيقي هو في البعد الاستراتيجي للمقاومة , أما سياسة الأمر الواقع فهي سياسية انهزامية بمقدمات منطقية فقط !