من يتحدث باسم الإسلام؟!

2004-11-29 | محمد سليمان من يتحدث باسم الإسلام؟!
البرنامج الوثائقي الذي عرضته مؤخرا الفضائية لبنانية (LBC) بعنوان "أبو مصعب الزرقاوي من هيرات إلى بغداد" كان مسيئا في دلالاته وتوقيته، وحتى في الشهادات والرسائل التي تمخضت عنه والتي انتهت إلى نتائج سلبية، ولعل الندوة التي تلت الفيلم أظهرت بوضوح هذه النتائج من خلال "المشادة الكلامية" التي وقعت بين أحد القيادات الشيعية المتطرفة (مذهبيا) في العراق وبين معد الفيلم وأحد الضيوف، وقد تحول الأمر وكأننا أمام برنامج متخصص في إشعال نار العداوات والفتنة بين السنة والشيعة، الأمر الذي يطرح سؤالا رئيسيا: من هو المستفيد الآن من إثارة هذه النزعات وفي هذا الوقت الذي يلوح فيه خطر الفتنة الطائفية والحرب الأهلية ويهدد السلم الاجتماعي والوحدة الجغرافية والسياسية في العراق؟ فلو أن الوثائقي طرح القضية وعلاجها بمهنية لكان هناك مبررات للبرنامج، لكن كان واضحا أن الطرح "استفزازي" و"دعائي" أقل ما يقال عنه أنه لم يراع لا مصلحة العراق ولا عقل المشاهد، والذي يدرك تماما أن الأصوات المتقابلة التي قدمها البرنامج تمثل هوامش متطرفة على جانبي الأوساط المعتدلة الغالبة على كل من الطائفة السنية والشيعية.
وإذا كانت موضوعية المعد دفعته إلى عرض رؤية جماعة الزرقاوي للشيعة، فهل منعته من تقديم رؤية عدد من العلماء والمفكرين السنة الكبار الذين يرفضون هذه الرؤية، فيما كان يعرض رؤية حسين فضل الله والذي يمثل حالة من الاعتدال والعقلانية المعروفة في الوسط الشيعي، مما يدفعنا هنا إلى طرح سؤال محوري وهو: من يتحدث باسم الإسلام؟ ..
فالنماذج "السطحية" و"الساذجة" التي فتح لها المجال في البرنامج لتبين لنا تعاليم الإسلام ومبادئه العامة وحقيقة رسالته الأخلاقية ووظيفته الاجتماعية وأهداف الجهاد الحضارية والسياسية!! قدمت صورة مشوهة مختزلة عن الإسلام والجهاد تدفع إلى التساؤل عن الفوضى الفكرية والفقهية والتي تعطي المجال لأشخاص لا يفهمون من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه، وكأننا فقدنا العلماء والمفكرين والمثقفين الإسلاميين الذين يتحدثون عن الإسلام ويقدمون رسالته الإنسانية ولم يبق إلا عدد من السذج الذين يطرحون الخطاب الإسلامي اليوم!.
كما أن إطهار المقاومة العراقية وكأنها ملخصة فقط بالرزقاوي وجماعته هو إساءة لهذه المقاومة الوطنية الشريفة واختزال لها، وترويج للدعاية الأميركية بهذا الخصوص.
لست ممن ينفون وجود الزرقاوي وجماعته، وفي المقابل لست ممن يهولون الأمر ويعززون الدعاية الأميركية بدور الزرقاوي، وهناك اليوم عدد كبير من الخبراء والسياسيين والإعلاميين الأميركان الذين يقرون بأن العامل الرئيس الذي يقف وراء المقاومة هو الروح الوطنية والدينية التي تحرك الشعب العراقي وليس القادمون من الخارج أو أتباع الرئيس السابق للنظام العراقي.
كان واضحا غياب الموضوعية والتوازن عن البحث والإعداد لهذا الفيلم، والذي يبدو أن معده حاول أن يرضي مختلف الأطراف "باللعب على الحبال" فتارة يدافع عن هذه الجماعة ويمتدح جرأتها ويقدم نفسه وكأنه الناطق الرسمي باسمها، ويتحمس لها، وتارة أخرى يؤكد الرواية الرسمية الأردنية بأن هذه الجماعة تشكل "حالة أمنية خطيرة" وأنها تقتل الأبرياء في العراق والمدنيين، الأمر الذي أربك المشاهد وزاد من مساحة الحيرة لديه حول كل الأفكار الواردة في هذا البرنامج المختل!.
وما يعنينا ونحن نشهد في الأردن مؤتمرات وفعاليات إسلامية متعددة -بدأت برسالة عمان ومن ثم مؤتمر الإسلام والمسلمين بالتنسيق بين كلية الشريعة وعميدها المجتهد عبد الناصر أبو البصل وأخيرا مؤتمر الوعظ والإرشاد لوضع ميثاق للمنبر-، ألا تنتهي هذه الفعاليات إلى نتائج نظرية و"احتفالية رسمية"، فما نحن بحاجة إليه بالفعل اليوم هو فريق من المفكرين والعلماء والمثقفين الذين يقومون بحوارات ونقاشات عميقة لاستثمار هذه الفعاليات وبرمجة نتائجا لتظهر على أرض الواقع وتنعكس على أداء موظفي وزارة الأوقاف ومناهج التدريس في كليات الشريعة ومداخل التعليم والتربية الدينية، بل ودور الإسلام في المجتمع والدولة حتى يحقق الإسلام رسالته في الإعمار والنهضة وكي لا يتحول إلى عامل هدم ودمار وموطيء لكل ساذج محدود الأفق والتفكير!!.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر