مؤتمر شرم الشيخ: الأهداف والنتائج

2004-11-22 | محمد سليمان مؤتمر شرم الشيخ: الأهداف والنتائج
ما تسرب من أخبار ومعلومات حول بنود البيان الانتخابي للمؤتمر، يؤكد على أنه لن يقدم شيئا للشعب العراقي، ولا يزيد المتوقع من خلال التوصيات المقترحة على أن يكون تحصيل حاصل للأمر الواقع في العراق؛ فالتأكيد على عقد الانتخابات ووحدة العراق وإدانة عمليات الخطف والرهائن والاغتيالات ووجود دور محوري للأمم المتحدة والتأكيد كذلك على استقلال العراق وحريته هي ذات المفردات المتداولة في الخطاب الأميركي حول العراق، وبالتالي قد تبدو النتائج للوهلة الأولى أنها تصب جميعها فقط في إعطاء المشروعية للعملية السياسية التي تؤطر لها الولايات المتحدة والحكومة المؤقتة في العراق، وفي مقدمة ذلك التمهيد للانتخابات القادمة لاختيار الجمعية المؤقتة والتي سيناط بها مسؤولية وضع دستور العراق الجديد.
وبالضرورة لا يمكن إنكار أن إعطاء المشروعية الإقليمية والدولية للإجراءات الأميركية هدف واضح ومباشر لعقد هذا المؤتمر، إلاّ أنه في المقابل توجد أهداف وشروط أخرى تحدد مخرجات المؤتمر ونتائجه الرئيسة، والتي غالبا لن تأتي في البيان الختامي المعلن للمؤتمر، وإنما في الاتفاقات الخلفية والصفقات الجانبية، المرتبطة بالدرجة الرئيسة بمصالح الدول المختلفة، وبالتحديد دول الجوار الجغرافي في العراق وفي مقدمتها إيران، والتي تجعل من المأزق الأميركي في العراق ورقة رابحة في الصراع المحتدم ولمواجهة الضغوط الأميركية المتزايدة حول سلاحها النووي، ويمكن –في هذا السياق- التقاط الرسالة الإيرانية التي أرسلها خاتمي باستعداد إيران بالقيام بدور إيجابي ومساعدة الولايات المتحدة في تحقيق الأمن والاستقرار في العراق، ومن هنا فإن إيران تستثمر الورقة الشيعية العراقية بشكل ذكي –لتحقيق مصالحها الإقليمية والأمنية-، لذلك فإحدى النتائج المتوقعة الرئيسة غير المباشرة لمؤتمر شرم الشيخ تزايد الدور الإيراني في العراق من خلال صيغة توافقية مع الولايات المتحدة، بما يخدم مصالح الطرفين، وقد أدركت الإدارة الأميركية جيدا أن نجاحها في ضبط الأمور في العراق يرتبط بشكل كبير بالمساعدة الإيرانية، ويعزز هذه النتيجة المخاوف الأميركية -التي عبر عنها عدد من المسئولين العسكريين- من انفلات الوضع الأمني في العراق في فترة الانتخابات، نظرا للخلافات والمشكلات المرتبطة بمخرجات هذه الانتخابات والحصص الطائفية والعرقية.
أما القيادة الإيرانية فهي تدرك تماما أن المأزق الأميركي الحالي قي العراق يأتي في سياق تعزيز مصالحها وتأكيدها، ويقلل من احتمالات تعرضها لهجوم أميركي، وهذه النتيجة يؤكدها كريستوفر ديكي (الصحفي الأميركي المعروف) والذي يرى أن هناك أكثر من مائة وأربعين ألف جندي أميركي في العراق هم بمثابة الأسرى لإيران، وهم بحد ذاتهم عائق رئيس من تفكير الولايات المتحدة بشن أية حرب جديدة ضد العراق هذا من ناحية.
من ناحية أخرى فإنّ المضي قدما في العملية الانتخابية وفق الترتيب الحالي سيؤدي إلى حكومة عراقية ذات ميول إيرانية أو على الأقل لا تحمل مواقف عدائية لإيران، خاصة أن القوى والأحزاب الشيعية العراقية التي أعلنت عزمها على المشاركة في الانتخابات – في الأغلب الأعم- مؤيدة لإيران إن لم تكن ذات صلة مباشرة بها.
في حين إذا ما افترضنا احتمال انفراط الوضع الأمني ودخول العراق في سيناريو الحرب الأهلية فإن هذا أيضا يصب في المحصلة لصالح إيران، لأنه يعزز المأزق الأمني الأميركي ويجعل من العراق ورطة حقيقية للأمريكان يحاولون الخلاص منها، ولن يفكروا بعدها بأي تدخل في دول أخرى في المنطقة، وستتحول العراق إلى عقدة جديدة للولايات المتحدة على غرار العقدة الفيتنامية.
في الحقيقة تتمثل الصفقة الرئيسية الحقيقية من المؤتمر بين إيران والولايات المتحدة، في حين لن تخرج الدول العربية بنتائج ذات مغزى، سوى أن الأمن في العراق هو مصلحة مشتركة لكل من الأردن ودول الخليج لضمان مطالبهم الأمنية الإقليمية والداخلية، وما يهم تركيا بالدرجة الأولى هو الموضوع الكردي وتأكيد الضمانات على ألا تتحول الفدرالية إلى دولة كردية مستقلة، وكذلك حماية حقوق الأقلية التركمانية في العراق.
في المحصلة العملية للمؤتمر فإن المقاومة العراقية تجد نفسها أمام استحقاق سياسي جديد وخطير يتطلب توحيد القوى والجهود لتشكيل جبهة سياسية تدافع عن مشروعية المقاومة وتحرير العراق واستقلاله ورفض الاحتلال الأميركي، ويتطلب كذلك التأكيد على البعد الوطني المتكامل والجامع لكل فصائل المقاومة والمعارضة العسكرية والسلمية، والتعامل مع التحول الجديد في قواعد الصراع بأدوات جديدة، الأمر الذي يتطلب كذلك في النهاية على الاهتمام أكثر بالصراع السياسي والإعلامي.
وهنا من باب الواقعية لسنا بحاجة إلى إعلان خيبتنا من مخرجات هذا المؤتمر ومن مواقف الدول العربية، والتي لم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة حول مشروعية المقاومة وضد جرائم الاحتلال، فهذه الخيبة أيضا تحصيل حاصل لهذا الواقع المرير!.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر