الفلوجة وما بعدها

2004-11-13 | محمد سليمان الفلوجة وما بعدها
ما قدمته المقاومة العراقية الباسلة في الفلوجة سيسطر في صفحات التاريخ المشرقة للعراقيين، وسيكون عبرة ومنهجا يدرس للشعوب التي ترفض الاحتلال والاستعمار وتصر على حقها في المقاومة، وتدفع في سبيل ذلك بالغالي والنفيس، ما حدث في الفلوجة يرتقي –بحق- إلى مستوى أن يطلق عليه "ملحمة الجهاد والفداء"، إذ واجه المدنيون العزل والمقاومون بأسلحتهم البدائية وبأرواحهم المفخخة (التواقة إلى الاستشهاد) أعتى قوة اليوم والتي لم تكتف بقصف الطائرات والصواريخ وكل الأسلحة الفتاكة التي تمتلكها، وإنما لجأت أيضا للأسلحة المحرمة دوليا إلا ضد العرب والمسلمين فاستخدمت القنابل العنقودية لتحرق بها الناس، مستغلة فترة الإجازة التي يمر بها القانون الدولي واتفاقيات جنيف ومواثيق حقوق الإنسان، التي لا قيمة تذكر لها في الفلوجة!، ولم تجد صيحات الأطباء واللجان الإنسانية والمدنيين في استنهاض حتى ولو استنكار عربي رسمي –كحد أدنى للرد على ذه المذابح البشعة-، التي حولت الفلوجة إلى مدينة منكوبة إنسانيا تفتقد حتى إلى الماء والدواء القليل الذي يداوى فيه المرضى والجرحى، أو حتى طريقة لإزالة الجثث المتعفنة في الشوارع والتي بدأت رائحتها تدخل على الناس في بقايا بيوتهم بعد العدوان والقصف!.
         لا أعلم بأي حجة أو ادعاء يمكن أن يبرر الأميركيون ما يفعلونه بالفلوجة، وعمليات القتل والذبح ضد المدنيين، وإذا كان صدام حسين قد قتل الأكراد في حلبجة لأنهم تمردوا عليه، فينبغي أن يعطى علاوي (رجل بوش في العراق) وسام شرف أميركي اليوم لأنه لم يكتف بالقتل والذبح والقصف واستخدام الأسلحة المحرمة بل لاحق الناس بالمستشفيات وفي المساجد وتحت الأنقاض وهو عمل سيذكره التاريخ جيدا له!، ولن ينسى التاريخ كذلك للسيستاني موقفه المتخاذل والذي لن يضل من يتابع تصريحات أتباعه أو مؤسساته الإعلامية عن إدراك حالة العداء الشديد والتأييد المبطن للعدوان الأميركي على الفلوجة، وإذا كان هناك من موقف مشرف وواضح وصريح فهو موقف جمع من علماء بلاد الحرمين وفي مقدمتهم الدكتور سفر الحوالي وسلمان العودة وناصر العمر والذين أعلنوا بكل صراحة عن دعمهم لجهاد أهل الفلوجة وإدانة العدوان، وحرمة مشاركة القوات الأميركية في هذا العدوان.
        يتوقع الأميركيون أن ينتهي عدوان الفلوجة بإخضاعها وإخضاع المدن العراقية الأخرى التي توصف بالمتمردة، تمهيدا للانتخابات القادمة، والتي ستكون "قذرة" كما وصفها عدد كبير من الخبراء الأميركان؛ لأن أي انتخابات حقيقية بالتأكيد لن تأتي بعلاوي وأمثاله إلى السلطة، ولكن الأمر الذي يبدو أن الأميركان لم يدركوه بعد هو أنّ الاحتلال والعنف لن يطفئ الروح الوطنية والدينية في العراق بل على النقيض من ذلك سيؤججها وسيفرخ أعدادا متزايدة وكبيرة من المجندين الجدد في المقاومة، وسيوجد الأرضية المناسبة لتولد حركات أخطر وأعمق من الحركات الموجودة، والمثال البسيط على ذلك ما حصل مع بن لادن والظواهري عندما اختفوا من الأميركان، وهب أن الأميركان تمكنوا من قتلهم آنذاك، فقد ظهر اسم الزرقاوي، ولو أنهم تمكنوا من قتل الزرقاوي سيظهر شخص آخر وهكذا دواليك، وما حدث أيضا في طابا مثال آخر على ما أقول وهي عملية خطيرة ومدبرة ومحكمة قام بها مجموعة من الشباب من منطقة العريش، ومن كان يتوقع ذلك؟!
        معركة الولايات المتحدة مع المقاومة العراقية خاسرة بكل المقاييس، حتى ولو كسبوا حرب الفلوجة، فلن يكسبوا "ما بعد الفلوجة"، وما يقوموا به اليوم من مجازر ومذابح لن ترهب الشباب العربي والمسلم بل ستزيد من مساحة الغضب والحزن والرغبة في الثأر، الأمر الذي قد يكون التعبير عنه في داخل العراق أو خارجها من خلال نماذج أخرى من العمليات على غرار طابا، بكلمة السياسة الأميركية والقائمة على العدوان تفخخ المنطقة العربية بأسرها..
        وفي الختام هل يمكن أن نتصور أن الديمقراطية الأميركية ومشاريع الإصلاح المتعددة هذه شواهدها في الواقع العربي والإسلامي مذابح وقتل في أفغانستان والعراق، ثم ديمقراطيات وانتخابات قذرة تأتي بأمثال كرزاي وعلاوي على رأس حكومات خانعة، إذا كان الأمر كذلك فمرحا لعهود الدكتاتورية العربية ولتبقى إلى الأبد!.   

تم غلق التعليقات على هذا الخبر