آخر الأخبار

حوار مع منير شفيق: قراءة في المتغيرات الإستراتيجية الإقليمية

2004-11-12 | محمد سليمان حوار مع منير شفيق: قراءة في المتغيرات الإستراتيجية الإقليمية
شهدت الأيام الأخيرة متغيرات كبيرة يتوقع أن يكون لها أثرها وتداعياتها المختلفة على مجمل المعادلة الإقليمية في المنطقة، فقد أعلنت إيران عن قدرتها على تخصيب اليورانيوم، وامتلاك صواريخ متوسطة المدى، وأطلق حزب الله طائرة من غير طيار فوق أجواء إسرائيل، في الوقت الذي أعيد فيه انتخاب بوش، وبدأ اقتحام الفلوجة معقل المقاومة العراقية تمهيدا للمؤتمر الدولي والانتخابات النيابية العراقية، وتوفي في خضم هذه الأحداث الرئيس ياسر عرفات..
لقراءة هذه المتغيرات وتحليلها أجرينا الحوار التالي مع المفكر والمحلل السياسي منير شفيق، وتتميز رؤية شفيق بالقراءة الإستراتيجية للمتغيرات المختلفة ووضعها جميعا ضمن خارطة التفاعل والتأثير المتبادل، وللأستاذ منير شفيق العديد من الدراسات الفكرية والإستراتيجية، والمقالات الدورية في كبريات الصحف والمجلات العربية.
في هذا الحوار يرى الأستاذ شفيق أن إيران وبرنامجها النووي هما بؤرة التركيز في أجندة بوش للمرحلة القادمة، ويربط شفيق بين العديد من الأحداث والتفاعلات في المرحلة الأخيرة بإعداد الإدارة الأميركية للملف الإيرانيين ومن ذلك الضغوط على سوريا ولبنان، فيما يرى أنّ إعلان كل من إيران وحزب الله عن التطورات العسكرية يأتي في سياق الرسائل المتبادلة مع الإدارة الأميركية.
وبخصوص القضية الفلسطينية، فيرى شفيق أنّ المرحلة الأولى لما بعد عرفات أظهرت تفاهما وتوحدا بين القوى الفلسطينية وأقطاب السلطة، إلا أن هذا التفاهم لم يختبر بعد، الأمر الذي سيحصل في المرحلة القادمة، خاصة مع استئناف المفاوضات، والضغوط الأميركية والإسرائيلية على السلطة لإيقاف الانتفاضة العمل المسلح، وهناك احتمالات متعددة لتصور المرحلة القادمة، بما في ذلك هجرة مئات الآلاف من الفلسطينيين في حال تجمد الوضع الفلسطيني واستكمل العمل في الجدار الفاصل..
* أجندة بوش الإقليمية للمرحلة الثانية
1- شهدت الانتخابات الأميركية الأخيرة جدلاً إعلاميا وسياسياً واسعاً، في مختلف أنحاء العالم، وفي العالم العربي والإسلامي تحديدا، وكانت هناك رهانات كبيرة على كيري؛ لكن وقد انجلى غبار الانتخابات وأسفرت عن الفوز الساحق لبوش، كيف يمكن أن نقرأ أولويات الأجندة الأميركية في الشرق الأوسط للمرحلة القادمة؟
- بداية يجب أن يتناول الموضوع بحذر، لأنه ليس من الضروري أن تكون مرحلة بوش الثانية صورة طبق الأصل عن مرحلته الأولى، سواء تعلق الأمر بإستراتيجية الأمن القومي الأميركي، وما يتبع ذلك من إدارة جديدة، أم تعلق بالشرق الأوسط وتطورات القضية الفلسطينية، لذلك إذا انطلقنا من فرضية: أن تغيراً أساسيا لن يحدث، وإنما ستكون استمراراً للمرحلة السابقة، ففي الأغلب ستكون الأولوية في أجندة بوش في المنطقة لقضية "النووي الإيراني" حتى قبل موضوع العراق، فالموضوع النووي الإيراني أصبح ملحاً جداً خصوصاً بعد أن أعلنت إيران مؤخراً أنها قادرة على "عملية التخصيب" بصورة مستقلة، فدخول إيران النادي النووي، ولو من الباب السلمي يعتبر تغيراً ضخماً في معادلة المنطقة وله تداعياته العالية والإقليمية.
بتصوري أن الموضوع الإيراني لن تتساهل الإدارة الأميركية معه ولا الدولة العبرية ولا حتى أوروبا، وروسيا بدرجة أقل، فقط يمكن أن تأخذ الصين موقفاً محايدا، لهذا فإن هذا الموضوع يأتي في مقدمة أولويات بوش للمرحلة القادمة، وعلى ضوء تطورات هذا الموضوع سيتأثر الوضع الإقليمي برمته، خصوصاً إذا لم تصل المفاوضات إلى اتفاق.
2- في هذا السياق هل يمكن أن نربط ملفات أخرى بالموضوع الإيراني؟
بالتأكيد، يمكن القول إن فتح الملف السوري- لبناني يرتبط بالموضوع الإيراني، بالرغم أنه بحد ذاته متطلبا أميركيا إسرائيليا مشتركا، لكن توقيت هذا الملف الآن، والتشدد الحاصل فيه له علاقة وطيدة بالموضوع الإيراني، والأولوية في فتح هذا الملف معلقه بحزب الله في جنوب لبنان.
وما توصلت إليه سوريا مع الحكومة العراقية المؤقتة حول الحدود والأمن في العراق لا يعد كافياً ما لم يحسم موضوع "حزب الله" والسبب في ذلك واضح يكمن بأن اللجوء إلى القوة ضد إيران - في حالة عدم التوصل إلى اتفاق- يتطلب تأمين الجهة اللبنانية وتحييدها في مسألة الصراع مع إيران.
ومعروف ما صرح به الإسرائيليون حول امتلاك حزب الله لآلاف الصواريخ التي قد تصل إلى العمق الفلسطيني، وقصة "الطائرة بلا طيار" الأخيرة، كل ذلك يأتي ليفاقم الشكوك، وهي رسالة يجب أن تقرأ جيداً.
ويمكن كذلك قراءة ما يسود في المناخ السياسي الدولي بدءاً من بريطانيا ومروراً بالدول الأوروبية أو التصريحات الأخيرة لبوش وكولن باول بضرورة إيجاد "حل ما" للوضع الفلسطيني، وبالطبع فإن غياب عرفات واستشهاده الآن ( وأقول استشهاده لأن الرسائل والدلائل كلها تعزز رواية التسمم)، كل ذلك سيخدم تحويل التركيز نحو الملف الإيراني.
لكن إذا أمكن التوصل إلى اتفاق حول الملف الإيراني فسيعود الوضع العراقي إلى المقدمة في أجندة الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط.
* الوضع في العراق:
3- بمناسبة الحديث عن العراق، كيف يمكن قراءة الوضع الحالي في ضوء اجتياح الفلوجة ومخرجاتها المتوقعة، والانتخابات العراقية القادمة؟
من الواضح أن هناك سعياً حثيثاً من جانب الإدارة الأميركية والحكومة العراقية لعقد مؤتمر دولي، يشارك فيه بنشاط وفعالية جيران العراق لكن بطبيعة الحال سوف تضطر أميركا لتقديم تنازلات جزئية لفرنسا وربما لبعض الدول العربية في موضوع البيان الذي سيصدر عن المؤتمر، وما يرتبط به من مسائل كالانسحاب الأميركي، وهنا لا بد من البحث عن صيغة وسط بين الأطراف.
أما المسألة الثانية المتوقعة في البيان فستتمثل بالدعوة لنوع من المصالحة الداخلية، وإعادة تشكيل المعادلة العراقية؛ لأن الجزء الأكبر من القوى السياسية العراقية في حالة معارضة لحكومة علاوي ومن ثم أتى الهجوم على الفلوجة ليأزم الوضع أكثر، ويمكن أن يؤثر على المؤتمر الدولي القادم خصوصاً إذا تمكنت الفلوجة من إطالة أمد المواجهة مع الاجتياح.
وهنا يمكن القول إن الوضع في العراق "أبعد ما يكون" عن الرضوخ إلى الاحتلال والى حكومة علاوي، حتى لا سمح الله لو استطاعوا احتلال الفلوجة، فقد تمكنوا من احتلال سامراء سابقا، لكن عادت المقاومة هناك بزخم وقدرة جديدة.
4- كيف تقيم حالة المقاومة العراقية إلى الآن؟,وما هي برأيك التحديات والأولويات التي تلوح أمامها في المرحلة الراهنة او القريبة؟
بتصوري إن المقاومة العراقية مشروعة وفاعلة، إذا ما حصرت وتركزت على مقاومة الاحتلال واستقلال العراق والمحافظة على وحدته، ولهذا فإن كل أشكال العنف الموجهة خارج إطار الاحتلال لا تدخل في تعريف المقاومة أو لا تخدم قضيتها. ويجب أن لا تشجع العمليات التي تستهدف المدنيين أو الشرطة أو الخطف والرهائن، فهذه الأعمال كلها لا تخدم أبدا مقاومة الاحتلال.
بالتالي، فالذي سيقرر نجاح المقاومة هو خطها السياسي على مستوى تحديد الهدف والأساليب، والحرص على الوحدة السنية- الشيعة، والعربية- الكردية- التركمانية، وهذا موضوع مهم وطويل لكن من حيث الجوهر يجب تجنب كل ما من شأنه أن يولد صراعات ذات طابع طائفي أو قومي، فالمعيار يجب أن يكون هو الموقف من الاحتلال بمختلف أشكاله وممانعته ومقاومته السلمية والعسكرية.
5- ماذا بالنسبة لتنظيم القاعدة في العراق وأبو مصعب ودوره؟
من حيث المبدأ لا يستطيع أحد معارضة تطوع عرب أو مسلمين أو حتى أجانب إلى جانب المقاومة ولكن هذا يجب أن يكون تحت قيادة عراقية ومطلب عراقي، وقد لا يكون ثمة حاجة له على الإطلاق، وحسب علمي فإن المقاومة العراقية لا تطلب مثل هذا التطوع، إنما تحتاج إلى دعم مالي ومعنوي وسياسي الآن، فالعراق مليء بالرجال لسد هذه المواجهة، والتطوع مسألة رمزية.
بالنسبة لموضوع الزرقاوي ليس لدي تقدير حول دوره، ولكن أعتقد أن أية عمليات موجهة ضد الشيعة أو ضد المؤسسات الدولية أو عمليات قتل للرهائن ليست في مصلحة المقاومة ووحدة الشعب العراقي.
* الوضع الفلسطيني:
6- توفي أبو عمار وترافق ذلك مع إعادة انتخاب بوش، وجملة من التصريحات المتعددة بضرورة العودة إلى المفاوضات، كيف يمكن قراءة هذه التغيرات أولا على صعب ترتيب البيت الفلسطيني؟
ما جرى من خطوات لترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني حتى الآن من حيث انتخاب محمود عباس رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة وهو المرشح ليتسلم رئاسة السلطة. وانتخاب القدومي رئيساً لفتح، وأبو علاء رئيساً للوزراء إلى جانب ما ظهر من التفاف للكوادر على مختلف المستويات حول مشروع الوحدة الوطنية، يشير إلى أن الوضع الفلسطيني راح يتهيأ لمواجهة التحديات لمرحلة "ما بعد عرفات".
لكن يبقى ما يمكن أن يجري من تفاهمات مع فصائل المقاومة الأخرى، وبشكل رئيسي مع حماس والجهاد والشعبية والديمقراطية والفصائل التي في دمشق. وهناك مؤشرات أيضا في هذا الاتجاه، خصوصاً ما صدر من رسائل من قيادة هذه الفصائل، كل ذلك يوحي بالاتجاه نحو التفاهم وإيجاد الأرضية المشتركة لمواجهة المرحلة القادمة، لكن هذا الاتجاه ما زال مؤقتاً، ولم يختبر بعد بالشكل الجدي.
والامتحان الحقيقي للوضع الفلسطيني سيحدد في المرحلة القادمة من خلال "الكيفية" التي ستدار بها إدارة الحياة السياسية الداخلية، ويتعلق الأمر أيضا بالطرف الإسرائيلي والأمريكي، إذا ما طالبوا بنزع السلاح وإنهاء العمليات كشرط سبق لاستئناف المسار السلمي، الأمر الذي سيلقى بظلاله على علاقة بين السلطة والقضايا المختلفة.
من هنا أفضل القول الآن أن الساحة الفلسطينية في حالة تفاهم وتآلف وتعاطف عام، ويتوقف المستقبل القريب على ما سيطرح من استراتيجيات للمرحلة القادمة ودور الأطراف المختلفة داخليا وخارجيا وبالتحديد الدور الإسرائيلي والمصري.
7- هل تتوقع أن تدفع الولايات المتحدة إسرائيل باتجاه تقديم تنازلات لاستئناف العملية السلمية؟
أولا ليس هنالك سياسة أميركية، ومن غير المتوقع أن تكون هناك سياسة أميركية، فالسياسة الإسرائيلية هي التي تتبع وليس الأميركية، فأميركا لا تستطيع أن تتقدم بأي مشروع قبل أن تأخذ موافقة الدولة العبرية عليه.
ثانياً: ليس هناك دليل واحد يشير أن قيادة الدولة العبرية تملك تصوراً لمشروع الحل يمكن أن تتبناه أو تقبل به. فالدولة العبرية تطرح خطوات محدودة والتزامات مطلوبة من الفلسطينيين. ولكن تترك الباب مفتوحاً لأكثر من احتمال بعد ذلك. فهي الآن لا تطلب أكثر من إنهاء المقاومة والانتفاضة، دون أن تتعهد بعدم ملاحقة القيادات العسكرية والسياسية واغتيالهم.
لذلك يمكن أن يكون كل ما شهدته العملية السياسة الآن هي تهدئة الواقع وتجميده تحت شعار العودة إلى المفاوضات، وهذه المفاوضات قد تكون عبثيه ويبقى الوضع في مكانه؛ الأمر الذي يلحق أشد الأضرار بالشعب الفلسطيني إذا أصبح الجدار أمرا وقعاً وأصبحت المفاوضات عبثيه لا نهاية لها، الأمر الذي قد يؤدي إلى هجرة فلسطينية كبيرة بسبب الجدار قد تصل إلى مئات الألوف.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

فتحي

امريكا دولة فاشلة لظلمها وجبروتها وحبها لاستنزاف ثروات العرب


عدنات ادريس

مع الشكر،،،


زعيم الخيرالله

في هذه المقابلة الرائعة مع المفكر الفلسطيني الاستاذ منير شفيق والذي قدم رؤية استراتيجية للنوايا الامريكية في المنطقة ، فامريكا جاءت المنطقة بحسابات واجندة مدروسة مسبقا ، ولم تسقط النظام العراقي لوجه الله ولخلاص العراقيين من الدكتاتورية ، المسالة الملحة امام امريكا الان ، هي موضوع الملف النووي الايراني ، الذي ليس من السهل لامريكا مواجهة عسكرية مع ايران بسببه ، باعتبار ان امريكا تعيش مازقا حادا في العراق وايران لاعب اساسي لايمكن ان يتجاوزه الامريكان ، وايران بيدها اوراق ضغط كثيرة تستطيع اللعب بها بوجه الولايات المتحدة الامريكية ، خصوصا انها تعتقد انها صاحبة في مشروعها النووي وانها لم تخالف القواعد والمقررا ت الدولية ، فامريكا لاتقدم على عملية عسكرية في هذا الوقت ، وان كنت لااستبعد مواجهة عسكرية ولكنه احتمال ضعيف، جنبا الله شرور امريكا والقوى الدائرة في فلكها والتي تريد الشر بالمنطقة الاسلامية.
زعيم الخيرالله
كاتب عراقي مقيم في كندا
zaeem46@hotmail.com