'أبو عمار' .. مسيرة حافلة بالتساؤلات

2004-11-11 | محمد سليمان 'أبو عمار' .. مسيرة حافلة بالتساؤلات
يشترك أبو عمار مع العديد من الزعماء العرب بأنه شخصية جدلية بامتياز، أثارت وتثير الكثير من النقاش والاختلاف الحاد على مستوى المثقفين والنخب السياسية والإعلامية في العالم العربي، إلاّ أن شخصية أبو عمار قد تحوز مقدارا أكبر من الجدل من غيره من الحكام، نظرا لمفاجأته وتقلباته الكثيرة..
تشير الرواية الأرجح أن أبا عمار وهو محمد ياسر عبد الرؤوف عرفات ولد في القاهرة في عام 1929، وأنه ترعرع فيها، وهناك من يقول إنه شارك في القتال بين العرب واليهود في فلسطين، ثم عاد إلى مصر لإكمال دراسته في جامعة القاهرة وتخرج منها عام 1951 في مجال الهندسة المدنية، ثم التحق بالاحتياط في الجيش المصري عام 1956، وغادر إلى الكويت عام 1958، وفي الكويت التقى عدد من الفلسطينيين وأسس معهم حركة فتح، وبدأت الحركة بالإعداد للنشاط السياسي العام، والعسكري في الأراضي المحتلة، وفي عام 1964 تأسست منظمة التحرير الفلسطينية، وبدأت تشق طريقه في التعبير عن الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، بدأ اسم ياسر عرفات يبرز أثناء وجوده في الأردن وقيام معسكرات الفدائيين فيه، وفي عام 1969 انتخب رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعدما تغلبت فتحت وطغت على مختلف الفصائل في المنظمة.
وشهد عام 1970 المواجهات المأساوية الدامية في الأردن بين الجيش الأردني والفصائل الفلسطينية، وكان من الأمور التي أثارت الجدل آنذاك الشعار الذي رفعته العديد من الفصائل الفلسطينية بأن الطريق إلى القدس يمر عبر عمان، وخرج عرفات من الأردن متخفيا، وتم توقيع اتفاق القاهرة، والذي بموجبه خرج من تبقى من الفدائيين إلى لبنان.
وفي لبنان أيضا حدث صراع السلطة والنفوذ بين المنظمة والفصائل المسيحية المارونية، الأمر الذي أدى إلى تدخل إسرائيل وإقامة "الحزام الأمني" في جنوب لبنان عام 1978، ومن ثم اجتياح لبنان عام 1982، وفي تلك الفترة حدث أول انشقاق كبير في صفوف فتح، وغادر أبو عمار بيروت إلى تونس حيث نشط في العمل السياسي، ويبدو أن تلك الفترة بدأت المراجعات تزداد في صفوف المنظمة وحساباتها السياسية، الأمر الذي أدى إلى قبول قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والاعتراف بإسرائيل ضمنا وإعلان الدولة الفلسطينية عام 1988.
ويبدو أنه في تلك الفترة أراد أن يقطع الطريق على الملك حسين والذي – كما ذكر شمعون بيريس وتذكر العديد من الكتب والوثائق- كاد أن يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل، لولا معارضة اليمين الإسرائيلي لذلك، ونجح عرفات مع العديد من النظم العربية بدفع الملك الأردني إلى قرار فك الارتباط التاريخي بين الضفتين الشرقية والغربية، الأمر الذي تمخض عنه اعتبار "أبو عمار" ومنظمته وحدهم المخولين بالحديث باسم الفلسطينيين والتعبير السياسي عنهم.
حرب الخليج الثانية حسبت عليه، ودخلت المنظمة في مأزق كبير جراء انقطاع الدعم الخليجي عنهم، وتخلي الدول العربية الأخرى عن مساندتهم، وربما هذه الأعوام العجاف قد دفعت عرفات إلى أوسلو دفعا، وقبل بالكثير من التنازلات عام 1993، وعاد هو ورفاق دربه إلى الأراضي التي انسحبت منها إسرائيل من الضفة وغزة، وعاد الاعتراف الأمريكي به، وأعطي جائزة نوبل مع رئيس وزراء إسرائيل الذي تم اغتياله، وراهن الكثيرون على مستقبل "الشرق الأوسط الجديد"، لكن اغتيال رابين عام 1995 أدى إلى رجوع القهقرى في عملية التسوية، وبدأت الخلافات تزداد حدة، ولم تفلح كثيرا من الاتفاقات التي وقعت بين الجانبين لا الخليل ولا واي ريفر، ولا عودة بارك وحزب العمل، وشكل انهيار محادثات "كامب ديفيد2" وفشل ضغوطات كلينتون وباراك على عرفات بداية الرجوع الأكبر للانتفاضة والمواجهات، خاصة بعد زيارة شارون إلى الحرم القدسي.
في عام 2001 أمر شارون بمحاصرة عرفات في مقره في رام الله، واندلعت مواجهات عنيفة بين الفلسطينيين والجيش الصهيوني، وأعادت إسرائيل احتلال مختلف المناطق، وبدأت عملية كبيرة لتدمير البنية التحتية للمقاومة خاصة حماس والجهاد، وممارسة سياسات دموية من اغتيالات وقتل وقصف وتدمير بهدف تركيع الشعب الفلسطيني وجره إلى مرحلة الخضوع الكامل.
وفي سنوات الحصار الممتدة، بدأت الولايات المتحدة حملتها لتصفية عرفات سياسيا، والتأكيد على رفض القبول به كشريك في عملية السلام، الأمر الذي دفع بأطراف عربية للضغط على عرفات لتعيين رئيسا للوزراء كحل وسط، وبالفعل تم تعيين "أبو مازن" عام 2003، إلا أن حكومته أعلنت استقالتها بعد عدة شهور، واضطر إلى الاستقالة ملمحا إلى دور عرفات في مقاومة التغيير الذي أراده.
وفي ذروة الصراع والعنف الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، وفي عشية الانتخابات الأمريكية تأزمت الحالة الصحية للاختيار، ودخل في طور مرض غريب شكل بحد ذاته موضعا للجدل كشخصية صاحبه، ويؤكد عدد من المحللين الفلسطينيين على ترجيح فرضية "التسميم" بعد أن تأكد قادة إسرائيل أن تصفية الرجل سياسيا لا يمكن أن تتم دون تصفيته فعليا..وهو الآن في حكم الميت ينتظر العالم الإعلان رسميا عن وفاته..
"أبو عمار" قد يغيب عن المشهد السياسي العربي كما غاب غيره من الزعماء والسياسيين العرب، لكن الجدل حول شخصيته ودوره سيبقى موضعا خصبا للجدل ومادة خلافية في التاريخ تزخر بالتساؤلات: ابتداء من نسبه وهوية أسرته وانتهاء بمرضه وموته، وبينهما فترة طويلة من الأحداث التي شارك فيها الرجل، وربما صنع بعضها، وتركت أثارا وصنعت تداعيات كبيرة..
يقول مؤيدوه: على الرغم من كل ما يقال عنه فيكفي أنه قد صنع إطارا سياسيا جامعا للهوية الفلسطينية وتولى الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ومصالحهم عقودا طويلة، واستطاع الحصول على الاعتراف الدولي بحقوقهم وجنسيتهم، وبهم كشعب، وأنه شارك في نقل الفلسطينيين من شاهد سلبي على قضيتهم إلى فاعل مباشر ورئيسي من خلال العمل العسكري والسياسي.
كما يشفع له أنه مات ولم يوقع – على حد تعبير الزميل ياسر أبو هلالة-، وأنه على الرغم من كل الضغوط رفض التخلي عن القدس وعن حق العودة، ولولا ذلك لما ثارت عليه الولايات المتحدة وإسرائيل، وربطت استئناف العملية السلمية بإقالته من الحياة السياسية، بل وانتظار موته، وربما الإعداد له، كي يزيلوا حجر عثرة من طريقهم لتصفية القضية الفلسطينية مع استهلال بوش ولايته الثانية!.
أما معارضوه –وهم كثيرون- فيرون أن الرجل لم يصنع سوى مآسي وويلات للقضية الفلسطينية، إذ ورطها في صراعات داخلية في الأردن ولبنان، ثم أدخلها في تسوية سياسية هزيلة، وانتقل من الثورة إلى بؤس السلطة ليعمل على تفكيك البنية التحتية لحماس والجهاد الإسلامي، وقد أحاط نفسه بالفاسدين وخرج من تحت عباءته كل القيادات العميلة، بل وسمسر من حوله بمصير الشعب الفلسطيني وبأمواله، وسرقوا ونهبوا الملايين، وساعدوا على بناء الجدار العازل، وضربوا المقاومة في الصميم، وأخرجوا القضية الفلسطينية من ثوبها المقدس الذي بقيت متدثرة به عقودا طويلة وحولوها إلى صراعات على كيلومترات قليلة، ثم ها هو يموت ويترك المجتمع الفلسطيني بلا مؤسسات سياسية حقيقية بعد أن دمرها بنفوذه وتدخلاته الكبيرة..
قد يكون لكل من مؤيديه ومعارضيه الكثير والكثير من الحجج، وقد يكشف التاريخ كثيرا من الأسرار والخبايا، لكن ما لا بد من قوله في وداعه أنه من الظلم الحكم المطلق عليه، وإنما لا بد من قراءة الظروف السياسية والتاريخية التي أحاطت به وبنشاطه، وقراءة المعادلات المعقدة التي دخل بها، كي نكون إطارا موضوعيا للإدراك والتفسير، وقد يكون هذا موضوع دراسة عميقة في المستقبل، لكن ما لا يمكن إنكاره من قبل فرقاء الجدل حول عرفات هو أنه يتمتع بدرجة كبيرة جدا من الذكاء السياسي والبراغماتية، وربما تكون هذه الصفة أحد أبرز المفاهيم الحاكمة في حياة الرجل وفعله السياسي!..

تم غلق التعليقات على هذا الخبر