آخر الأخبار

انتصار بوش ودلالاته..

2004-11-9 | محمد سليمان انتصار بوش ودلالاته..
تمثل الانتخابات الرئاسية الأخيرة يوما تاريخيا مشهودا في الحياة الأميركية، فقد مثل انتصار بوش مؤشرا خطيرا وكبيرا على صعود اليمين الأميركي وفعاليته السياسية والثقافية، ولم يتردد عدد كبير من الرهبان ورجال الدين من المشاركة فعليا في توظيف الدين بشكل واضح وصريح من خلال استثمار طاقات الناس الدينية والروحية لصالح بوش ضد كيري، وقد اعتبر عدد كبير منهم انتصار بوش انتصارا للمسيحية والدين في مواجهة الإلحاد والرؤى الليبرالية التي لا تقيم وزنا ولا احتراما لقيم الناس الدينية.
ونجح بالفعل المحافظون الجدد -من خلال وسائل الإعلام والثقافة والمنابر الدينية والسياسية التي يسيطرون عليها- بتصوير معركة الرئاسة وكأنها تدور حول هوية المجتمع الأميركي واحترام الدين والأخلاق فيه، ويعتبر د.خالد العواملة (باحث عربي مقيم في الولايات المتحدة) أنّ هذه الانتخابات تكتسب قيمتها التاريخية بأن التصويت –خلافا للمعتاد- لم يكن وفقا للأجندات السياسية لكلا الحزبين، وإنما لاعتبارات "الثقافة"، وأنّ بوش من أكثر الرؤساء الذين أحدثوا انقساما حادا واستقطابا ثقافيا داخل المجتمع، واثار الجدل حول القضايا الدينية والأخلاقية في تاريخ الولايات المتحدة.
        لم تكن قضية العراق أو الشرق الأوسط حاضرة لدى الذين صوتوا في هذه الانتخابات كما كان الأمر في المناظرات التلفازية، أو لدى أغلب المحللين في العالم العربي والإسلامي، والذين صوروا المعركة الانتخابية وكأن قطب الرحى فيها هو "ما يدور في العراق"، فما كان حاكما ومهيمنا -هذه المرة- بالفعل هي القضايا الداخلية وفي مقدمتها مسألة حقوق "المثليين جنسيا"، وقضية الإجهاض، والتي هزت المجتمع المحافظ في الآونة الأخيرة، وأدى موقف بوش الرافض لزواج المثليين والإجهاض –على خلاف كيري- إلى اكتساب ملايين الأصوات الإضافية، الأمر الذي دفع بفريدمان إلى التصريح بأنّ "ما رجح في هذه الانتخابات هو التأييد الكاسح لبوش من قوم لا يختلفون معي في السياسة وحدها، بل يريدون أميركا مختلفة كليا عما أعرفه وأحبه، إننا لا نختلف فقط حول ما يمكن أن تفعله أميركا، بل نختلف كذلك حول ما هي أميركا نفسها..، كأننا لا ننتخب رئيسا، بل نعيد كتابة الدستور".
        ما يمكن أن نلمس دلالاته بقوة من الانتخابات الأميركية هو أن المحافظين الجدد ليسوا تيارا منعزلا، قد سيطر على البيت الأبيض أو سرقه (كما وصفهم رئيس تحرير مجلة المحافظ الأميركية) بل هم تيار بات فاعلا ومهيمنا على الساحة الثقافية والسياسية والدينية، ومسيطرا ومؤثرا على الرأي العام الأميركي وخياراته السياسية والثقافية، فالانتخابات الأخيرة هي محطة واضحة من محطات صعود الأصولية الدينية/ السياسية في تاريخ الولايات المتحدة. كما أن الانقسام الخطير الذي يهدد المجتمع، لم يعد كما كتب الفيلسوف الصهيوني هانتنجتون مرتبطا بالثقافة اللاتينية التي تغزو أميركا، وإنما حول دور الدين ونفوذه في السياسة والمجتمع، ويكفي التذكير هنا بمدى المعارضة التي خلقتها توجهات المحافظين الجدد وسياساتهم، داخل الأوساط السياسية والثقافية والأكاديمية الأميركية، الأمر الذي دفع مئات الخبراء والمثقفين والأكاديميين الأميركيان إلى كتابة رسالة إلى الشعب الأميركي، قبل شهور ينتقدون فيها توجهات المحافظين وسياساتهم العامة بشكل واضح، ويرون أنها أضرت كثيرا بالولايات المتحدة وسمعتها خارجيا.
        أما على الصعيد الخارجي، فقد تكون نتائج الانتخابات ذات مغزى سياسي وفعلي وحقيقي بالنسبة لأوروبا والقوى العظمى والأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني العالمية، والتي مرت علاقتها بالولايات المتحدة بأزمة حقيقية خلال فترة المحافظين الجدد؛ فهناك اختلاف واضح في التصور والرؤية بين الجمهوريين والديمقراطيين حول دور أميركا في القيادة العالمية، فالديمقراطيون يرفضون منهج الاستفراد والهيمنة وتجاهل أوروبا والأمم المتحدة، الأمر الذي تكرس مع فترة بوش الاولى. وبخصوص الشرق الأوسط فلا يوجد أي اختلاف يذكر بين الحزبين، بل على النقيض من ذلك فقد كان هناك مزايدة واضحة بين المرشحين حول دعم إسرائيل، ومحاربة القاعدة و"الإرهاب الإسلامي" المزعوم، والقضاء على الإرهاب في العراق. فمن الواضح أن الشرق الأوسط بالتحديد هو من المناطق التي يوجد إجماع على المصالح ا الحيوية الأميركية فيه، ولا يوجد أي خلاف جوهري استراتيجي حقيقي.
        ما يمكن أن نلمسه كمسلمين من إعادة انتخاب بوش على مستوى السياسة الخارجية الأميركية، يتمثل في البعد الثقافي والديني، الأمر الذي أصبح نافذا ومهيمنا في رؤية المحافظين الجدد وتوجهاتهم، وقد أشار إلى ذلك مؤخرا الخبير الاستراتيجي الأميركي بريجنسكي، والذي وصف بوش وفريقه وكأنهم يسعون إلى قيادة حلف عالمي مقدس ضد الإسلام، وتصوير الحروب ضد الدول الإسلامية على" أنها حروب صليبية"، وهو أمر ليس بالغريب طالما أن الموجهين الفكريين والسياسيين للمحافظين الجدد في مقدمتهم أمثال برنارد لويس وهانتنجتون أصحاب الرؤية المتطرفة ضدالإسلام.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر