آخر الأخبار

عن أي ديمقراطية تتحدّثون -10- قيم التأسيس

2004-10-29 | د . منصف المرزوقي عن أي ديمقراطية تتحدّثون  -10- قيم التأسيس
لو فكّرنا في صعوبات الأنظمة الاجتماعية في التشكّل على غرار الأنظمة الطبيعية، لاكتشفنا أن المانع دوما خلل ما في عمل القيم. فلو كانت كل القيم المطلوبة موجودة وفي أنصع وأقوى مظاهرها، لوجد التناسق والتناغم والاندماج التام بين المكونات وهي، كما ردّدنا، خصائص الأنظمة الطبيعية. ولو تأملنا في هذه الأخيرة لقلنا أن فعاليتها ناجمة عن سيادة "القيم" والتناسق بينها، حيث تظهر الخلايا مثلا القدر الأقصى من الانضباط والأثرة والتفاني، لا تطلب شكرا أو جزاء بل ولا تتوانى عن التضحية بحياتها إن طلب منها ذلك في خدمة مصلحة الجسم. ولحظة تفقد بعض الخلايا "أخلاقها العامّة" لصالح "قيمها" الخاصة مثل الأنانية، والبحث عن الخلود، يظهر السرطان أو أي مرض آخر. إنّ هذا ما يحدث دوما في أنظمتنا الاجتماعية حيث تفقد تناسقها وفعاليتها لخلل ما في مستوى القيم التي تحرّك أطراف النظام السياسي.
لكن ما المقصود بالضبط بالقيم؟
لنتفق على تعريف بسيط قائلين إنها الحالات المثالية التي تتخذها مواقفنا وتصرفاتنا في تعاملنا مع أنفسنا
ومع الآخرين والعالم حتى يتمّ القدر الأقصى من الانسجام والتناسق بين كلّ الأطراف. فالحبّ مثلا أروع حالة يمكن أن تربط الإنسان بالآخر والإيمان أصفى حالة لعلاقة العبد بربّه، والتعاضد أحسن علاقة تربط أفراد عائلة أو مهنة أو مجتمع، واللاّعنف العلاقة المثالية بين الإنسان والطبيعة الخ ... تخلق كلّ هذه القيم، إذا وجدت وعلى أوسع نطاق، مجتمعا يقترب من عمل الأنظمة الطبيعية من حيث الفعالية وقلة تكلفة تسييره.
لننتبه لأهم ظاهرة في القيم يتناساها الناس وهم يتعاملون معها تارة كقواعد جوفاء يجب استعمالها عندما تقتضي ذلك المصلحة وتركها عندما تتناقض معها، وتارة أخرى كأوامر ونواهي يجب تطبيقها ببعض التعسّف على الذات لأنها ثقيلة عليها. تحضرني هنا مقولة سمعتها من امرأة تشتكي: كل ما أحب في هذه الحياة لا قانوني أو لا أخلاقي أو يزيد في الوزن.
إن الصدق مثلا قيمة نطبقها بعقلية الشخص الذي يقوم ببطولة ينتظر منها الثناء والشكر ، أو بعقلية الساخر الذي يستبله من يطبقها باحثا عن الكذب الذي يتستّر عليه وعن الخديعة التي يخفيها.
لكن الصدق الذي تحثّ عليه مقولات وأمثلة لا تحصى، هو أولا وقبل كل شيء خلاصة تجربة طويلة للجماعات والأفراد في الكذب والخداع، انتهت كلّها إلى نفس النتيجة أن "حبل الكذب قصير"، وأنه كما يقول المثل العامي "إذا كان الكذب ينجّي فالصدق أنجى وأنجى". هذا ما يؤكّد أن القيم هي في الواقع عصارة تجربة الشعوب والأشخاص بخصوص المواقف والتصرفات التي تعود بالخير على الأفراد والمجموعات. يعني هذا أيضا أن من يتعاملون مع الأخلاق بازدراء كمن يتعاملون بتهوّر مع قوانين السير ونصائح الصحة العامة. ما أغرب أن يرفض المرء استعمال مخزون قرون من التجربة ليعيد الأخطاء الباهظة الثمن التي كانت وراء سنّ قواعد لا هدف لها غير الأداء الأفضل للأشخاص والجماعات.
السؤال إذن لماذا يصرّ البشر على تجاهل أو التطبيق المتأفف لتعليمات هي في آخر المطاف الأداء الأصحّ والأنجع في مصلحتهم كأفراد وكخلايا تنظيم اجتماعي؟
لننطلق من الفكرة الأساسية التي تعرضنا لها في تحليل الأرضية البيولوجية للاستبداد أي ازدواجية شيم النفوس. هذا ما يفسّر أنّ فضاء القيم الذي يبنيه الإنسان، محكوم دوما بالشدّ والجذب بين "طبيعتيه" أو قل "إستراتيجيتيه" لصراع الوجود.
إن ما نسميه القيم هي تعليمات الجزء المتحضّر من طبيعتنا تواجهها "قيم" الجزء الغريزي من هذه الطبيعة. فهذه الأخيرة تسنّ بكل وضوح في الأذن اليسرى عكس ما تسرّ به الطبيعة المتحضّرة في الأذن اليمنى. هي تأمر: اقتل، اسرق، اكذب، ناور، اخدع، إنها أصلح تقنيات البقاء والتواصل وأخذ نصيبنا من الدنيا. تواجه القيم الغريزية التي تشكّل فضاء الأخلاق في النظام الاستبدادي مشكلة أزلية: ارتطامها بالقيم الحضارية التي تدّعي هي الأخرى أنها التعليمات الأكثر فعالية في الحفاظ على الجنس البشري و تحقيق مصالح المجتمعات والأفراد. معنى هذا أن قيمنا الحضارية التي نريد أن نبني عليها نظامنا السياسي المثالي لن تتحرّك أبدا في فضاء بكر وإنّما بالضرورة في إطار صراع مع القيم الغريزية لا تنصر هنا إلا وتوعدتها الأحداث ولا تنهزم هناك إلا لجولة انتصار جديدة.
تدفعنا نظرة كهذه إلى الوعي بأن دورقيم نظامنا المنشود هو مواجهة القيم الغريزية و التعامل معها بحكمة وذكاء واحتوائها وشلّها أطول وقت...خاصّة الوعي بأن هناك ظروف موضوعية -كتلك التي تبرز عند ظهور كبرى الكوارث التي تعرّض البقاء لخطر داهم - ستلهب جذوة نارها ولا بدّ من منع ظهورها بكلّ الوسائل ....الأخلاقية الممكنة.
لنتصوّر أننا نستطيع اختيار القيم التي سنبني عليها نظامنا السياسي بنفس الكيفية التي نذهب بها إلى السوق لشراء ما نحتاجه من الأغذية اللذيذة النافعة.
لنتذكّر هنا أنّ بني آدم لا يختارون القيم اعتباطيا وإنما من منطلق البحث عن الأصلح والأنفع. هكذا يتجمّع المسحوقون حول العدل لأنّه مطلبهم الأساسي. لكن جهابذة مفكري 'الحرياتية' اختاروا الحرّية كأسمى القيم لأنها أحسن غطاء لمصالح طبقة اجتماعية من التجار والمقاولين والمستكشفين والمتمردين على سيادة نبالة الرداء والسيف في أوروبا القرن الثامن والتاسع عشر. ثمة قاعدة عامّة في تشكّل فضاء الأخلاق وهي أنه لا أخطر على المجتمع من سيادة قيمة مطلقة حتى ولو كانت العدالة أو الحرّية مثلما لا أخطر على الجسم من العودة يوميا من السوق بنفس البطاطا لا نأكل سواها طوال الحياة.
إن من يحبّون بكلّ قواهم أوطانهم ولا شيء آخر، هم أخطر الناس على بقيّة الأوطان والطوائف والعقائد وحتّى على من يدّعون الموت في حبّه، لأن وطنيتهم المفرطة قادتهم وقادت ضحاياهم وأحيانا شعبهم نفسه إلى الهلاك. لقد علّمنا التاريخ أنّه لا ألعن على المجتمعات من "الأطهار" مثل روبسبيار وبول بوت والمستعدّين دوما للتضحية بالثلثين الفاسدين لإنقاذ الثلث الصالح. فهؤلاء القادة الأكثر تطرفا في البحث عن العدل والسلام والمساواة كلّفوا شعوبهم فاتورات رهيبة من الدم والدموع لجهلهم بأن الثلث الصالح الذي يريدون إنقاذه موبوء بالشرّ هو الآخر، وأن الثلثين "الفاسدين" أقلّ فسادا منهم بتطرّفهم الأخلاقي المرضي.
ولو كان لنا ميزان أو مقياس من 100 "وحدة أخلاقية" نزن به أو نقيس الفضائل، لاتضح أن نجاعة القيم في تأدية وظيفتها ترتفع تدريجيا من صفر إلى درجة 80 مثلا. يكفي أن يتجاوز المقياس هذا الرقم بـ ,00010 لكي تنقلب فجأة الشجاعة تهوّرا والصراحة قلّة أدب والكرم تبذيرا الخ .
لنتصوّر الآن أن حبّ الوطنيين لأوطانهم كان جزءا من منظومة فيها حبّ الإنسانية وحبّ الإنسان وحبّ الطبيعة وحبّ الحيوان.
لو وجد هذا، لكانت حروبنا أقلّ عددا وأقلّ وحشية على فرض إمكانية قيامها أصلا. إن فضاء القيم عند الليبرالي مثل غابة لا يوجد فيها إلا صنف واحد من الأشجار وهذه بيئة سريعة العطب، خلافا لفضاء فيه التنوع والتكامل بين أصناف مختلفة كما يعلم المختصّون في زراعة الغابات.قد يعترض علينا البعض بأن الحرية ليست القيمة الوحيدة في الليبرالية وإنما هي أعلى درجات ما يسمّى سلّم القيم. هذا السلّم هو الذي يجب أن ترفضه المبدئية الديمقراطية لأنّ التجربة تثبت أن وجود قيمة يتيمة على رأس السلّم، يهمّش بقية القيم إن لم يلغها تماما من الفعل الاجتماعي.
معنى هذا أن خلق التوازن في فضاء القيم، كما هو الحال في فضاء الطبيعة، لا يكون إلا بتجاور أكبر عدد ممكن من القيم تقوى ببعضها البعض وتتعدّل ببعضها البعض وتكتسب من التناسق بينها أداء أرفع في القيام بوظيفتها، كل واحدة على حدة وبشكل جماعي. إن ما يجب أن يهيكل النظام السياسي المنشود ليس سلّما، وإنّما قلادة تلعب فيها كلّ قيمة دور الجوهرة الثمينة، إن غابت واحدة تركت ثغرة قبيحة قبح الثغرة التي تتركها لطمة على صفّ أسنان ناصعة البياض. فالمنظومة المتكاملة من القيم هي وحدها الكفيلة بخلق مجتمع متوازن لا يكرّر موبقات تاريخية كانت أهمّ أسبابها تأليه الحرية أو العدالة أو الوطنية على حساب كل ما عداها.
من أين لنا مثل هذه القلادة الثمينة؟
                                        *
لنتصوّر بعضا من خصائصها، لا يهمنا في هذا الموضع من الحديث أن نغالي في الطلب والتمنّي وتاركين إلى وقت لاحق إشكالية التطبيق وحظوظ نجاحه. وحيث أن القيم كما قلنا عصارة تجربة حياتية فلتكن قيمنا خلاصة تجربة الإنسانية جمعاء وليس تجربة شعب أو شخص.لا بدّ أن تحتوي القلادة على القيم الحضارية الكبرى مثل الحرية والكرامة والمساواة والعدالة وأن لا تتناسى ولو قيمة واحدة ضرورية لبلورة إنسانيتنا.
لنمعن في الشطط مطالبين مثلا أن تأخذ القلادة شكل نصّ مؤسس:
- يخرج بالقيم من المفهوم التقليدي للأخلاق كجهد خاص يتحمّل عبأه وينوء بثقله الشخص، لتصبح علاقة سياسية تنظمّ حياة المجتمع.
- يسنّ قيما لا نسعى لزرعها بالوعد أو الوعيد. فلا أضرّ بالقيم من أسلوب التلقين والتهديد الذي يتعامل منذ بداية الحضارة مع الآدميين وكأنهم أطفال لا يتحركون إلاّ تحت ضغط شكل أو آخر من الخوف أو الطمع. نحن نريد من قيمنا أن تتوجّه إلى آدميين راشدين وأسوياء ومسئولين، لأنّ إنسان هذا العصر غير الإنسان البدائي الذي لا زال الاستبداد يتعامل معه بمنطق الترغيب والترهيب.
ها قد اكتملت أهمّ المواصفات التي نريدها لفضاء القيم الحامل لمؤسسات الديمقراطية وسياستها.
ولأننا في عالم القاعدة فيه انتفاء الخوارق والمعجزات، فلن نستغرب وجود النصّ، خاصة وأنه كان موجودا قبل افتعالنا البحث عنه. إنه ما يسمّى "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". أقول ما يسمى لا استنقاصا أو استهزاء، وإنما لأنني سأقترح على القارئ الكريم قراءة مغايرة له قد تضطرّنا إلى مراجعة الكثير من الأفكار المسبقة و البديهيات حوله ومن بينها العنوان.
                                           *
لنذكّر أنّ النصّ يبدأ بديباجة تقول "إنّ الجمعية العمومية تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنّه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم حتّى يسعى كلّ فرد وهيئة في المجتمع (واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم) إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها".
الإشكالية الأولى التي يجب أن ندقّق فيها قبل تفحّص النصّ هو لمن يتوجّه النداء الذي يفتتح قائمة حقوق ليست سوى قيم صيغت في قالب قانوني. ولقائل أن يقول أن الأمر واضح حيث تتوجه الجمعية العمومية للأمم المتحدة - بما هي المشرّع العالمي- إلى كل البشرية عبر توجهها إلى "كافة الشعوب والأمم والأفراد". إن الإشكالية المزعجة في هذا التعميم، أنّك إذا توجّهت باللوم والتقريع، أو بالثناء والشكر لجمهور غفير، فإنك تتوجّه للجميع نظريا وفي الواقع لا تتوجّه لأحد. لذلك لن يثير كلامك سوى لامبالاة مؤدّبة. لكن خصّص شكرك لفريق وثنائك لشخص أو سمّي بواضح العبارة من تدين من الجماعات أو من الأشخاص، وستواجه بردود فعل تثبت أنه كان لكلامك وقع لتعرّف متلّقي على رسالة قدّرها حقّ قدرها.
ثمة شبه قانون أنه إذا كثر اللغط في بلد أو زمن عن حقوق الإنسان، فاعلم أنها في حالة يرثى لها. فلو كانت محترمة لما احتاج أحد لتدبيجها والدعوة إليها. إن حقوق الإنسان لم توجد إلا كردّ فعل على انتهاكاتها. معنى هذا أن العملية المركزية في وجود حقوق الإنسان هي الانتهاك وليس التمتّع الذي يبقى حالة مثالية ما زالت بعيدة المنال على الأقل في ما يخصّ أغلبية البشرية.
إن وجود الانتهاك يفترض على الأقلّ وجود إنسان ينتهك حقوق الإنسان وإنسان منتهك الحقوق من طرف إنسان آخر.
ومن هذا المنظور يمكن القول أن النصّ يتوجّه إلى الإنسان المنتهكة حقوقه ليعلن تعاطفه معه والإقرار له بجملة الحقوق التي سحبت منه وتشريع نضاله من أجلها. هو يتوجّه ثانيا إلى الإنسان الذي ينتهك هذه الحقوق ليذكّره بعلوية قيم الحضارة على قيم الغريزة التي تبناها منبها إياه إلى انتهاء سيطرة شريعة الغاب التي ما زالت تصرفاته مطبوعة بها. لكنه يتوجّه أيضا إلى طرف ثالث سمّاه الضمير البشري ويفترض أن يتبلور عبر مؤسسات المجتمع المتحضّر، مطالبا إياه بالعمل على ردّ هذه الحقوق إذا سحبت والدفاع عنها إذا هدّدت وتطويرها إذا تحققت.
إنّ الحدّ الفاصل بين الظالم والمظلوم لا يمرّ بين جنس معيّن من البشر، هم دوما الضحايا، وجنس آخر، هم دوما الجلاّدون. فالكلّ يعرف أنه يمرّ داخل كلّ واحد منّا، مما يجعلنا جلادو بعضنا البعض وضحايا بعضنا البعض، دون أن ننسى أننا في كثير من الحالات جلادو أنفسنا وضحايا أنفسنا.
هذا ما يحيلنا لفهم مختلف لمصطلح الحقّ.
لنأخذ على سبيل المثال المادة التاسعة عشر من الإعلان والتي تقول: "لكل شخص الحق في حرية الرأي و التعبير و يشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل واستقاء الأنباء والأخبار وتلقيها وأذاعها بأية وسيلة كانت دون تقيّد بالحدود الجغرافية ".
لنستبدل المصطلح الفضفاض "لكل شخص" بتعريف المتكلّم بحيث تكون صياغة المقطع الأول للجملة كالآتي: لي أنا فلان ابن علان ...الحق في حرية الرأي والتعبير الخ ..
السؤال: من المقصود بهذه الجملة؟ لمن أتوجّه بهذا التأكيد... بهذا التذكير؟ لا يمكنني بطبيعة الحال أن أخاطب إلاّ من يستطيع التعرض لحقي في حرية الرأي أو من يستطيع إعانتي بأي صفة كانت على التمتع بهذا الحقّ. بداهة المانع والمانح هو دوما شخص قد يكون أنت المنتمي إلى هذه السلطة المستبدّة أو ذلك التيّار العقائدي المنافس. لا غرابة في هذا لأنّ الحق ليس مفهوما طوباويا معلّقا في فضاء الرموز وإنما حاجة أساسية للإنسان لا يلبيها ولا يتعرّض لها إلاّ الآخر.هذا ما يجبر القانون على التدخل لفرض ما لم تقبله الإرادة الحرّة. من يستطيع التعرض لحقك أنت في حرية الرأي... أنا بالطبع أو من هم على شاكلتي الحزبية أو العقائدية بقوّة الحكم. حتى نتمتع أنا وأنت بحق الرأي لا مخرج لنا سوى أن أعترف (بما يترتب على ذلك من مواقف وتصرفات ) بحقّك في حرية الرأي ( أي بحقّك في مخالفتي ونقدي ) على أن تقرّ لي بنفس الحقّ.
بعبارة أخرى، إنّ واجبي ضمان حقك في حرية الرأي، مثلما يشمل واجبك ضمان حقّي في حرية الرأي. توضح هذه القراءة البسيطة التي لم تتجنّى على النصّ في شيء، أن كلّ حقّ واجب شخص أو مؤسسة ما وكل واجب حقّ شخص أو مؤسسة ما، والتفريق بين الحق والواجب ناجم إما عن جهل وإما عن سوء نية وغالبا عن اجتماعهما. يعني هذا أن الإعلان العالمي هو إعلان حقوق الإنسان المظلوم من قبل الإنسان وإذا قرأناه في المرآة هو الإعلان العالمي لواجبات الإنسان الظالم للإنسان.
إن التفريق بين الحق والواجب هو إحدى حيل الاستبداد، يستعملها ليفرض عليك دوما مقايضة تجعل حقوقه أكبر من واجباته وواجباتك لا تحصى ولا تعدّ بالمقارنة مع حقوقك. وفي آخر المطاف فإن التفريق ليس سوى الدخان اللفظي الذي يخفي شكلا أو آخر من الظلم. على العكس من هذا فإن المطابقة بينهما لا تترك للاستبداد منفذا بما أن عدد الواجبات يساوي عدد الحقوق سواء كنت في السلطة أو خارجها.
لنتعمّق في هذه الفكرة بتحليل البند الواحد والعشرين من النصّ:
'لكل شخص الحقّ في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده إما مباشرة وإمّا بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرّا وله نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد، وإن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات حرة نزيهة تجري على أساس الاقتراع السرّي وعلى قدم المساواة بين الجميع أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت".
إذا كان كل حقّ واجب وكلّ واجب حقّ، فإن النصّ لا يقول شيئا آخر غير أنّه من إذا كان من حقّ كل شخص الاشتراك في إدارة الشؤون العامّة لبلده فإن من واجبه الاشتراك في العملية.
إن هذه النقطة محورية في بناء فضاء قيم النظام الديمقراطي لسبب بديهي. فلو أخذنا الإعلان كجملة من الحقوق في المطلق لا ترتبط آليا بالواجبات التي تتمخض عنها، لرأينا فيه وصفا لمجتمع مثالي من الرعايا....لكن من الرعايا السعداء. أمّا إذا أخذنا الإعلان بما هو إعلان الحقوق-الواجبات، فإننا سنصف الحالة المثالية لمجتمع مكوّن من المواطنين....لكن من المواطنين السعداء.
رأينا أن المشرّع العالمي ألمح إلى ضرورة التعريف بهذا النصّ عبر وسائل التربية والتعليم لشدّة علمه أن القيم تولد وتحي وتتطور (ثم تهرم وتموت) داخل العقول والقلوب...أنّه بقدر ما تتوسّع رقعة الحاملين لها، بقدر ما تتجذّر داخلهم عميقا، بقدر ما تتحوّل إلى طاقة رهيبة تصنع المعجزات.
من البديهي أن أحسن تربة تبذر فيها هي عقول الأجيال المتلاطمة التي تصنع مصير البشرية. لنتصوّر كيف سنقدّم الوثيقة المؤسسة للفضاء المؤسس إلى أطفال لا زالت عقولهم وقلوبهم غضّة طرية تستطيع أن تتشبّع ببذور الورود والشوك.
هذا المرجع ليس الوثيقة الأصلية التي اعتمدها المشرّع العالمي يوم 10 ديسمبر 1948 وإنما نسخة منقحة منها، لا تنقص شيئا من الأصل وإنما تزيد من لمعان مجوهرات القلادة. لنسمّ هذا النصّ.....
                                                            الحلقة المقبلة: الصياغة الأخرى للإعلان العالمي .
www.moncefmarzouki.net


تم غلق التعليقات على هذا الخبر