آخر الأخبار

الاستخبارات الإسرائيلية وصناعة الخطر النووي الإيراني!

2004-10-18 | الاستخبارات الإسرائيلية وصناعة الخطر النووي الإيراني!
بعد مرور أسبوعين على بداية عمليات القصف الجوي الأمريكي لأفغانستان وبالتحديد في 24 أكتوبر 2001 بعثت إسرائيل بوفد حكومي كبير إلى واشنطن لإجراء مباحثات مع الإدارة الأمريكية، وكان ذلك الوفد يضم مدير لجنة الطاقة النووية الإسرائيلية ورئيس مجلس الأمن القومي فيها. والغرض الأساس من إرسال هذا الوفد هو تحذير الولايات المتحدة مرة أخرى، عبر استخدام مزيد من الأدلة، من أن إيران تسعى لأن تصبح القوة النووية المقبلة في المنطقة.
كانت لهجة الرسالة الإسرائيلية قاطعة، ومفادها أن البرنامج النووي الإيراني يتقدم بسرعة كبيرة، ولهذا ينبغي عمل شيء. لقد وضع هذا التحذير إدارة جورج دبليو بوش في مأزق. فإيران التي تربطها علاقات سياسية وإيديولوجية قديمة مع أفغانستان عرضت تقديم تسهيلات للأمريكيين بالسماح للطائرات المروحية التابعة لقواتهم المسلحة القيام بعملياتها انطلاقاً من قواعد في أراضيها، كما وافقت على منح معلومات استخبارية للأجهزة السرية الأمريكية.
وكانت الاستخبارات الأمريكية تتابع عن كثب النشاط النووي الإيراني. وقد التقى المسئولون في الأجهزة السرية الأمريكية والإسرائيلية سرا عدة مرات، وكان الموضوع باستمرار هو تبادل المعلومات عن البرنامج النووي الإيراني.
لكن إيران نفت مرات عدة أنها تسعى إلى امتلاك السلاح النووي بينما تقول تقديرات الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية أنه أمام إيران خمس سنوات فقط كي تتوصل لإنتاج رؤوس نووية. لكن كان السؤال الذي يدور في الأذهان يتعلق بمعرفة ما إذا كانت قد وصلت إلى نقطة اللاعودة، أي أنها بلغت المرحلة التي لا تعتمد فيها على استيراد مواد وعتاد من الخارج من عدمه.
وكانت إيران قد بدأت مساعيها لامتلاك السلاح النووي منذ عقد السبعينيات الماضي، أي خلال عهد الشاه، الذي تشير المعلومات إلى أنه استثمر ما يقدر بستة مليارات من الدولارات في المشروع النووي الذي شاركت فيه شركة "سيمنز" الألمانية. وكانت هذه الشركة قد أكملت بناء نصف المنشآت اللازمة لإقامة مفاعلين نوويين في منطقة بوشهر بالقرب من مياه الخليج. وتقارير الاستخبارات الأمريكية تؤكد بشكل قاطع أن شاه إيران كان يسعى إلى تصنيع القنبلة النووية بالفعل.
وكانت تلك المساعي قد توقفت عام 1979 بعد الإطاحة بنظام الشاه. ثم تبددت بعد ذلك المخاوف الأمريكية حيال النشاط النووي الإيراني بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980. تلك الحرب التي أضعفت إيران والعراق في الوقت نفسه، كما أن البرنامج النووي الإيراني قد توقف بعد أن دمرت الطائرات العراقية بإحدى غاراتها منشآت بوشهر النووية.
ولقد انتهت تلك الحرب عام 1988، وعاد الإيرانيون للاتصال بعد ذلك بشركة "سيمنز" الألمانية بقصد استئناف النشاط النووي، غير أن الحكومة الألمانية استجابت للضغوط التي مارستها عليها الإدارة الأمريكية، وطلبت من الشركة عدم الاستجابة لما يريده الإيرانيون.
وإذا كان العداء المشترك للولايات المتحدة من قبل إيران والاتحاد السوفييتي – السابق- لم يؤد إلى توثيق العلاقات بينهما، فإن وفاة الخميني أعقبها انعطاف في إستراتيجية طهران، وهذا ما تبدى من خلال توقيع اتفاقية بين طهران وموسكو للتبادل التجاري وبيع السلاح. كما نصت الاتفاقية على التعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ووافقت حكومة يلتسين على إعادة بناء المنشآت النووية التي كانت الحرب مع العراق قد دمرتها في منطقة بوشهر.
وفي 1985 وقع الجانبان عقداً قيمته 800 مليون دولار لإنشاء مفاعل نووي يتولى تشغيله فريق إيراني روسي. وبدأ تعاون فعلي حيث بدأت روسيا في تدريب الإيرانيين الفنيين والعاملين في ميدان الفيزياء. لكن ترددت شائعات تفيد أن المنشآت النووية الإيرانية ليست في منطقة بوشهر، كما قيل سابقا، وإنما في أماكن سرية أخرى تخضع للسيطرة المباشرة للعسكريين. ويقال إنه قد بديء العمل في هذه المنشآت السرية قبل حوالي عامين من تفجيرات 11 سبتمبر، وأنها منتشرة في أماكن متفرقة من إيران، حسب المصادر الإسرائيلية. ويبدو أن الإيرانيين قد أرادوا بذلك اتخاذ إجراءات وقائية ترمي إلى الحد من الخسائر في حالة قيام إسرائيل بعمل مماثل لما فعلته في العراق عندما قامت بقصف المفاعل النووي العراقي "تموز" ودمرته.
لم يكن الهم الأكبر للمخابرات الإسرائيلية والأمريكية هو ما يمكن أن تحققه إيران من تقدم، وإنما فيما يمكن أن تحصل عليه من روسيا، إذ بعد تفكك الإمبراطورية السوفييتية كان هناك ضباط يريدون بيع سلاحهم لأية جهة كانت، كما أن بعض المواد والعتاد الحساسة قد بقيت في عدد من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وقد حاولت إيران، كما تدل معلومات استخبارية الحصول على مواد لصناعة السلاح النووي من جمهورية كازاخستان، حديثة الاستقلال في أوائل التسعينيات من القرن الماضي.
وقد نجحت إدارة بيل كلينتون إلى حد ما في منع إيران من الحصول على ما تريده من روسيا.. كذلك نجح الأمريكيون بمساعدة جهاز "الموساد" الإسرائيلي، في إقناع شركات ألمانية وأوكرانية وتشيكية بعدم بيع التقنيات النووية لعملاء مجهولي الهوية، كما اقنعوا هذه الشركات بوقف التعاون بشكل كامل مع إيران. وامتنع شركاء آخرون عن التعاون مع إيران استجابة لتهديدات بعقوبات اقتصادية قد يتم فرضها عليهم.
لقد استمرت إدارة بيل كلينتون الثانية في التحذير من الخطر الذي يشكله صدام حسين وهذا خفف إلى حد ما الضغط على إيران، كما خفف عنها أيضا وجود أولويات أخرى لدى الإدارة الأمريكية، مثل توسيع إطار حلف شمال الأطلسي.
بعد انتخاب جورج دبليو بوش رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية عام 2000 توقفت اللقاءات الأمريكية الإسرائيلية الخاصة بإيران. ولم يرغب الطرفان في استئنافها لفترة من الزمن، إذ كانت إسرائيل مشغولة بالانتفاضة، في حين أن رجال الإدارة الأمريكية الجديدة كانوا يحتاجون إلى الوقت الكافي من أجل تقييم المواقف.
وخلال عام 2001، وفقا لمصادر أمريكية، جمعت إسرائيل براهين جديدة على أن هناك شركتين روسيتين على الأقل تقومان بتصدير مواد لازمة لتصنيع السلاح النووي إلى إيران. وقد تم نقل هذه المعلومات إلى واشنطن في أكتوبر 2001، غير أن الإدارة الأمريكية كانت مشغولة بالملف العراقي وبالبحث عن حلفاء جدد في حربها ضد "الإرهاب".
وفي نهاية 2001، توصلت الأوساط الاستخبارية الأمريكية إلى أن إيران تمثل خطرا عاجلا في ميدان تصنيع السلاح النووي أكثر من الخطر الذي كان العراق يمثله، والحقيقة أن الكل يعلم أن إيران هي التي ستكون التالية في امتلاك السلاح النووي، فبعد انتهاء حرب الخليج استطاع المفتشون الدوليون إنهاء النشاط النووي العراقي بصورة شبه كاملة، ثم على الرغم من أن العراق يمتلك المعرفة العلمية والتقنية ويمكنه معاودة نشاطاته النووية بسرعة، إلا أن المجتمع الدولي لن يمكنه من ذلك.
لذلك لم يصل العراقيون بعد إلى المرحلة التي وصل إليها الإيرانيون في هذا الصدد. لقد واصلت إدارة جورج دبليو بوش تركيزها على العراق وهذا يعود حسب تعبير احد كبار الاستراتيجيين الأمريكيين في إدارة بوش إلى أنه "من المهم معالجة الوضع في العراق، وليس في إيران، فالعراق لا يجرى فيه أي شيء يسمح بتوقع تحسن الأوضاع فيه".. لكن بالمقابل، وعلى حد تعبير الخبير الاستراتيجي نفسه "في إيران يوجد أمل في أن يتحسن الوضع، بينما يسيطر صدام حسين على البلاد بقبضة من حديد، فإذا اختفى النظام العراقي من الصورة فإننا سوف نركز على إيران بطريقة مختلفة".
وكانت المساعدة التي قدمتها إيران في الحرب على أفغانستان والتطورات الداخلية التي أظهرت ابتعادا جماهيريا عن القيادات التقليدية وتزايد مشاركة النساء في الحياة السياسية، كل هذه العوامل شجعت الإدارة الأمريكية، لكنها لم تمنع الرسميين الأمريكيين بالمقابل من التأكيد أن إيران سوف تواصل مساعيها للحصول على السلاح النووي. وكان الإسرائيليون يعتقدون أن موقف الولايات المتحدة من إيران ستحدده، قبل كل شيء، نتائج الحرب الأمريكية ضد "الإرهاب"، فإذا لم تسفر الجهود الأمريكية المبذولة في هذا الميدان عن نتائج ملموسة فإن واشنطن سوف تلجأ إلى طلب المساعدة من إيران.
وفي أغسطس 2002 عقد التنظيم المعروف باسم "المجلس الوطني للمقاومة في إيران" مؤتمرا صحافيا في واشنطن، أعلن فيه أن هؤلاء المعارضين الإيرانيين يمتلكون الأدلة الدامغة على أن إيران قد أنشأت مباني للنشاط النووي في منطقة تقع جنوب العاصمة طهران. وبعد عمليات تفتيش قام بها خبراء تابعون لوكالة الطاقة الذرية الدولية في إيران تم العثور على مواد يمكن أن يجري استخدامها في النشاطات النووية، كما بدا أن بعض هذه المواد قد جرى جلبها من باكستان، بينما تم شراء البعض الآخر من السوق السوداء.
وفي أكتوبر 2003 أعلنت السلطات الإيرانية أنها قامت بإنتاج كمية من اليورانيوم المخصب، وأنها قامت أيضا بنشاط نووي وأن أنشطة البرنامج النووي تعود إلى ثماني عشرة سنة خلت.
وقد كان لإسرائيل دور في محاولة الحصول على المعلومات الخاصة بالنشاط النووي الإيراني وتوظيف هذه المعلومات من أجل الحث على ضرورة كبح هذا النشاط ومنعه. وكانت الاستخبارات الإسرائيلية قد أشارت منذ عدة سنوات إلى أنها استطاعت فك وسائل إيرانية مشفرة علمت من خلالها بوجود اتصالات بين إيران وباكستان بشأن تصنيع السلاح النووي.
ومن المعروف أن للاستخبارات الإسرائيلية صلات قوية في إيران بحكم العلاقات الوثيقة التي كانت قائمة في زمن حكم الشاه. ولا تزال هناك اليوم صلات خاصة مع بعض جماعات المعارضة الإيرانية بما فيها المجلس الوطني للمقاومة في إيران، الذي يبدو أنه قد حصل على المعلومات التي أعلن عنها في المؤتمر الصحافي المشار من إسرائيل.
وفي غضون ذلك يواصل القادة الإيرانيون التأكيد أن بلادهم تسعى لإنتاج الطاقة النووية لاستخدامات مدنية سلمية، وليس لإنتاج السلاح النووي. وبالفعل توقفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في نوفمبر 2003 عن اتهام إيران بالسعي لإنتاج القنبلة النووية، وقالت إنه لا يوجد أي دليل على أن النشاطات النووية الإيرانية ترمي إلى تصنيع السلاح النووي.   

تم غلق التعليقات على هذا الخبر