ملابسات ارتفاع أسعار النفط ونتائجها

2004-10-10 | علي حسين باكير ملابسات ارتفاع أسعار النفط ونتائجها
بلغ سعر برميل النفط أرقاما قياسية تاريخية غير مسبوقة محطما بذلك كافة الحواجز والعوائق منطلقا كالصاروخ في ارتفاعه، حيث وصل سعر البرميل اليوم إلى 53 دولارا، وما يثير الاستغراب حتى الآن في الموضوع ليس ارتفاع الأسعار بقدر ما هو موقف الدول الغربية الصناعية من هذا الارتفاع، إذ غالبا ما كانت هذه الدول وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بالضغط على منظمة "أوبك" إذا ارتفع سعر البرميل عدة دولارات لتدفعها إلى ضخ المزيد من كميات البترول في الأسواق لتخفيض الأسعار، وقد يتساءل الكثيرون لماذا ليس هناك من هجوم ضاري و ضغوط كبيرة على منظمة "أوبك" اليوم من قبل الدول الصناعية إزاء هذا الارتفاع الهائل للأسعار؟
من خلال المعطيات نستطيع أن نقول أن هذا الارتفاع الهائل في أسعار النفط خارج في حقيقة الأمر عن سيطرة المنظمة أو الدول المنتجة للنفط، ففي السابق كان يتم التحكم بأسعار النفط عبر زيادة أو تخفيض كميات إنتاجه لتتناسب مع متطلبات السوق، وعليه كان دائما من مصلحة أمريكا الضغط على المنظمة لتبقى معدّلات إنتاجها مرتفعة كي تكون الأسعار رخيصة. أمّا اليوم فالأسعار لم تعد ترتبط بإرادة المنظمة وهذا ما يفسر عدم وجود هجوم من قبل الدول الصناعية على المنظمة، وعلى الرغم من ذلك فمنظمة "أوبك" قامت برفع سقف إنتاجها إلى طاقته القصوى في محاولة منها لتخفيض الأسعار ولكن دون جدوى، حتى إن المملكة العربية السعودية والتي تبلغ طاقتها الإنتاجية القصوى نظريا حوالي 11 مليون برميل يوميا لم تستطع عبر زيادة إنتاجها مليونين برميل يوميا من تخفيض الأسعار، ونعتقد أصلا أن الإعلان عن الزيادة هو مجرد تصريحات نفسية لإيهام السوق بأنه لا خوف من حصول قصور في العرض وبالتالي يجب خفض الأسعار، إلا أن مثل هذه المناورات أصبحت مكشوفة وبالتالي فإن الأسعار، وعلى الرغم من إغراق السوق بالنفط، استمرت في الارتفاع وذلك يعود غلى أسباب عديدة منها:
أولا: احتلال العراق، الأمر الذي أدى إلى حرمان السوق النفطية من منتج أساسي للنفط مما انعكس سلبا على الأسعار، إضافة إلى الهجمات التي تستهدف أنابيب النفط مما يحول دون نقلها وتصديرها.
ثانيا: شعور السوق الدولية بأن ممرّات النفط ومنابعه لم تعد آمنة نتيجة للحرب على "الإرهاب" سواء في الخليج العربي أو شمالي أفريقيا، ولا سيما نيجيريا التي تعتبر أكبر مصدر للنفط الخام في أفريقيا أو فنزويلا في أمريكا اللاتينية، إذ إنّ هذه المناطق أصبحت مناطق توتّر وبالتالي هناك خوف على إمدادات للنفط و وصولها إلى الأسواق.
ثالثا: انخفاض المخزون الاستراتيجي للنفط في الولايات المتحدة، إذ صرّحت وزارة الطاقة الأمريكيّة أن احتياطي النفط أصبح فوق الحد الأدنى المطلوب بقليل، وزاد من هذه المخاوف الكوارث التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية ومنها إعصار ايفان الذي ضرب ساحل الخليج الأمريكي في شهر أيلول وأدّى إلى خفض إنتاج النفط الخام الأمريكي واحتياطيّات البنزين إلى أقل مستوى له منذ عام 1950.
رابعا: ارتفاع كميات الاستهلاك العالمي وبالتالي ازدياد الطلب على النفط ومشتقاته خاصة في مناطق شرقي آسيا ولاسيما الصين، أضف إلى ذلك اقتراب حلول فصل الشتاء، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من الاستهلاك والطلب على المشتقات النفطية في حين أن الإنتاج النفطي وصل إلى حدّه الأقصى منذ مدّة وليس هناك من مجال لزيادته إلا من خلال التصريحات النفسيّة.
خامسا: أعمال المقاومة العراقية والتي أدرجت الأهداف النفطية ضمن اللائحة التي سيتم استهدافها في حال عدم انسحاب قوات الاحتلال، وذلك لحرمان المحتل من مستخرجات النفط العراقية التي قد يستخدمها لصالحه بسبب سعرها المنخفض مقارنة بسعر الدول الأخرى أو لاستهلاكها في أغراض خاصة به.
سادسا: انخفاض المخزون النفطي العالمي وفي مناطق عدة من العالم، إما نتيجة لاستنزافه أو لكونه دون التوقّعات المفترضة كما هو الأمر بالنسبة للمخزون النفطي في قزوين.
ولا شك أن لارتفاع أسعار النفط العديد من النتائج على صعيد الدول المنتجة والمصدرة أو على صعيد الدول الصناعيّة المستهلكة له.
ففيما يخص الدول المنتجة والمصدرة للنفط، فقد أدى ارتفاع الأسعار إلى تضاعف عائداتها النفطيّة وتحقيق فائض في ميزانيّاتها، إذ تشير مصادر مطّلعة إلى إن إيرادات دول الخليج على سبيل المثال قد تضاعفت عمّا كانت عليه قبل سنتين لتصل إلى 300 مليار دولار، فالكويت على سبيل المثال وبحسب تقارير عديدة قد تحقق فائضا في موازنتها يبلغ 9 مليار دولار، بينما بلغ الفائض عام 2003/2004 حوالي 4,8 مليار دولار، وهو ما سيساعد الدول المنتجة على تسديد قسم من ديونها الخارجية واستثمار القسم الآخر في مشاريع داخلية وخارجيّة لتأمين مدخول عال وإعادة استخدامه من جديد.
أما فيما يتعلق بالدول الصناعيّة والمستهلكة للنفط، فان ارتفاع أسعار النفط بهذا المستوى يعتبر كارثيّا لها لأنّ النفط يعتبر سلعة أساسية ورئيسية وإستراتيجية في كون هذه الدول دولا صناعية، ومن أهم أسس الربح في الصناعة أن تكون المواد الأوّلية المستخدمة ومنها الطاقة رخيصة وأن يكون سعر البيع للمنتج عاليا لتحقيق أرباح كبيرة وهو الأسلوب الذي تتبعه الدول الصناعية، وهو ما يؤمّن لها أرباحا طائلة، وارتفاع أسعار المواد الأوّلية التي تريد استخدامها كالنفط يعني أن ربحها سيقلّ بالضرورة وسينعكس ذلك على الصناعة والتصدير وسيؤدّي إلى تضخّم كبير في اقتصاديّاتها وستقع ميزانيّات هذه الدول في عجز هائل، لكن هناك من يقول إنّ الدول الصناعيّة لن تتأثّر بارتفاع الأسعار النفطيّة، وذلك لأنّها سترفع من أسعار سلعها المنتجة والتي تصدّرها إلى الخارج وبذلك تكون قد استردت ما دفعته فيما يخص النفط، لكن هذا التحليل قد يصحّ على فترة زمنيّة قصيرة أو على سعر متوسطي لبرميل النفط يبلغ 30 دولارا، ولكن عندما تطول الفترة الزمنيّة التي يواصل فيها سعر البرميل ارتفاعه، فإن الدول الصناعية لن تصمد أمام هذا الارتفاع خاصّة إذا طالت الفترة أو إذا بلغ سعر البرميل أسعارا قياسيّة أخرى، لذلك نقول ماذا إذا بلغ سعر البرميل على سبيل المثال 70 دولارا؟؟؟!! وما هو موقف الدول الصناعيّة آنذاك؟؟؟ تساؤلات نترك للفترة القادمة إمكانية الإجابة عليها.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر