التهديدات الأمريكية العالمية: سياسات المناخ وسلاح كيوتو 3-3

2004-8-27 | التهديدات الأمريكية العالمية: سياسات المناخ وسلاح كيوتو 3-3
أصبح العالم مدمنا على النفط، بل أصبح النفط يمثل الدعامة الأساسية للاقتصاد العالمي، خاصة وأن التطورات المتلاحقة في السنوات الماضية أدت إلى ارتباط النشاط الاقتصادي العالمي ارتباطا جذريا باقتصاد الطاقة وهو الأمر الذي يعني أن معظم أنشطة الاقتصاد العالمي الحالي أصبح مرتبطا بانتإج وتوزيع النفط.
وأية محاولات جادة لتخفيف هذا الاعتماد الهائل على النفط، تتصدى له قوى من الصعب التغلب عليها ألا وهي شركات البترول الكبرى والحكومات التي تعتمد على إيرادات النفط والدول النامية التي تعتبر النفط الوسيلة الوحيدة التي ستقودها إلى إحراز التفوق الصناعي، وشعوب الدول الغربية التي ترفض التخلي عن أسلوب حياتها الذي يعتمد أساسا على النفط.
وإن الاعتماد المتزايد على النفط يؤثر سلبا على البيئة حيث تتزايد ظاهرة التسخن العالمي. ويعد التغير المناخي من وجهة نظر كثير من خبراء النفط أحد العوامل الأساسية التي تقود التغيير في أوضاع اقتصاد الطاقة. ولكن هناك عوامل أخرى مهمة تثير القلق بشأن الأوضاع الحالية ومنها مدى توفر كميات الطاقة التي يمكن انتاجها في المستقبل لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية، وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2035، سيستخدم العالم كميات من الطاقة تزيد على ضعف الاستهلاك الحالي. وسيرتفع الطلب على النفط من المعدل الحالي الذي يبلغ 80 مليون برميل يومياً إلى نحو 140 مليون برميل يوميا، وسيزيد استهلاك الغاز الطبيعي بمعدل يزيد على 120% بينما سيزيد استخدام الفحم بمعدل 60% تقريبا.
وسيكون الطلب حادا بشكل خاص بالنسبة للاقتصادات سريعة النمو، مثل الصين والهند، حيث ينظر قادة هذه الدول إلى الطاقة على أنها مفتاح النجاح الصناعي. وإانه في الوقت الذي تبدو فيه توقعات الطلب المستقبلي على الطاقة مؤكدة، فإنه لا أحد لديه أية فكرة واضحة عن المصادر التي ستأتي منها كل هذه الطاقة التي سيحتاج إليها العالم.
وإن الطلب على الطاقة في الدول النامية أصبح الآن محورياً للنمو. وتشهد قارة آسيا الآن طلباً كبيراً على الكهرباء جعل حكومتي الصين والهند تعلنان حالة الطواريء وتضعان خططاً لبناء مئات من محطات الكهرباء الرخيصة التي تعمل بالفحم وهي المحطات التي لن تساهم بالتأكيد في ابطاء ظاهرة التغير المناخي.
وفي مختلف أنحاء العالم، فإن الاستراتيجية الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لكل دولة تقريبا تتشكل بناء على هدف واحد وهو الحفاظ على وصول دائم لمصادر الطاقة، وهذا الهدف مقدس ويتم تنفيذه مهما كانت التكاليف وبغض النظر عن الطريقة التي يفسر بها ثقافة وسياسات مناطق بأسرها أو بتنصيبه لحكومات أو حكام فاسدين مما يعزز في نهاية المطاف عدم الاستقرار ويؤدي إلى تزايد مشاعر الاستياء بين الشعوب تجاه هذه الأهداف.
ومع تزايد صعوبة نقل امدادات الطاقة ومع تفاقم تأثير الطاقة على البيئة، فإن عبء النظام الحالي للطاقة لم يعد محتملا، كما أن احتمال حدوث اضطراب بالامدادات أصبح أمراً لم يعد ينكره الكثيرون. وثمة نقطة مهمة وهي أن حقول النفط الجديدة التي تم اكتشافها على مر السنين وصل الانتاج منها إلى الذروة في عام 1960 ومنذ ذلك الوقت أخذ انتاجها في التراجع.
ويشكل النفط الرخيص 40% من احتياجات العالم من الطاقة، إلا أن هناك مخاوف كثيرة من حدوث اضطراب في الامدادات نتيجة لأحداث سياسية، شبيهة بما حدث سابقا: الحظرالعربي لامدادات النفط في عام 1973 والثورة الايرانية في عام 1979 وحرب الخليج في عام 1991، وقد أدت هذه الأحداث إلى ارتفاع كبير باسعار النفط ادخل العالم في موجة من الكساد، وكانت هذه الاضطرابات بالامدادات مؤقتة. فما بالكم، باضطرابات طويلة الأمد، وعندما ترتفع اسعار البترول، يتحول المستهلكون بسرعة إلى أنواع اخرى من الوقود مثل الغاز الطبيعي أو الفحم، ولكن سرعان ما يتقلص المعروض من هذه الأنواع وتبدأ أسعارها في الإرتفاع، وتصبح الطاقة مكلفة، وكذلك الحال بالنسبة للأنشطة المعتمدة على الطاقة مثل الصناعات التحويلية والنقل. وسيقود ذلك إلى تباطؤ النشاط التجاري وقطاعات من الاقتصاد التي تعتمد على النمو السريع، وسترتفع تكلفة السلع والخدمات مما يؤدي في نهاية المطاف إلى ركود الطلب الاقتصادي مما يلقي بالاقتصاد برمته في هوة سحيقة من الركود يتضاءل بجانبها ركود 1929.
وتعتقد الحكومة الأمريكية أن وصول انتاج النفط إلى الذروة لا يمكن أن يحدث قبل عام 2035 وهذا التاريخ يتيح للعالم متسعاً من الوقت لإيجاد مصادر بديلة للطاقة. وعلى النقيض من ذلك يرى المتشائمون وهم مجموعة تضم جيولوجيين ومحللي الشئون الصناعية وعددا من رجال صناعة النفط نفسها ومسئولي الحكومة، أن ذروة الانتاج قد تكون قريبة جدا وربما بحلول عام 2005 المقبل. بل إن هناك مجموعة قليلة تعتقد أن الانتاج قد وصل إلى الذروة بالفعل وأن هذا هو السبب الذي يجعل شركات نفطية مثل شيل وبريتش بتروليوم تجاهد للعثور على مصادر جديدة للنفط تحل محل كل البراميل التي تنتجها.
ويرى بعض الخبراء أن النفط الموجود خارج سيطرة الدول الإحدى عشرة الأعضاء في اوبيك سيصل إلى الذروة على الأرجح بين عام 2015 وعام 2020، ومعنى ذلك أنه عندما يصل هذا "النفط المهم" إلى الذروة سيتزايد اعتماد الدول المستهلكة على دول اوبيك التي لا يمكن الإعتماد عليها تماما في تأمين امدادات مستقرة من النفط للأسواق العالمية.
إذن، فإن السؤال المطروح لا يتعلق بإمكانية حدوث التغيير، ولكن هل سيتم هذا التحول دون حدوث فوضى واضطرابات، نظراً لأنه لم يتم التخطيط لمثل هذا التحول في الوقت المناسب؟.
وإن المشاكل المقبلة في مجال الطاقة من شأنها أن تضر في الأساس بالولايات المتحدة التي يعيش على أرضها أقل من 5% من سكان العالم ولكنهم يستهلكون 25% من إجمالي انتاج العالم من الطاقة. والسبب في ذلك يعود إلى ضخامة الاقتصاد الأمريكي الذي يمثل أكبر اقتصاديات العالم وبالتالي يستهلك كميات أكبر من الطاقة.
ولكن نمط الحياة الأميركية يقوم على أساس الطاقة، فالأمريكي يستهلك كميات من الطاقة تزيد عشر مرات عن المتوسط العالمي، وبالتالي فإن الولايات المتحدة تمثل أكبر سوق للطاقة، وطلبها الكبير يجعلها زبوناً أساسياً لكبار الدول المنتجة مثل المملكة العربية السعودية وروسيا، وأي تغيير يطرأ على اقتصاد الطاقة الأمريكي، مثل التعرض لشتاء شديد البرودة أو زيادة في عدد أصحاب السيارات أو حدوث تغيير في قانون الضرائب، يؤدي إلى تأثر الأسواق العالمية بشكل مباشر.
•   سياسات المناخ وسلاح كيوتو:
ومن جانب آخر، تسيطر أجواء المنافسة بين أمريكا وأوروبا على سياسات المناخ، وقد تزايدت حدة العداء عبر الأطلسي مع انتخاب جورج بوش والحرب على ما يسمى بـ"الإرهاب". ففي غضون أشهر من توليه الرئاسة، أوضح بوش أنه ليس مهتما كثيرا بسياسة المناخ ولا يخشى كثيرا الرأي العام الدولي تجاه هذا الموضوع، بعد ذلك تراجع عن وعده خلال الحملة الانتخابية بتنظيم عملية نفث ثاني اكسيد الكربون ثم رفض معاهدة كيوتو، ووصفها بأنها تتضمن أخطاء كبيرة نظرا لأن الاتفاق الدولي لم يتضمن مطالبة الدول النامية بالمشاركة في تخفيض كميات ثاني اكسيد الكربون. كما هاجم البيت الأبيض الاستنتاجات التي توصلت إليها الأبحاث العالمية بشأن التغير المناخي وطالب الأكاديمية القومية للعلوم بالتحقق من هذه الاستنتاجات. وعندما أكدت الاكاديمية صحة الاستنتاجات، زعمت إدارة بوش أن الولايات المتحدة لا تستطيع تخفيض عوادم ثاني اكسيد الكربون لأنها تمر "بأزمة طاقة"!.
ولكن ما أسباب إصرار معارضة بوش لسياسة المناخ؟ لأن إدارة بوش تضم العديد من رجال النفط السابقين فإنها تتفهم ما تعنيه تخفيضات عوادم ثاني اكسيد الكربون بالنسبة لأكبر اقتصاد يعتمد على الطاقة في العالم، فالأمريكيون يستهلكون كميات من الفحم والغاز ومصادر الطاقة الأخرى أكثر من أي شعب آخر، وبالتالي يتسببون في أعلى معدل انتاج لثاني اكسيد الكربون في العالم. وعليه، فإن الولايات المتحدة ستتكبد أكبر التكاليف لخفض هذا الانتاج من خلال تطوير بنية تحتية جديدة للطاقة وكبح جماح الاقتصاد القائم أساسا على الطاقة. ووفقاً لبعض التحليلات فإن تنفيذ معاهدة كيوتو يمكن أن يكلف أمريكا ما يصل إلى 2% من إجمالي ناتجها القومي سنوياً ولقرون مقبلة. وفي المقابل فإن اليابان ستخسر 2,1% فقط بينما ستفقد أوروبا 5,1%.
والأمر الأهم وراء حماس أوروبا لاجراء تخفيضات سريعة وعميقة في معدل نفث ثاني اكسيد الكربون هو أن معظم التخفيضات التي وافق الأوروبيون على تنفيذها وفقاً لمعاهدة كيوتو قد نفذوها بالفعل. فمنذ عام 1990 ارتفع نفث ثاني اكسيد الكربون في أوروبا بمعدل أبطأ من الولايات المتحدة، ولا يرجع ذلك إلى خوف الأوروبيين تجاه البيئة ولكن إلى أن الاقتصاد الأوروبي شهد معدلات نمو أبطأ من الاقتصاد الأمريكي. كما تباطأ معدل النفث مع إغلاق صناعة الفحم الانجليزية بالكامل قبل عقد من معاهدة كيوتو.
وباختصار فإن الأوروبيين يدركون أنه من الأسهل عليهم تنفيذ التخفيضات بالمقارنة مع الأمريكيين الذي يعتمد اقتصادهم بشكل كبير على الفحم خاصة على صعيد القطاع الكهربائي. ويلخص هذا الوضع أحد محللي البيت الابيض إذ يقول: "إن البعض في أوروبا استغل كيوتو كسلاح اقتصادي لابطاء معدل نمو الاقتصاد الأمريكي".
ووفقاً للعديد من الروايات، فإن البيت الأبيض يخشى من أن تؤدي كيوتو ليس للإضرار بالاقتصاد الأميركي فقط، ولكن بحلفاء الادارة الأميركية أيضاً. فالرئيس بوش يدرك أن سياسته للطاقة مرتبطة بثلاث صناعات أمريكية قوية هي السيارات والفحم وشركات الكهرباء التي تعتمد على الفحم. وكان "حزام الفحم" الأمريكي الذي يضم ولايات فيرجينيا، ويست فيرجينيا، كنتاكي وتينيسي وراء فوز بوش في انتخابات عام 2000.
ونظراً لأن الفحم ينتج كميات من ثاني اكسيد الكربون أكبر مما ينتجه النفط والغاز معا في الولايات المتحدة، فإن كل سياسات المناخ تناهض صناعة الفحم وهو الأمر الذي يثير قلق إدارة بوش نظراً لأهمية حزام الفحم في عمليات التصويت في الانتخابات المقبلة.
وقد أثارت سياسة بوش المناخية انتقادات عنيفة من كل الأطراف: من جانب البيئيين والليبراليين في الولايات المتحدة ومن العديد من صانعي السياسات في أوروبا، بل أيضاً من بعض الجمهوريين الذين وصفوا تحركات البيت الأبيض بأنها تتسم بالتخبط والعجرفة، بل إن البعض أشار إلى أن سياسة الطاقة القومية التي ينتهجها بوش يمليها حلفاء الرئيس في صناعة الطاقة ومن بينهم شركة إنرون التي كانت أكبر المساهمين في حملة بوش الانتخابية.
وفي الوقت الذي كانت تحاول فيه إدارة بوش الخروج من الأزمة التي وضعت نفسها فيها برفض معاهدة كيوتو وعدم اقتراح أي بديل للتصدي لظاهرة التسخن العالمي، تعرضت الولايات المتحدة لهجمات 11 سبتمبر التي بددت كل الآمال في وضع بدائل أمريكية تحل محل كيوتو.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر