التهديدات الأمريكية العالمية: التقلبات في أسعار النفط 2-3

2004-8-18 | التهديدات الأمريكية العالمية: التقلبات في أسعار النفط  2-3
كان انتقال القوة من شركات البترول إلى الدول المنتجة بطيئا. وبدا هذا واضحا في عام 1973 عندما رفعت دول أوبيك سعر النفط بمعدل 70% دفعة واحدة ليصل إلى 5.11 دولارات للبرميل. ثم جاءت الخطوة التالية خلال الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1973، عندما قررت الدول العربية الأعضاء في أوبيك فرض حظر بترولي على الولايات المتحدة وهولندا، وبعد ذلك وصل سعر البرميل إلى 20 دولارا وبدأت أزمة النفط.
وكان الحظر النفطي نقطة تحول حقيقية غيرت خريطة السلطة العالمية، فقد ظهرت منظمة اوبيك كلاعب جديد في الساحة. وخلال أشهر بدأ تدفق عالمي للعمال والسلطة يتجه إلى أوبيك. وفي عام 1979 أدت أزمة الرهائن الأمريكية في إيران إلى رفع أسعار النفط الى 34 دولارا للبرميل، لترتفع إيرادات أوبيك السنوية لتصل إلى ما يعادل 750 مليار دولار.
وكانت هذه أكبر عملية إعادة توزيع للثروة في التاريخ أو بمعنى آخر ثورة إقتصادية على نطاق لم يكن أحد يتخيله من قبل. وأصبحت إيرادات أوبيك أكبر من إمكانيات دولها على الإنفاق، الأمر الذي أدى إلى نقص مؤقت في السيولة بأسواق المال العالمية.
ولمواجهة هذا الوضع، ضخت الدول المستهلكة مليارات الدولارات لإيجاد أنواع من الوقود البديل وتكنولوجيا الطاقة وشرعت في تنفيذ برامج للحفاظ على الطاقة وأجبرت شركات السيارات على تصنيع سيارات اقتصادية في استهلاك الوقود. وتحولت بعض الشركات الصناعية والمنشآت الأخرى إلى الفحم والغاز الطبيعي والطاقة النووية. ولأول مرة منذ نحو قرن يفقد النفط بعض بريقه، وبحلول عام 1986 انخفض الطلب العالمي على النفط بمعدل 5 ملايين برميل يوميا.
غير أن الاسوأ من ذلك حدث، ففي الوقت الذي انخفض فيه الطلب على النفط، اجتاحت موجة من انتاج النفط الجديد السوق. فقد تسابقت النرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ودول أخرى من خارج أوبيك، وهي الدول التي كان نفطها عالي التكلفة ولا يستطيع منافسة نفط أوبيك، لبيع النفط مستفيدة من الأسعار المرتفعة.
وخلال الفترة من 1978 حتى 1986 قفز إنتاج النفط خارج اوبيك بمعدل 14 مليون برميل يوميا ومعظم هذه الزيادة جاءت على حساب حصة أوبيك في السوق. وبين انخفاظ الطلب على نفطها وزيادة الانتاج خارج المنطقة، وجدت اوبيك أن حصتها بالسوق تراجعت من أكثر من 50% إلى مجرد 29%.
وفي عام 1989 ظهر قادم جديد هو صدام حسين الذي خرج لتوه من حرب طويلة ومكلفة مع إيران ويريد بيع أكبر كمية ممكنة من النفط لتعويض خسائره المالية الكبيرة. كانت دول عديدة ومن بينها الكويت تضخ كميات كبيرة من النفط، الأمر الذي أدى إلى تراجع الأسعار بصورة حادة. اعتبر صدام ذلك بمثابة إعلان حرب اقتصادية عليه. وحاولت السعودية تهدئة الأمور بخفض انتاجها ودعت الدول الأخرى لأن تحذو حذوها، إلا أن أحدا لم يأبه بالدعوة فواصلت الأسعار انهيارها. وبحلول عام 1990 حشد صدام قواته على الحدود الكويتية، معتقدا أن الولايات المتحدة لن تشن حرب لمجرد البترول، وقام بعد ذلك بغزو الكويت.
ويعتقد خبراء النفط أن حرب الخليج الثانية كانت أول صراع عسكري في التاريخ العالمي أحد أسبابه الرئيسة البترول. فالاهتمام بالنفط لم يدفع صدام فقط لغزو الكويت، بل إنه كان الحافز الذي حدد طبيعة رد الفعل العالمي على الغزو.
وكان أول إجراء لواشنطن هو الحصول على ضمانات من الرياض بأن السعودية ستضخ كميات أكبر من نفطها لتعويض خسارة النفط الكويتي والعراقي معا حتى لا يحدث أي اضطراب طويل الأمد بامدادات النفط وهو ما كان يخشاه الجميع في الغرب.
إن النفط كان عاملا رئيسا وراء استجابة الحلفاء للمبادرة الأمريكية بضرورة التدخل عسكريا. فعلى الرغم من الأحاديث التي ترددت في واشنطن ولندن وعواصم غربية أخرى عن ضرورة استعادة سيادة الكويت، فإن السبب الأبرز الذي جعل الولايات المتحدة تحصل على التأييد الدولي للتحرك العسكري هو عدم تصور أية دولة صناعية أن صدام سيصبح المسيطر على هذا المصدر المهم من الانتاج النفطي. وحتى عند انتهاء الحرب كان آر مشهد مرتبطا بالنفط. فقد قام الجنود العراقيون قبل فرارهم من الكويت بحرق حقول النفط في عملية أدت إلى تكوين سحابة سوداء بحجم قارة سوف تظل عالقة في الأجواء لسنوات.
ومع نهاية حرب الخليج تغيرت اتجاهات الجغرافيا السياسية للنفط مرة أخرى، ونقلت العالم خطوة أقرب إلى عصر الاستقرار في مجال الطاقة، أوهكذا بدا الأمر. وخرجت السعودية زعيمة لا تنازع لأوبيك. وأصبحت الولايات المتحدة القوة المهيمنة في الشرق الأوسط . وباتت مسئولة عن الأمن بالمنطقة وعن ضمان تأمين ثلثي امدادات العالم من النفط. وبمعنى آخر استعادت الولايات المتحدة دورها القديم كقوة نفطية عالمية. كما اضطلعت الولايات المتحدة بدور الدولة العظمى التي تحمي سوق النفط العالمية وتضمن له الاستقرار بالأسعار.
وبدت أسواق النفط هي الأخرى تعمل على تحقيق الاستقرار بالأسعار. فبعد عقود من تذبذب الاسعار الذي أضر بالجميع منتجين ومستهلكين، أصبحت سياسة النفط تقوم على أساس تحقيق هدف عام وهو تحقيق الاستقرار للأسعار عند معدل يرضي جميع اللاعبين الأساسيين داخل منظومة النفط، بحيث لا تكون منخفضة فتلحق الضرر بشركات دول النفط ولا تكون مرتفعة فتلحق الضرر باقتصاديات الدول الكبرى المستهلكة وتؤدي إلى تشجيع سياسات الحفاظ على الطاقة او تطوير تكنولوجيا للطاقة البديلة.
وعلى كل المستويات تقريبا، بدت التسعينيات بمثابة السنوات الذهبية للنظام النفطي، فقد عاد الطلب على النفط إلى الارتفاع، كما عاد الاقتصاد العالمي إلى الانتعاش وخاصة في الولايات المتحدة وآسيا، وتلاشت اتجاهات سابقة بالحفاظ على الطاقة في ظل الإجراءات التصحيحية لجعل أسعار الطاقة منخفضة.
إلا أنه من الصعب استمرار المؤشرات المتفائلة بأسواق النفط لفترة طويلة. فسرعان ما أدت الاضطرابات في فنزويلا ونيجيريا الناتجة في الأساس عن تزايد الاستياء الشعبي إزاء إدارة دخل النفط، إلى توقف صادرات الدولتين وتراجع المعروض في الأسواق. وهذا يعني أن عدم الاستقرار السياسي بأي دولة منتجة للنفط يمكن أن يؤثر بشدة على الأسواق.
وفي أواخر القرن العشرين قامت بعض دول أوبيك بضخ كميات كبيرة من النفط أدت إلى حدوث تخمة بالأسواق وتراجعت الأسعار بشدة لتصل إلى 10 دولارات للبرميل. ولرفع الأسعار اتخذت اوبيك سلسلة من القرارات في عام 1998 وعام 1999 بتخفيض حصص الانتاج. غير أن هذا الخفض كان كبيرا جدا فتراجع المعروض بشدة وتجاوزت الأسعار حاجز الثلاثين دولارا للبرميل، وهو معدل أصاب الاقتصاد العالمي وأثار أزمة طاقة جديدة في الولايات المتحدة في الوقت الذي انتخب فيه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وهو رجل نفطي سابق آخر قام في غضون أقل من عام بحملة مثيرة للجدل للتأكيد من جديد على السيطرة الأمريكية على نظام الطاقة العالمي.
رؤية المحافظين الجدد:
ومنذ لحظة تولي بوش منصبه في عام 2001، سخر النقاد من سياساته للطاقة وقالوا إنها مجرد "أجندة" لشركة نفط دولية، تتضمن تعظيم انتاج النفط واستعادة الوصول لحقول النفط الكبيرة في الشرق الأوسط. ويقول النقاد إن الحرب العراقية التي يتم تبريرها مراراً على أنها حرب على الإرهاب هي في الواقع لاستعادة السيطرة على ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم وإحياء الامبريالية الأمريكية.
وقد جاء أقوى دعم سياسي لحملة بوش الانتخابية من صناعة النفط. وفي إطار الجغرافيا السياسية للنفط، فإنه من المفيد بشكل أكبر رؤية سياسات بوش النفطية الخارجية في إطار حملة أكبر وأقدم يشنها المحافظون الجدد الأميركيون ضد ما يعتبرونه واحداً من أكبر التهديدات التي تواجه القوة الأميركية وهو سعر النفط المتقلب على نحو خطير.
ويعتنق المحافظون الجدد رؤية مفادها أنه "في القرن الحادي والعشرين لم يعد للولايات المتحدة أي منافسين تقليديين ينافسونها على الهيمنة العالمية. وخلال عصر ما بعد الحرب الباردة، فإن المخاطر الحقيقية الوحيدة للهيمنة الاميركية تأتي من التهديدات التي تفرضها أسعار الطاقة، وبدرجة أقل الإرهاب العالمي. وهذه التهديدات ستستمر طالما تواصل أوبيك سيطرتها على نفط الشرق الأوسط".
ومنذ عام 1975، في أعقاب حظر النفط العربي الذي خنق القوة الاقتصادية الاميركية، بحث الاقتصاديون المحافظون ومعهم صانعو السياسات سبل هزيمة أوبيك. ورغم أن خطط ادارة نيكسون بالاستيلاء على حقول نفط الشرق الاوسط قد وضعت على الرف بسبب التهديد السوفييتي، فإن هذا الحلم ظل قوياً ويأمل في تحقيقه مجموعة من كبار المحافظين الجدد الاميركيين ومن بينهم بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الاميركي وريتشارد بيرل كبير المستشارين بوزارة الدفاع وبالطبع دونالد رامسفيلد وزير الدفاع.
وخلال الثمانينيات من القرن العشرين ايد المحافظون الجدد فرض عقوبات ضد مبيعات النفط من ليبيا وإيران وهي خطوة انتقدتها شركات النفط الكبرى، بل وراح المحافظون الجدد بعد ذلك يوجهون الانتقادات للسياسة البترولية السعودية.
ويقول محلل سياسي على علاقات وثيقة بإدارة بوش "إنه بالنسبة للكثير من المحافظين الجدد فإنهم يرون أن الشرق الأوسط، أو جزءاً كبيراً منه، في حالة حرب فعلية مع الولايات المتحدة منذ السبعينيات من القرن الماضي، وإن أحداث 11 سبتمبر هي مجرد حالة من حالات كثيرة تحتاج إلى التعامل معها".
ومفتاح هذا "التعامل" كان العراق، وهو دولة يصل احتياطيها من النفط 150 مليار برميل على الأقل ومن النوعية التي تعتبر الأرخص في تكاليف إنتاجها بعد النفط السعودي. وبعد أشهر من هجمات 11 سبتمبر، عندما كان نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني (وهو رجل بترول سابق أيضا) يرسم سياسة طاقة وطنية جديدة، ركز على خرائط حقول النفط العراقية التي يمكن أن تضخ كميات هائلة من البترول للأسواق. فقبل الحرب، كان العراق ينتج 3.5 ملايين برميل يوميا.
ويعتقد الكثيرون في الصناعة والإدارة الأمريكية أنه من السهل زيادة هذا الانتاج ليصل إلى 7 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2010 ، وإذا ما حدث ذلك فيمكن إضعاف قوة أوبيك وذلك في حالة إقناع العراق بتجاهل حصته في أوبيك وبدء الإنتاج بطاقته القصوى.
وإن عملية الإطاحة بأوبيك ليست بالعملية السهلة، كما أن إحياء صناعة النفط العراقية سوف يتطلب ضخ نحو خمسة مليارات دولار لمجرد العودة لمعدلات الانتاج قبل الحرب، واستثمار نحو 40 مليار دولار على المدى الطويل.   

تم غلق التعليقات على هذا الخبر