التغيرات المرتقبة في مصر: تغيير وزاري يحيل 'الإصلاح السياسي' إلى المؤخرة !!

2004-6-19 | محمود سلطان التغيرات المرتقبة في مصر: تغيير وزاري يحيل 'الإصلاح السياسي' إلى المؤخرة !!
توقف "قلب القاهرة" عن النبض و كاد أن يصاب بـ"السكتة القلبية" مرتين في أقل من عام واحد ، الأولى في 19/11/2003 ، إثر تعرض الرئيس مبارك (76 عاما) للإغماء أثناء إلقائه خطابا أمام جلسة مشتركة لمجلسي الشعب والشورى، ما استدعي تدخل حراسه الذين حملوه إلي استراحة البرلمان، حيث تلقي العلاج مما قيل انه "نوبة أنفلونزا"، ليعود بعد نحو أربعين دقيقة لإلقاء باقي الخطاب بعد اختصاره. والثانية يوم الثلاثاء الماضي 15 /6/2004 عندما تلقت وكالة أنباء غربية في القاهرة بيانا عبر الفاكس من مركز المقريزي للدراسات التاريخية في لندن ـ الذي يديره الإسلامي المصري هاني السباعي ـ يؤكد أن الرئيس المصري نقل إلي قسم العناية المركزة في احد المستشفيات الخاصة بالحرس الجمهوري بالقاهرة مساء الثلاثاء، وأن الحكومة فرضت حالة من التكتم حتى يتم نقل السلطة بهدوء والاتفاق مع الحكومة الأمريكية علي شخصية الذي سيتولى رئاسة مصر في المرحلة القادمة حسب مزاعم البيان.
في الأولى هّدأ من روع المصريين عودة الرئيس للمنصة من جديد بعد أقل من ساعة ليستأنف كلمته لمدة خمس دقائق فقط . وفي الثانية سارعت الحكومة المصرية إلى نفي "الشائعة" والتي سرت بين أوساط الإسلاميين وأذاعها بحسب ـ جريدة القدس العربي 61/6 ـ راديو إسرائيل. واضطر التليفزيون المصري مساء نفس يوم انتشار الشائعة، في نشرته الإخبارية الرئيسية، إلى بث تصريحا مقتضبا أدلى به الرئيس مبارك حول الدور المصري في غزة حال انسحاب إسرائيل من القطاع .
وظهر الرئيس وهو يتحدث واقفا في ركن من حديقة ربما تكون حديقة منزله إلى اثنين من مذيعي التلفزيون. واضطر الرئيس إلى تقديم بعض لقاءاته إلى يوم الأربعاء 16/6 التي كانت مقررة نهاية نفس الأسبوع لنفي الشائعات حول تعرضه لأزمة صحية، من بينها استقباله لرئيس المخابرات المركزية الأمريكية المستقيل "جورج تينت" والتي كانت مقررة أمس الخميس 17/6. ويعود قلق المصريين كلما سرت شائعة تتعلق بصحة الرئيس إلى أن الأخير وعلى مدى 23 عاما وبعد تولية الحكم في عام 1981 ، لم يقرر تعيين نائب له، يخلفه حال شغر منصب الرئاسة لأي سبب من الأسباب، في دولة اعتاد شعبها أن يخلف الرئيس نائبه بعد استفتاء شعبي صوري يضمن للنائب "منصب الخلافة" بدون منازع.
و يخشى المصريون خلو المنصب فجأة ، خشية أن يترتب عليه وجود فراغ سياسي يغري الأجنحة التي تتناقض مصالحها "داخل السلطة " إلى التمدد لملء هذا الفراغ ، وما يترتب على ذلك من" صراعات أجنحة" قد يدخل الدولة في "فوضى سياسية" يفضي في النهاية إلى تدخل الجيش ليعيد البلاد إلى أجواء خمسينيات القرن الماضي.
وكانت الأحزاب و القوى السياسية المصرية قد طالبت الرئيس مرارا بتعيين نائب له ، درءا لما يتردد بشأن رغبته في أن يخلفه نجله "جمال" في رئاسة الجمهورية. غير أن عدم استجابة الرئيس لتلك المطالب ، عززت من تلك التكهنات الخاصة بمستقبل جمال مبارك السياسي من جهة، وفتحت ملف طريقة "اختيار الرئيس" والمتبعة في مصر منذ انقلاب يوليو عام 1952 من جهة أخرى، وراوحت تلك المطالب ما بين المطالبة بضرورة أن يتخلى الرئيس عن رئاسة الحزب الوطني (الحاكم) والتي امتدت 23 عاما، وهو الطلب الذي ما انفكت المعارضة تعلنه خاصة حزبا "الوفد" الليبرالي و"التجمع" الشيوعي، من أجل توفير حيدة "مؤسسة الرئاسة" إزاء كل الأحزاب السياسية في مصر، خاصة في الانتخابات النيابية، بعد أن أدت التدخلات الإدارية للدولة لصالح "حزب الرئيس" إلى تقليل فرص الأحزاب الأخرى في تمثيل نيابي يجعلها ذا ثقل ووزن في صياغة القوانين والتشريعات أو المشاركة في التشكيلات الوزارية أو في اختيار رئيس الدولة ، خاصة بعد أن عزت تقارير صحفية تمسك القيادة السياسية المصرية بـ"مبدأ عدم تعيين نائب للرئيس" إلى أن الرئيس مبارك يسعى بدلا من ذلك إلى إيجاد آلية سياسية تعطي دورا أكبر للأحزاب في اختيار الرئيس المقبل.
وأوضحت تلك التقارير أن "نظام الحكم في مصر انتهج سياسة جديدة بدأها منذ عام 2001 تهدف إلى تحويل تدريجي في شكل نظام الحكم في البلاد من النظام الرئاسي الذي يتمتع بصلاحيات عديدة إلى نظام رئاسي حزبي تحكمه الأغلبية البرلمانية". وأشارت إلى أن خطوات مهمة في سياق ذلك التحول تم إنجازها بالفعل، وتتمثل في تطوير الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم الذي يرأسه الرئيس حسني مبارك لكي يضطلع بهذه المهمة الصعبة في المستقبل ـ مهمة اختيار وتسمية مرشح الرئاسة القادم ـ وذلك بهدف تحويل الحزب في الفترة السابقة من "حزب للحكومة" إلى "حزب حاكم". ولفتت إلى أن هذا التحول أخذ من قادة الحزب عامين كاملين ـ اختتم بالمؤتمر العام الذي عقد في السابع والعشرين من سبتمبر 2003 ـ وشددت على تنامي دور الحزب في الفترة السابقة في الحياة السياسية المصرية وانتقاله في سياق ذلك التحول المنشود من مجرد "متلق ومدافع عن سياسات الحكومة لصانع ومراقب لتنفيذ هذه السياسات". ونوهت التقارير إلى أن هذا التحول سيتم تكريسه بصورة أعمق في الأيام المقبلة ليشمل مساهمة الحزب الحاكم في اختيار النخبة السياسية التنفيذية في البلاد، وكذا أعضاء الحكومة، وصولا للهدف الأكبر وهو اختيار الرئيس القادم.
ولقد حملت هذه التحولات المرتقبة بعض القوى السياسية على أن تجدد مطالبها في كل مناسبة بأن يكون "رئيس الجمهورية" رئيسا كل لكل المصريين و ليس للحزب الوطني و الذي يستأثر ـ باسم الرئيس ـ بالسلطة   النفوذ السياسي والإداري و المالي في مصر. فيما تطالب قوى و أحزاب أخرى على رأسها حزبا "العمل" الإسلامي و حزب "الناصري" الرئيس مبارك بان ينسحب من الحكم في أكتوبر من عام 2005 حيث تنتهي مدة رئاسته الحالية وألا يجدد مرة أخرى، وطالبته بإدخال تعديلات دستورية قبل تقاعده ، تتيح اختيار رئيس الجمهورية من بين أكثر من مرشح و من خلال الاقتراع المباشر. وتصاعدت مطالب التغيير في وقت تنامت فيه مشاعر الإحباط و عزوف الناس عن الاهتمام بالشأن بعد أن فقدت الأمل في إحداث أي تغيير حقيقي و جوهري من رأس الهرم السياسي إلى قاعدته ، حتى فيما يتعلق بالتغيير الوزاري حيث دأب الرئيس مبارك ـ خلال سنوات حكمه الماضية ـ على مفاجأة الناس بتغييرات هامشية لا تمس المسئولين الذين اعتلوا كراسيهم و ظلوا عليها عقودا أقلها "ربع قرن" ، ويكتفي التغيير بتسمية وزراء جدد للبيئة والشؤون الاجتماعية وبعض المحافظين.
وفي هذا السياق كشفت دراسة ميدانية أجرتها "جماعة تنمية الديمقراطية" بشان قياس درجة اهتمامات المصريين بالمشاركة السياسية، عن أن 88% من أفراد العينة لا ينتمون إلى أية أحزاب سياسية، وأن 94،32% منهم لا يعرفون شيئاً عن الجمعيات الأهلية، وثبت أيضا أن 47،36% من أفراد العينة غير مقيدين بجداول الانتخاب، وأن 42% فقط من المقيدين فيها هم الذين يحرصون على الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات العامة. ومع مطلع الشهر الجاري تزايدت و بشكل غير مسبوق التصريحات الصحفية عن "تغيير مرتقب" ووشيك في مصر خاصة بعد مقالتين متتابعتين لإبراهيم نافع رئيس تحرير جريدة الأهرام المصرية الحكومية و القريبة من قصر الرئاسة، تحدث فيهما بصراحة غير عادية عن الضعف والهوان الذي أصاب الحياة في مصر وتراجعها داخليا وخارجيا، مطالبا برؤية شاملة لإحداث تغييرات جذرية في الأوضاع الداخلية مع إعادة تعزيز السياسة الخارجية على المستويين العربي والإقليمي.
وعقب مقالي نافع نشطت في القاهرة بورصة السيناريوهات المتوقعة للتغيير، فبعد أن استبعدت التوقعات التي كانت ترجح إمكانية "توريث السلطة" لنجل الرئيس، انتعشت سيناريوهات أخرى رشحت جمال مبارك لخلافة د. عاطف عبيد في رئاسة الحكومة المقبلة، واستند هذا السيناريو إلى جريدة "المستقبل الجديد" المقربة من "التيار الإصلاحي" في لجنة السياسات بالحزب الوطني التي يرأسها جمال مبارك طالبت بأن يأتي التغيير بشاب في الخامسة والثلاثين ليكون رئيسا للحكومة. و هو طلب اعتبره المراقبون "مفصّلا على مقاس نجل الرئيس"، غير أن أنباء أخرى ترددت في الشارع السياسي المصري توقعت أن يتولى جمال مبارك حقيبة وزارة الشباب خلفا للدكتور علي الدين هلال الذي من المتوقع أن يطيح به "الصفر" الذي حصلت عليه مصر في تصويت الفيفا على الدولة التي ستستضيف كأس العالم 2010 والذي فازت به جنوب إفريقيا.
غير أن القريبين من صناعة القرار السياسي في مصر يؤكدون أن الرئيس مبارك ليس بحاجة إلى أن يسند إلى ابنه منصبا تنفيذيا سيما وأنه يرأس بالفعل "لجنة السياسيات" بالحزب الوطني التي تدير سياسة الحكومة وتضع إستراتجيتها العامة وتكاد تكون هي الحكومة الفعلية. و رغم أن التوقعات في معظمها أجمعت على أنه من المحتمل أن يبقى د. عاطف عبيد في منصبه فيما يصيب التغيير عددا محدودا من الوزراء خاصة من يطلق عليهم "وزراء الهامش" ، إلا أن زيارة مفاجئة قام بها جمال مبارك إلى مجلس الوزراء في الأسبوع الماضي التقى فيها بالدكتور عبيد، أصابت بالارتباك كل هذه التوقعات إذ اعتبر البعض الزيارة "رسالة شكر" من مبارك لعبيد على الفترة التي قضاها في رئاسة الحكومة.
في غضون ذلك عادت الأسئلة تطرح من جديد حول من يخلف الدكتور عبيد، ورشحت السيناريوهات أقوى رموز الحرس القديم ووزير الإعلام الحالي صفوت الشريف، على أن يكون نتيجة ذلك إلغاء وزارة الإعلام، فيما رشحت سيناريوهات أخرى مدحت حسنين وزير المالية الذي فرض ضرائب جديدة منذ اقل من أسبوعين رفعت أسعار بعض الخدمات الإستراتيجية المرتبطة بحياة الناس.
كما ترشح بخروج الرجل القوي يوسف والي من وزارة الزراعة بعد ما يقرب من عقدين ونصف قضاها في كرسيه وبعد حملات عنيفة تعرض لها طوال السنوات الماضية بسبب استجلابه للخبرات الإسرائيلية في تطوير الزراعة المصرية وبعد وقائع فساد اكتشفتها "هيئة الرقابة الإدارية" في هيئات تتبع وزارته. ورغم ذلك لم يكترث الرأي العام المصري كثيرا بـ"حكايات التغيير"، لعدم تفاؤله بان يطال رؤوسا كبيرة "شاخت على كراسيها" وتحولت إلى "جماعات مصالح" من مصلحتها إعاقة أي "حراك سياسي" يبعدها عن مؤسسات صناعة القرار، ويحملها الشعب المصري في الوقت نفسه مسئولية ما أصاب بلاده من تخلف سياسي واقتصادي.
غير أن إبراهيم نافع ـ المقرب من الرئيس مبارك ـ حسم هذه القضية في صحيفة الأهرام الصادرة صباح اليوم الجمعة 18/6/2004 ، حيث تولى بنفسه كتابة الخبر الرئيسي بالصفحة الأولى، والتي تصدرت بعنوان كبير بطول الصفحة وعرضها حاملا البشارة قائلا "حكومة عبيد تقدم استقالتها إلى الرئيس المبارك قبل نهاية يوليو الحالي". وقد اعتاد القراء أن لا يحرر نافع أخبارا بنفسه تحت عبارة "كتب إبراهيم نافع" إلا إذا كانت تغطية لأخبار الرئيس مبارك و بترتيبات مع مؤسسة الرئاسة، وهو ما يجعل ما قاله نافع "بيانا رئاسيا رسميا" يشير إلى أن التصديق على قرار إقالة حكومة عاطف عبيد باتت في حكم المؤكد. و قال نافع :"من المنتظر أن تقدم حكومة الدكتور عاطف عبيد استقالتها إلى الرئيس حسني مبارك قبل نهاية الشهر الحالي، و سوف يكلف الرئيس مبارك رئيس الوزراء الجديد بتشكيل الوزارة الجديدة، على أن ينتهي اختيار الوزراء قبل نهاية الشهر الحالي أو في أوائل يوليو المقبل على أقصى تقدير".
ولكن أهم ما كشفه نافع هو "أنه من المنتظر أن تغييب وجوه كثيرة عن الحكومة في تشكيلها الجديد خاصة الذين أمضوا فترة طويلة في مناصبهم الوزارية"، وهي إشارة إلى أن التغيير سيتجاوز حاجز "تقاليد مبارك" التغيرية التي كانت عند حدود الوزارات الهامشية طوال فترة حكمة التي امتدت 23 عاما.
وكان من الملاحظ أن جاءت تأكيدات التغيير الوزاري، عشية انعقاد "اللجنة الفرعية الخاصة بالشرق الأوسط" في مجلس النواب الأمريكي للنظر في ما إذا كانت مصر أوفت بالتزاماتها تجاه الإصلاحات الديمقراطية، وربط ذلك بالمساعدات العسكرية السنوية التي تقدمها واشنطن للحكومة المصرية. وهو التزامن الذي حمل المراقبين على الاعتقاد بان يكون التغيير الوزاري شكليا و بديلا عن الإصلاحات السياسية التي تلبي طموحات المصريين، خاصة أن القاهرة بدت واثقة أكثر من أي وقت مضى من نية الإدارة الأمريكية في التخلي عن ممارسة ضغوطات عليها بشأن " الإصلاحات الديمقراطية" المطلوبة منها، خاصة بعد أن تطوعت القاهرة بالقيام بدور أمني في قطاع غزة حال انسحاب إسرائيل من القطاع ، و هو ما اعتبرته واشنطن مساندة مصرية للرئيس بوش في حملته الانتخابية على مقعد الرئاسة تستحق "المكافأة عليها". وهو شعور عكسه بعض وسائل الإعلام المصرية الرسمية و التي ما انفكت تردد أن الرئيس بوش تراجع عن الكثير من تصوراته حول الإصلاح في الشرق الأوسط نتيجة محادثاته مع الرئيس مبارك خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، وأن تعديلات أدخلت على مبادرة "الشرق الأوسط الكبير" أقرتها قمة الثمانية التي عقدت في ولاية جورجيا الأمريكية في الشهر منصف الشهر الجاري وفقا لـ" نصائح الرئيس مبارك" بحسب رأي تلك الوسائل الإعلامية الرسمية المصرية.
فيما استبعد مثقفون مصريون إمكانية حدوث إصلاح حقيقي في مصر إلا إذا حدث توازن حقيقي للقوة بوجود قوى سياسية وجماهيرية ونقابية وعمالية قادرة على ممارسة الضغوط الشديدة على النظام الحاكم وحمله على إجراء الإصلاح ثم حمله على القبول حتى ببعض مطالب تلك القوى حول التداول السلمي للسلطة وإخضاع الحاكم للمساءلة والمحاسبة وتدعيم قوة البرلمان.
   

تم غلق التعليقات على هذا الخبر