الإسلاميون والسلطة في مصر: حرب 'مبادرات الإصلاح' المتبادلة

2004-3-20 | محمود سلطان الإسلاميون والسلطة  في مصر: حرب 'مبادرات الإصلاح' المتبادلة
كانت "التهمة" التي تلاحق الإسلاميين حيثما كانوا وأينما حلوا، هي: أنهم لا يملكون مشروعا أو رؤية لـ"إدارة الدولة"، كانت التساؤلات التي دأب العلمانيون على طرحها تتمحور حول ما إذا كان للإسلاميين مشروع سياسي أو اقتصادي، على نحو يثير الشكوك في قدرة التيار الإسلامي على إبداع رؤيته الخاصة في التعاطي مع قضايا الحكم والدولة!.
والحال أن الأنظمة السياسية العربية "المذعورة"، من أية قوى أخرى تنافسها الولاء والشرعية، لم تمهل أية جماعة إسلامية الوقت الذي يتيح لها التعبير عن حضورها السياسي والحضاري، إذ لم يكن للإسلاميين مكان لا في البرلمان ولا في الأحزاب ولا حتى في المدارس والجامعات، وإنما حلوا ضيوفا دائمين على السجون والمعتقلات ، الأمر الذي أفضى في النهاية إلى تراجع "الخبرات السياسية" عند الإسلاميين وانحسار خبراتهم في "الجانب الأمني" فقط. مع ذلك كان الإسلاميون أكثر الجماعات السياسية حيوية وجرأة على تحدي صعوبات وقسوة هذا الواقع المترهل سياسيا والمتربص بها أمنيا : فرغم كل التحفظات والخسائر والكوارث التي ترتبت على قرار بعض فصائله "الخروج المسلح" على السلطة، فإن قرار "النضال المسلح"، كان "مبادرة" أو "اجتهادا"، وشكلا من أشكال المقاومة والمعارضة من جانب تيار سياسي، فيما كان الآخرون بمن فيهم كافة التيارات السياسية الأخرى، تنتظر في بيوتها أو مكاتبها المكيفة و سياراتها الفارهة، أن تبادر السلطة من جانب واحد، بإصلاحات سياسية تتيح لها التحرك بحرية بدون مضايقات أمنية أو قضائية! كان الفارق بين التيارين الإسلامي والعلماني، هو أن الأول كان ينطلق من قناعاته التاريخية بأن لـ"الديمقراطية" ثمنا، فيما كان الثاني يركن إلى التثاؤب باعتبارها "منحة" من الحاكم، ولعل ذلك يفسر لماذا تكتظ السجون والمعتقلات العربية بالإسلاميين وحدهم، فيما يرفل المناضلون العلمانيون في نعيم السلطة، ويتفيأون جناتها ومناصبها العلا.
ومن المفارقات بالغة الدلالة أنه في الوقت الذي كان العلمانيون يتمترسون فيه داخل أطر جامدة من أفكار عصر التنوير في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين بأوروبا، وينزلونها منزلة التقديس والعصمة، كان الإسلاميون أكثر القوى السياسية وعيا بمقتضيات إعادة النظر والمراجعة، ويتعاطون مع الآراء الفقهية أو الفكرية أو الحركية، وفقا لواقعها السياسي والحركي المتغير، وهو ما عبرت عنه أدبيات حملت عناوين جديدة لم يألفها المسلمون من قبل مثل : "فقه الحركة"، "فقه الخلاف"، "فقه الواقع" وغيرها، ولم يتردد الإسلاميون من مراجعة مواقفهم النضالية، ونزعات التصادم مع السلطة والمجتمع، مثل إعلان ثمانية من أعضاء مجلس شورى الجماعة الإسلامية في مصر (من داخل السجن)، وقف العنف في يوليو عام 1997، ثم تأييد قيادات الخارج لها في 24 مارس عام 1999 ، بعد حادث الأقصر الدامي، وتتويج هذه المبادرات بمراجعة فقهية شاملة للكثير من المفاهيم التي كانت تستند إليها الجماعة الإسلامية في تسعينيات القرن الماضي (العشرين)، من خلال أربعة كتب تحت عنوان "سلسلة تصحيح المفاهيم" تكونت من 600 صفحة، و هي: "مبادرة وقف العنف رؤية ونظرة واقعية"، "حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين"، "تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء" و"النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين".
وفي غضون ذلك كان الإسلاميون خارج السجن يعيدون النظر في قضية "تحريم المشاركة في الانتخابات العامة"، وفي قضية أخرى وثيقة الصلة بالأولى وهي " تحريم تأسيس أحزاب سياسية"، وهي قضايا كانت جل التيارات الإسلامية النضالية ـ في مراحلها البكر ـ قد حسمت أمرها بـ"تحريم هذه وتلك"، غير أن الاجتهادات الجديدة في أواخر التسعينات انتهت إلى جوازها، وتقدمت شخصيات تنتمي لحركة الإخوان المسلمين بتأسيس "حزب الوسط" وأخرى تنتمي إلى التيارين السلفي والجهادي بتأسيس حزبي "الشريعة" و"الإصلاح"، رفض النظام السياسي المصري الاعتراف بها جميعا، متذرعا بأنها "أحزاب دينية"، رغم أنها كانت تهدف إلى مساعدة الدولة في تحويل "المناضلين الإسلاميين" من خبرة " الخروج المسلح" إلى خبرة جديدة أصطلح بعض الإسلاميين على تسميتها
"الخروج السياسي"، ويقصدون به الانضواء تحت مظلة "المعارضة السياسية" الشرعية من خلال الانتظام في أطر يعترف بها قانون تشكيل الأحزاب في مصر!. وظل الحال على هذا النحو بين النظام من جهة والإسلاميين من جهة أخرى: الأول يغالي في مواقفه المتشددة إزاء دعاوى الإصلاح، و الثاني لا يفتر حماسه للتجديد والمراجعة ونقد الذات، إلى أن وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ، ووضعت واشنطن بعدها أجندتها الخاصة للإصلاح السياسي في العالم العربي، وخطت خطى جسورة للتعبير عن جدية رغبتها في هذا الإصلاح، بلغت حد إثارة الذعر في قلوب القادة والزعماء العرب، وذلك بغزوها العراق وإسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وإلقاء القبض عليه، وعرضه بصورة مهينة وذليلة أمام كاميرات الصحافيين ووكالات الأنباء، ثم تبنيها لمشروع "الشرق الأوسط الكبير"، والذي من المقرر عرضه على قمة مجموعة الثمانية التي ستعقد في جورجيا في يونيو المقبل، و تزامن ذلك مع مبادرات مشابهة لـ"الإصلاح السياسي في العالم العربي"، تتبناها دول ذات ثقل ووزن كبيرين في الإتحاد الأوربي.
وبات القادة العرب ـ ولأول مرة في التاريخ العربي المعاصرـ محاصرين بضغوطات دولية لا قبل لهم بها من قبل، تضعهم أمام خيارات بالغة الصعوبة على مستقبلهم السياسي، وسارع بعضهم بالإعلان عن "وعود" بالإصلاح، فيما شرع البعض الآخر من بينهم النظام السياسي المصري، بإجراء إصلاحات شكلية، مثل تأسيس مجلس قومي للمرأة وآخر لحقوق الإنسان، وإلغاء بعض قرارات الحاكم العسكري، وأخيرا إلغاء عقوبة الحبس للصحفيين في قضايا النشر. فيما ظل جوهر الإصلاح و قوامه الأساسي غير مدرج على الأجندة الحكومية: مثل إلغاء العمل بقانون الطوارئ ( القانون رقم 162 لسنة 1958 ) والذي يتيح للسلطات المصرية احتجاز المعتقلين دون توجيه اتهامات لفترات طويلة ومحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية حيث يكون للمتهمين حقوق أقل، ولا يزال مسلطا على رقاب المصريين منذ ما يقرب من 30 عاما، وقررت الحكومة المصرية مد العمل به حتى عام 2006 . وكذلك حرية تأسيس الأحزاب وحرية إصدار الصحف، وتعديل الدستور المصري على النحو الذي يكفل حق المصريين في اختيار رئيس الجمهورية بالاقتراع المباشر من بين عدة مرشحين، واحترام حقوق الإنسان داخل السجون ومقرات الشرطة. في غضون ذلك عبر الرئيس مبارك في مؤتمر صحفي عقده ورئيس الوزراء الإيطالي بروما في 5/3/2004 ، عن مخاوفه من إجراء إصلاحات جوهرية محذرا من "أن الحرية والديمقراطية الفوريتين يمكن أن يكون لهما وقع الزلزال في بلادنا" مذكرا بـ"المأساة الجزائرية"، حيث أدى انتصار جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية عام 1991 إلى تدخل الجيش، دخول الجزائر في دوامة العنف الدامي بين السلطة من جهة والإسلاميين من جهة، هو ما اعتبره المراقبون انحيازا مصريا رسميا إلى الجمود السياسي، والاكتفاء بتلك الإصلاحات الشكلية، على سبيل المزايدة بها أمام الضغوط الدولية التي ما انفكت تطالب النظام السياسي المصري بالإصلاح.
وفي الوقت الذي كان فيه الرئيس مبارك يبحث عن شركاء أوربيين يشاطرونه تلك المخاوف، كانت القاهرة على موعد مع حركة الإخوان المسلمين، الذين تقدموا ـ من خلال مؤتمر صحفي عقده مرشدها العام محمد مهدي عاكف بمقر نقابة الصحفيين المصريين في 3/3/2004 ـ بوثيقة تضمنت رؤيتهم الخاصة للإصلاح، بعنوان "مبادرة المرشد العام للإخوان المسلمين حول المبادئ العامة للإصلاح في مصر" أكدت خلالها على احترامها لمبدأ تداول السلطة وحرية الاعتقاد وحرية إقامة الشعائر الدينية لأتباع جميع الأديان السماوية، وكان أبرز ما فيها، هو تحويل منصب رئيس الجمهورية إلى منصب شرفي، "فلا يترأس أي حزب سياسي ويكون بعيدا كل البعد عن المسؤولية التنفيذية للحكم"، كما اشترطت أن يتولى منصبه مدتين بحد أقصى، وقد أصابت المبادرة الإخوانية السلطة والقوى العلمانية المستفيدة منها بالصدمة، واعتبروها "رسالة" موجهة في الأصل إلى "الخارج" وليس إلى "الداخل"، وأنها جاءت لتلتقي والأجندة الأمريكية للإصلاح خاصة وأنها لم تشر من قريب أو بعيد إلى القضية الفلسطينية. وأيا كان الهدف من وثيقة الإخوان، فإنها جاءت في ظرف وضع النظام السياسي في حرج بالغ : ففي الوقت الذي بدت فيه الحكومة المصرية وكأنها الطرف الذي يقود القوى المعوقة للإصلاح، ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في صورة التيار الذي يرغب في الإصلاح ويملك مشروعا ورؤى تفي بطموحات الرأي العام بالداخل، وقد يستدر رضى واستحسان واشنطن والقوى الحليفة لها بالخارج، في وقت خلت فيه مصر من أية مبادرة مماثلة لا من السلطة ولا من التيارات السياسية الأخرى التي انقسمت فقط ما بين مؤيد ومعارض للمشروع الأمريكي للإصلاح.
ويبدو أن رئيس مبارك رهن الإصلاح بشروط من المستحيل توفرها، وعلى رأسها "دولة مصرية خالية من الإسلاميين"!، إذ ما برح الرئيس يحذر من أن الديمقراطية ستؤدي إلى وصول ما سماه "قوى التطرف" ويقصد الإسلاميين، إلى الحك ، هو ما بدا واضحا أثناء جولته الأوربية في أوائل مارس من عام 2004، أو من خلال كلمته التي ألقاها في افتتاح "مؤتمر الإصلاح العربي" الذي عقد بالإسكندرية في 13/3/2004 ، وإذا ظلت هذه المخاوف حاضرة ومهيمنة على مراكز صناعة القرار في مصر، فإن الأمل في ولوج المصريين عصر الإصلاح السياسي، سيظل حلما مؤجلا تحقيقه إلى أجل غير مسمى.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر