آخر الأخبار

التوظيف الإعلامي والدعاية الموجهة

2004-3-5 | محمد بن جماعة * التوظيف الإعلامي والدعاية الموجهة
منذ نشوء أول مظاهر التمدن البشري وإلى اليوم ، سعت التكتلات السياسية والعقائدية بأشكالها المختلفة ) دولة، قبيلة، حزب) إلى الحصول على السلطة أو إلى المحافظة عليها. ونتيجة لاختلاف قيمها ومبادئها، تنشأ الصراعات والحروب كشكل من أشكال التدافع لبسط النفوذ الجغرافي أو لفرض السياسات والإيديولوجيات، كما يلجأ أغلب الزعماء والقادة إلى فرض الهيمنة القهرية على أتباعهم خشية ضياع نفوذهم لصالح شخص آخر أو جماعات أخرى باحثة هي أيضا عن السلطة.
وتعتبر القوة العسكرية شكلا رئيسيا لبسط النفوذ والحفاظ عليه والمزيد من انتشاره. ولكن يوجد أسلوب آخر يتمثل في التوظيف المقصود للأعمال النفسية والأعمال النفسية (Psycholigical Operations) أو (PSYOPS) ، كما يعرفها بلوم وماك لورين، تتضمن جميع أشكال العمل المخطط الهادف للتأثير على مواقف أو سلوكيات جماعة بشرية أو سياسية معينة بدون استعمال القوة العسكرية. وقد تندرج هذه الأعمال في إطار العلاقات الدولية عندما تسعى دولة مّا لفرض إرادتها على دولة أخرى. وقد كتب صن تسو، وهو قائد عسكري صيني عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، كتابا سماه "فن الحرب"، وتعرض فيه لفكرتين رئيسيتين: الخطط التكتيكية، ووسائل التأثير..وحسب هذا القائد، فإن "الخبراء في فن الحرب هم الذين يتمكنون من تطويع وهزم جيش العدو بدون قتال ، وهم الذين يتمكنون من الاستحواذ على المدن بدون مهاجمتها عسكريا، ومن قلبِ نظام العدو بدون الدخول معه في حرب طويلة الأمد".
والدروس التي عرضها هذا الكتاب في وسائل التأثير على العدو كثيرة وتسترعي الاهتمام، ومنها ) تشويه سيرة الزعامات، تشتيت السلطة المركزية للعدو وإفساد نظامها، الاستهزاء بعاداته وقيمه، بث الفتنة بين مواطنيه، إضعاف اقتصاده وتدمير مقوماته المادية، نشر الرذيلة وتشجيع الانحطاط الأخلاقي في صفوفه، تسخير المنحرفين وذوي النفوس الإجرامية المخاتلة من أبناء العدو، تربية شبابه على التمرد على الكبار.
ويميز بلوم بين نوعين رئيسيين من الأعمال النفسية ، هما الدعاية والإجراءات الفاعلة. ويمكن إضافة التضليل الإعلامي أو تشويه المعلومات كنوع ثالث ، لأنه قد يستعمل كتقنية في خدمة الدعاية والإجراءات الفاعلة ، أو يستعمل لذاته كعمل مستقل. علما وأن هذه الأنواع الثلاثة يتم تجميعها في زمن الحروب لتصبح وحدة متكاملة مما يجعل التمييز بينها أمرا صعبا.
ونحاول في هذا المقال التعريف بالأعمال النفسية ، ثم بصنف واحد منها ، هو الدعاية ، من خلال استعراض النماذج الرئيسية لاستخدامه .
1- تعريف العمل النفسي:
كما ذكرنا في المقدمة ، فإن الأعمال النفسية (Psychological Operations) تعرّف بأنها : " الاستخدام المدروس أو المبرمج لجميع أشكال الأفعال البشرية غير الشديدة أو العنيفة ، والتي توظَّف للتأثير على مواقف وقناعات وسلوكيات الجماعات الأخرى ، سواء كانت معادية أو محايدة أو حليفة ، وذلك خدمة للمصالح الوطنية " . فهي ، بالتالي ، تسعى إلى التأثير في مواقف جماعة مّا باستهداف وعيها وفطرها وعواطفها. فقد تهدف الأعمال النفسية إلى :
- تغيير قناعات الجهات المستهدفة تجاه نوايا القائم بها.
- أو تغيير مواقف الشعوب والجنود.
- أو دعم حركات وجماعات تخدم مصالح القائم بها.
وقد تتخذ الأعمال النفسية طابعا هجوميا أو دفاعيا باختلاف الجهة المستهدفة . فعندما تستهدف دولة مّا جهة خارجية ، تتخذ هذه الأعمال صبغة هجومية ، أما عندما تستهدف شعبها نفسه فتعتبر أعمالا دفاعية .ويعتبر بلوم أن الأعمال النفسية أفضل وأنجع من القوة العسكرية في تحقيق الأهداف وذلك لأسباب عدة :
أعمال النفسية أقل تكلفة.
تمكّن الأعمال النفسية من تحقيق عدد أكبر من الأهداف.
ونظرا لأن جميع الأعمال والوضعيات البشرية لها مدلولاتها النفسية ، فبالإمكان توظيفها تبعا لذلك.
ترفض الشعوب عموما استعمال القوة ضدها ، وبالتالي فإن الأعمال النفسية تصبح وسيلة شعبية أكثر قبولا لفرض السياسات.
- زرع الخوف وتنمية الشعور بفقدان الأمن لدى العدو ، له أثر أكبر من استعراض القوة تجاهه.
- الأعمال النفسية تمكن من تحقيق الأهداف دون خسائر في الأرواح.
- كما يمكن التخطيط لها وتنفيذها بدون أن يتفطن إليها العدو.
2- الدعاية:
يعرّف لاينبرجر الدعاية بأنها " أي نوع من أنواع الاتصال والتعامل بأسلوب غير عنيف ، لتغيير مواقف ومشاعر وسلوكيات وقناعات جماعة مّا بهدف خدمة جهة ، عسكرية كانت أو غير عسكرية ، بشكل مباشر أو غير مباشر " . أما بلوم ، فيعرّفها بأنها " جملة المؤثرات الرمزية التي تحمل مضمونا رساليا عن طريق إحدى وسائل الاتصال " .
وقد تطورت أغلب تقنيات الدعاية أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية . ورغم التشابه بين الأساليب الدعائية والأساليب الإعلانية المستخدمة في الأنشطة التجارية ، مثل دراسات السوق والجمهور المستهدف ، إلخ. ، فإن الباحثين يميزون الدعاية عن الإعلان لأمر وحيد ، هو أن الدعاية تحمل مضمونا سياسيا أو عقائديا أو مرتبطا بالمصالح العامة ، على عكس الإعلان الذي يحمل مضمونا تجاريا بحتا .
تعتمد الدعاية في تغيير المواقف والقناعات على مجموعة من المعلومات التي تقود إلى تغيير عملية الإدراك الفردي وتحليل الأمور ، لتجعل من رؤيته للواقع مختلفة عما كانت عليه . فالمشتغل بالدعاية يرجو تغيير المواقف والسلوكيات عن طريق تغيير آليات التحليل واتخاذ المواقف ، إما في اتجاه جعلها سلبية ، مما يفقدها الإرادة والقدرة على رفض الأعمال والمواقف المضادة ، أو بدفعها نحو اتخاذ مواقف فاعلة تخدم مصالح الجهة القائمة بالدعاية.
ونظرا لهذا الاعتماد الكبير على المعلومات ، فإن مفهوم الدعاية يصبح قريبا من مفهوم التضليل الإعلامي . فالقائم بالدعاية يستطيع استخدام أنواع مختلفة من التضليل الإعلامي ، إما بزيادة بعض المعلومات ، أو باختلاقها وتحريفها في سبيل دعم نظريته. كما قد يلجأ إلى إخفاء بعض المعلومات التي يمكن أن تدحض أو تضعف نظريته . غير أن ما يميز الدعاية عن التضليل الإعلامي هو أنها ليست بالضرورة ذات مضمون كاذب في كل الحالات . ففي كثير من الأحيان يكون قول الحقيقة أسهل من اختلاق الأكاذيب . كما أن استعمال المضامين الصادقة والحقيقية من شأنه أن يزيد من زيادة ثقة الشعوب على الصعيد الداخلي ، وأن يقلص في المقابل عنصر الحذر والارتياب لدى الجهات المستهدفة . أما التضليل الإعلامي ، فإنه يعتمد أساسا على اختلاق الأكاذيب ، ولذلك فقد يؤدي عكسيا إلى فقدان المصداقية إذا ما توفرت الظروف لانكشاف الحقائق في فترة لاحقة .
وقد ارتبطت الدعاية بسمعة سيئة ، خصوصا بعد استعمالها من قبل هتلر وستالين ، حيث اعتبرها بعض الباحثين نموذجا لانحراف العقل البشري وتلغيمه ، واستلابا لمصير الشعوب وأخلاقها . ومع ذلك ، فقد وجدت تطبيقات حديثة للدعاية يمكن تصنيفها كاستخدام إيجابي ، من قبيل المضامين المندرجة في إطار المصالح العامة كالتنبيهات الحكومية التي تحذر من أضرار التدخين ، أو الدعايات الحكومية التي تهدف إلى تعزيز الانتماء الوطني بالداخل ، أو تساهم في نشر الثقافة الوطنية بين الأمم الأخرى .
أ- نماذج الدعاية
- نموذج تشاكوتين: اعتمد تشاكوتين في تحليل آليات التوظيف الدعائي على تصنيفه الخاص لموجّهات الفعل الإنساني وكذلك على نظرية بافلوف عن الفعل المنعكس الشرطي . فهو يرى أن نجاح أي دعاية ينبني بشكل عام على قدرتها في ربط موضوع اهتمامها بأحد الموجهات الأربع الكبرى للفعل الإنساني ، وهي : الميل نحو العنف ، الرضا المادي ، الرغبات الجنسية ، والحب الأبوي . ويفسر تشاكوتين ذلك بأن تصرفات الفرد تصبح غير واعية ومسلوبة الإرادة عند وقوعه تحت تأثير أحد هذه الموجّهات ، حيث أنه يستجيب لما تمليه عليه هذه الموجهات إلى أن يتم إشباعها .
وقد تفطن تشاكوتين ، عند دراسته لأشكال الدعاية ، إلى أهمية الاستعمال الذكي للرموز النفسية ، مثل الشعارات المكتوبة أو المرسومة ، والأناشيد الثورية أو الوطنية . فهذه الرموز ، في نظره ، لا تعبر فقط عن مقدار استجابة الأفراد للفكرة المروّجة أو مدى تقبلها ، وإنما تصبح بمثابة مثيرات شرطية تذكّر بالمضمون الدعائي لاستحضاره في الذهن . و قد عرض تشاكوتين أمثلة دعائية كثيرة توضّح مسألة استخدام الشعارات والرموز ، وبيّن أن من سماتها أنها مثيرة للانتباه عند مشاهدتها ، وأنها تستثير التفكير بدون الحاجة لإعطاء معلومات محددة إضافية ، إضافة لتهييجها للمشاعر .
من ناحية أخرى ، يفترض نموذج تشاكوتين أن 10 بالمائة من الجماعة المستهدفة بالدعاية لا تستجيب بسهولة للدعاية ، لذا فإن القائم بالدعاية مطالب باستحضار أدلة وحجج قوية التأثير كي يتمكن من إقناعهم والتأثير عليهم . وفي المقابل ، فإن 90 بالمائة من الجهة المستهدفة لديها القابلية للتأثر بالدعاية ، أي أن رد فعلها سلبي تجاه الدعاية ، وهو ما يعد كافيا لنجاح الدعاية إذا تعلق الأمر بالحصول على أغلبية في أحد المواقف .
- نموذج الدعاية الفاشية : وضع كلايد مولر سبعة قواعد لتطبيق الدعاية الفاشية بشكل جيد :
1- بث الخوف والرعب في صفوف الجهة المستهدفة ، ثم السعي بشكل تدريجي لإعادة الاستقرار الأمني فيها عن طريق بعض الوسائل المقترحة التي تخدم مصلحة القائم بالدعاية.
2- خلط الأفكار الصادقة بأفكار أخرى مشابهة لها ومنسجمة مع سياقها ، ولكنها غير صادقة ، كي يقع قبولها من قبل العامة.
3- انتقاء بعض الرموز والأفكار الحاسمة والواضحة لتصبح شعارات معتمدة.
4- تعريض الجهة المستهدفة للدعاية المستمرة وبدون ملل.
5- دعم الدعاية بالقوة إن تطلب الأمر ، لمنع الأفكار المضادة لها من البروز.
6- استخدام المبالغات في التعبير وتصوير الأمور.
7 - تكييف الشكل الدعائي وعرضه بأساليب متغيرة بحسب اختلاف نوعية الجهة المستهدفة.
وعلى الرغم من أن هذا النموذج الدعائي بدأ يفقد روجه شيئا فشيئا بسبب تطور وسائل الاتصال الحديثة ، إلا أن من المفيد الإشارة إلى أن رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلوسكوني وحزبه " فورزا إيطاليا" إلى الأمام إيطاليا) يستعمل حاليا عددا كبيرا من تقنيات هذا النموذج الدعائي لتلميع صورته، للتوسع ، انظر كتاب : الصور والدعاية في القرن العشرين ، للكاتب الإيطالي إف. دي. ألمايدا .(
ب - الدعاية الاستراتيجية والدعاية التكتيكية
تنقسم الدعايات إلى استراتيجية وتكتيكية باختلاف الجهات المستهدفة . فالدعايات الاستراتيجية تستهدف عادة الحماعات المدنية ، وتمثل في ذلك الرؤية التقليدية للدعاية . أما الدعايات التكتيكية فتستهدف أساسا الجماعات العسكرية .
- الدعاية الاستراتيجية:
تضم الدعاية الاستراتيجية والتي تسمى أيضا بالحروب السياسية، جملة الوسائل الاستراتيجية المستعملة في ميدان الاتصال وفي مجال السياسة القومية ، والموجّهة للشعوب المعادية أو الحليفة بغية إيهامها بأن مصالحها الذاتية يمكن خدمتها بشكل أفضل عند اعتمادها لوجهة نظر الجهة القائمة بالدعاية .
وتهدف الدعاية الاستراتيجية إلى التأثير على الأفراد والجماعات ذات المواقف غير المتشددة، أو ذات الموقف السلبي حسب نموذج تشاكوتين، التي يمكن أن تقوم بأعمال مؤثرة وفارقة على مستوى الواقع . وتطبق هذه الدعاية بشكل دائم وعلى مدى طويل لتغيير قناعات الأفراد ، ويتم دعمها بوسائل متعددة من للتضليل الإعلامي ، حتى تتمكن من استثمار عرض نقاط قوتها إلى أبعد الحدود ، وتخفي سلبياتها ونقاط ضعفها وإيهام العامة بأن مصالح القائم بالدعاية تخدم الرقي الإنساني والسعادة البشرية .
في الجانب الدفاعي لتطبيقات هذه الدعاية ، يقوم القائم بالدعاية بعرض إيجابيات سياسته الخارجية والتعتيم على سلبياتها لتغيير قناعات الجهات المستهدفة ، فيستخدم وسائل ذات مضامين تسعى للتأثير على الرأي العام الداخلي ، إما لتبرير المواقف الحكومة ، أو للرفع من المعنويات الشعبية ، أو للحصول على دعم شعبي للمواقف الحكومة . وللحصول على تأييد شعبه ، يلجأ االقائم بالدعاية عادة إلى الحط من مكانة الأعداء : إما بتصويرهم على أنهم ذوو طباع منحرفة وإجرامية ، أو على أنهم يتفقدون لمقومات القيادة والتصرف المسئول والحكيم .
وغالبا ما تستعمل الحكومات أسلوب التضليل الإعلامي لتحقيق الأهداف التالية في المستوى الدفاعي :
1- حجب المعلومات عن العدو أو تضليله عن طريق مجموعة من الأخبار التي يتم ترويجها في صفوف الجماهير التابعة للقائم بالدعاية.
2- التعتيم على الأخبار الحقيقية السيئة كي لا تتحطم معنويات الجماهير التابعة.
3- عدم تقليص كمية الأخبار المضللة التي يقع فبركتها حتى وإن تم تحقيق النجاح التام في السياسات المعتمدة ( فنجاح المهمة يجب ألا يكون مدعاة لتقليص الجهود الدعائية ، بل لا بد من الحفاظ على نفس الوتيرة حتى يمكن حماية المكاسب الحاصلة ، والسعي لتحقيق مهمة موالية تحقق مكاسب جديدة ).
4- إخفاء جرائم الحرب والمهمات القذرة التي تم ارتكابها في سياق إنجاز المهمة .
أما في الجانب الهجومي ، فإن الدعاية الاستراتيجية تسمح بدعم نجاحات المؤسسة العسكرية عن طريق تحطيم إرادة المقاومة لدى العدو بدون اللجوء إلى تحطيم المنشآت في بلد العدو . وفي هذا المستوى ، تتجه المضامين الدعائية لنزع صفة الشرعية عما تقوم به الحكومة المعادية ، وتحطيم شعبها وتخذيله عن دعم حكومته . وفي هذا الصدد ، يكون التركيز على جماهير الدولة المعادية بالغ الأهمية لعدة أسباب :
1- فهي قادرة على التأثير في مواقف قياداتها ،
2- وهي المحرك الأساسي للإنتاج ،
3- كما أنها قد تصبح داعمة لتيارات داخلية معارضة في صفوف العدو ،
4- إضافة إلى أنها تلعب دورا أساسيا في رفع معنويات الجنود أو الحط منها .
ويرى لورنر أن الدعاية الاستراتيجية لا تكون ناجعة إذا ما استهدفت عقائد النظام المعادي ، لأن هذه العقائد تشكل عصبا حيويا في ثقافة الشعوب لا تقبل المس بها ، خصوصا في الأنظمة الديكتاتورية التي تمارس فيها رقابة مشددة على الإعلام ووسائل الاتصال بما لايسمح بمناقشة أية عقائد أخرى مخالفة للمجتمع . لذلك فإن القائم بالدعاية يسعى إلى فهم طبيعة النسيج الاجتماعي والثقافي كي لا تقع مصادمته من خلال المضامين الدعائية . ولذلك ، وتفاديا للانعكاسات السلبية للأعمال السيئة التي توجّه ضد العدو ، يكرر القائم بالدعاية تأكيداته بأن نزاعه ليس مع شعب الدولة المعادية بل مع قياداتها وحكامها فقط . ويمكّن هذا الأسلوب في التمييز بين الشعب وقيادته من تمزيق وحدة المجتمع المعادي إضافة إلى زرع بذور الشك في إخلاص قيادته وصحة مواقفه السياسية .
ويقسم فولكوف وديوراندين الدعاية الاستراتيجية إلى عدة أنواع حسب درجة إخفاء مصدرها . فالدعاية البيضاء هي الدعاية التي لا يتم إخفاء مصدرها . أما في الدعاية السوداء فيتم إخفاء المصدر بل والكذب في شأنه كي لا يقع تحديده . ويرى ديوراندين أن الدعاية البيضاء عموما تكون أكثر نجاعة في أوقات السلم ، أما في أوقات الحرب فتقلّ نجاعتها لأن الشعوب الخصمة تصبح أكثر حذرا تجاه الدعايات التي تأتيها من الخارج ، وبالتالي تصبح الدعاية السوداء أكثر قبولا خصوصا إذا استطاعت إيهام الشعوب المستهدفة بأن مصدر الدعاة جهة صديقة موثوق بها .
غير أن فولكوف يؤكد أن الدعاية السوداء لا تخلو من السلبيات :
1- فهي تحتاج إلى وقت كبير كي تصبح ناجعة لأن القائم بالدعاية يحتاج فيها إلى بناء مصداقيته أولا ،
2- كما أنها قد تؤدي إلى تضليل الرأي العام الداخلي للقائم بالدعاية بما يؤثر عليه سلبا ،
3- إضافة إلى أنها قد تفقد مصداقيتها نهائيا في حال انكشافها والتفطن إليها.
ولاكتساب المصداقية ، فمن الضروري ، حسب ديوراندين ، أن يعتمد هذا النوع من الدعاية على ترويج المعلومات الحقيقية بنفس القدر الذي يتم به نشر المعلومات المغلوطة . وتجدر الإشارة إلى أن ترويج المعلومات المغلوطة في نموذج الدعاية السوداء يجعلها أقرب ما تكون الى صنف آخر من أصناف الأعمال النفسية ، وهو التضليل الإعلامي .
- الدعاية التكتيكية:
على الرغم من أن أي عمل عسكري يحدث ، بطريقة مقصودة أو غير مقصودة ، آثارا نفسية سلبية (انهيار المعنويات ، الشعور بالخوف ، القلق والإرهاق ..) إلا أن هذه العمليات تندرج ضمن الدعاية التكيتيكية. فهذا النوع من الدعاية ، أو بالتعبير الشائع (الحرب النفسية) يستخدم جميع أنواع الاتصال لدعم القوات المقاتلة ، ولتغيير ميزان القوى من خلال التأثير النفسي بأحد الطرق التالية :
1- إخبار الخصم بالإجراءات المتبعة التي تدعوه إلى الاستسلام
2- تهويل المعلومات الخاصة بالقدرة التدميرية للأسلحة المستعملة
3- تحطيم معنويات العدو عن طريق إيهامه بحتمية هزيمته
4- دعم القوى الحليفة
5- التلاعب بأعصاب العدو لخلق حالة من القلق الدائم
6- تشديد الضغوط الرقابية على المدنيين مثال : توجيه الإنذارات للمدنيين بعدم الذهاب إلى بعض الأماكن المحددة ، لأنها ستكون عرضة للضربات العسكرية
7- القيام بدعاية مضادة لما يروجه العدو مثال : الحديث عن المعاملة الجديدة التي سيلاقيها الجنود في حالة استسلامهم
ويرى ديوراندين أن الدعاية التكتيكية ذات أهداف قصيرة الأمد و لا تستهدف بالضرورة تغيير القناعات ، بل إنها قد تكون في بعض الأحيان متعارضة مع الأهداف السياسية ، كما أنها تخاطب الجبهة المعادية وليس إلى الجبهة الداخلية .
وحسب كاتز ، فإن الدعاية التكتيكية تخضع للشروط التالية كي تكون ناجحة :
1- ضرورة أن تكون مضمونها صادقا وحقيقيا لتفادي فقدان المصداقية .
2- ضرورة استخدامها بالتوازي مع استخدام القوة ، وإلا فإنها تصبح غير ذات جدوى لوحدها .
3- توقيت استعمالها لا يتعدى لحظات الانتصار ، لأن مضمونها يفقد معناه إذا ما اعتقد الجنود بأهمية استمرار القتال .
4- تجنب استعمال المعلومات غير المنطقية أو المازحة .
5- عدم استعمال مضامين إيديولوجية لأن الإيديولوجيا تفقد تأثيرها على الجنود في اللحظات المصيرية .
6- عدم جدوى المضامين التي تهدف لإثارة الخوف لدى الجنود لأنهم مدربون على التحكم في شعورهم بالخوف ، بعكس تأثيرها على المدنيين .
* محمد بن جماعة : باحث عربي مقيم بكندا.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر