تأملات في 'بونات النفط' مقابل الولاء: مثقفون عربا ماتوا بـ'السكتة النفطية' 2/2

2004-2-21 | محمود سلطان تأملات في 'بونات النفط' مقابل الولاء: مثقفون عربا ماتوا بـ'السكتة النفطية' 2/2
يعتقد البعض أن سقوط بغداد كان "شهادة وفاة" لنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين وحده، فيما تشير تداعيات هذا السقوط الكبير لعاصمة الخلافة التاريخية، إلى أن الرئيس العراقي، هو واحد فقط من بين طابور طويل من الشخصيات السياسية والثقافية والصحفية عربية وأجنبية ـ والذي من السابق لأوانه التكهن بنهايته ـ الذين ماتوا سياسيا بـ"السكتة النفطية"، إثر اختفاء صدام من على المشهد السياسي العراقي. ولعل كلمة "الكاشفة" هي أقرب التعبيرات إلى الصدق متى شئنا وصف الحملة الأنجلو ـ أمريكية على العراق ، لقد اختلف الشركاء على الكعكة، وطفق كل منهم يفضح سر شريكه ، سواء داخل الإدارة الأمريكية أو في العالم العربي . و لئن كان الخلاف بين الجمهوريين و الديمقراطيين بالولايات المتحدة ، كشف عن فضيحة إسناد عقود اعمار العراق لشركات ترتبط مصلحيا و إداريا و ماليا بما أطلق عليهم الكاتب الأمريكي المعارض جور فيدال اسم "عصابة غير منتخبة من رجال البترول و الغاز" و يقصد بهم القيادات المتنفذة داخل الإدارة الأمريكية و على رأسهم جورج بوش و نائبه ديك تشيني و مستشارته للأمن القومي كوندليزا رايس ، فإن الخلاف في العالم العربي بين ما يسمون "أيتام صدام" و "عملاء واشنطن" ، كشف عن عالم الابتزاز و شراء الذمم ، و عروض الإغراء و الغواية   و سيناريوهات نهب ثروات العراق و ابتلاعها : سواء بيد أجنبية أو بكروش عربية. حتى بات من الصعب الفصل بين ضيوف "موائد صدام" من العرب ، و بين عصابات الغاز و النفط بالإدارة الأمريكية ، فكلما عمد الأمريكيون إلى تسريب قوائم تشمل أسماء هؤلاء الضيوف ، سارع من شملتهم القائمة بالتصرف على طريقة المثل الشعبي :" من كان بيته من زجاج .. فلا يقذف الآخرين بالحجارة" ! . ففي معرض رده على صحيفة المدى العراقية التي أوردت اسمه من بين الذين حصلوا على كوبونات نفط عراقية ، قال المعارض الأردني المعروف ليث شبيلات :"‘إنه من الأفضل النظر لعمليات النهب التي تحدث لثروة العراق حاليا ، فشركة هاليبروتون التي يملكها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني حصلت من إدارة احتلال العراق على عقود بقيمة مليار دولار ، فباعت حقوق الاعمار لشركة محلية بـ 400 مليون دولار و قامت هذه بدورها ببيع الحقوق إلى شركة أصغر لتقوم بتنفيذ العقود مقابل 25 مليون دولار فقط ، و هو ما يعني أن عقدا واحدا تم فيه نهب 975 مليون دولار " . و اللافت أيضا أن الخلافات بين الطرفين ، دفعت البعض إلى ما يشبه "الفضفضة بالكلام" و هتك ستر حكومات عربية ، لم تتردد في تقديم رشاوى مالية و عينية كبيرة ليس فقط لشراء ولاء مثقفين أو سياسيين من جنسيات عربية أخرى ، و إنما لشخصيات تنتمي لنفس الدولة التي تحكمها تلك الأنظمة، و في هذا الإطار قالت النائبة السابقة بالبرلمان الأردني توجان الفيصل ـ و التي ورد اسمها بقائمة "المدى" العراقية ـ في تصريح لها لقناة "أبو ظبي" أذيع في 7/2/2004 " إنها سبق و رفضت قبول رشوة قدرها 3 مليون دولار بالإضافة إلى هدايا متنوعة مثل السيارات الفاخرة من الحكومة الأردنية السابقة ، فما الذي يجبرها على قبول رشوة من النظام العراقي؟". ولا ندري حتى الآن سر ردود الفعل الواسعة على ما نشرته جريدة المدى العراقية في (   )، رغم أنها لم تكن صاحبة السبق في نشر القائمة المثيرة للجدل ، إذ سبق لصحيفة " ويكلي ستاندارد‏" الأمريكية أن نشرت في 5/5/2003 تقريرا كتبه "ستيفان هايز" بعنوان‏: ‏"فلوس صدام" و الذي اتهم النائب العمالي البريطاني "جورج جالاوي" و بعض النواب في الكونجرس الأمريكي بالاسترزاق من نظام صدام حسين و كان كان أخطر ما في التقرير ما نقله المحرر على لسان جان مايرز وجيرالدين بروكز المحررين في صحيفة وول ستريت جورنال واللذين أكدا أن صدام حسين يمتلك آلة إعلامية جبارة يمولها بوسائل متعددة للتأثير على الرأي العام في العالم العربي وإن إستراتيجيته في تفعيل هذه الآلة تتنوع ما بين تمويل الإصدارات المؤيدة له وإغراق كبار الكتاب والمثقفين العرب بالهدايا والأموال‏.كما نقل التقرير عن طارق المضرم وسلامة نعمات قولهما إن صدام ظل يغدق على الصحفيين العرب في عمان وبيروت والقاهرة حتى قبيل سقوط بغداد بأيام وقال نعمات الصحفي الأردني إن أبرز الرشاوى التي كان يعرضها صدام علي كبار الكتاب في الأردن ولبنان كانت تتمثل في السيارات الفارهة‏ (‏مرسيدس غالبا وتويوتا للأقل شأنا‏)‏ والشقق والفيلات السكنية والساعات الذهبية عدا الأموال السائلة وعقود طباعة الكتب للمؤسسات الصحفية التي تتسم بقدر من الولاء للفكر البعثي وأكد نعمات أن ما قام به صدام في الأردن ولبنان كان يحدث مثله لكن بطرق ووسائل مغايرة مع بعض الصحفيين والسياسيين في مصر واليمن وموريتانيا‏.
و في اليوم التالي 6/5/2003 نشرت شبكة "جلوبال فيجن" الاخبارية المستقلة تقريرا مشابها ، مشيرا إلى أنه في حالة مصر فإن مجرد نشر المخابرات الأمريكية لما في حوزتها من وثائق المخابرات العراقية قد يفضي بعدد من الصحفيين والسياسيين المصريين للإعدام ‏(في إشارة للعقوبة المنصوص عليها في القانون المصري على جريمة التخابر‏)!، فيما نشر موقع "مهاجر دوت كوم" قائمة تضم أسماء صحفيين وسياسيين ورجال أعمال وفنانين من دول مختلفة‏!!، كان اللافت فيها هو أن التيار الناصري كان الأكثر حضورا على "موائد صدام" بحسب ما ورد بالقائمة مثل نجاح واكيم اللبناني وعبد الملك المخلوفي الأمين العام للتنظيم الناصري في اليمن ، و النائب الناصري بالبرلمان المصري حمدين صباحي و غيرهم . و يبدو أن إحالة القائمة إلى مصادر أمريكية ، خلف قدرا من عدم الحماس للتعليق عليها بادئ الأمر خاصة و أن البعض سيعتبرها "مؤامرة أمريكية" للإساءة إلى من وقفوا مع الشعب العراقي في محنته .فيما كان الأمر مختلفا في حالة القائمة التي نشرتها "المدى" ، صحيح أن الأخيرة متهمة بولائها لمجلس الحكم الانتقالي المعين من قبل سلطات الاحتلال ، إلا أن الوثيقة التي نشرتها كان مصدق عليها من جهات عراقية رسمية ، و نشرت في العراق و تلقتها بلهفة مؤسسات إعلامية عربية واسعة الانتشار و على خلافات عميقة و عنيفة في جانب منها مع معظم الصحفيين و السياسيين الذين وردت أسمائهم في القائمة ، و أعادت نشرها أو التعليق عليها ، بخطاب فضائحي يعكس رغبة في التشفي و تصفية الحسابات ، و لعل ذلك ما جعل رد الفعل على ما نشرته "المدى" العراقية مختلفا عن نظيره الذي نشرته صحف و مواقع إخبارية على الانترنت محسوبة على الـ" سي آي أيه" . و أيا ما كان الأمر فإن تحقيقا صحفيا نشر بجريدة الأهرام المصرية في 30/5/2003 ، كشف عن آليات " التوظيف الدعائي" للمثقفين لخدمة سياسات الأنظمة العربية بغض النظر عن شرعية أو مدى استقامة تلك السياسات ، و كيفية تقديم الرشاوى بطرق ملتوية للحيلولة دون الوقوع في شرك المساءلة القانونية ، ففي التقرير الذي نشرته شبكة جلوبال فيجن جاء هذا النص   
إن المكتب الإعلامي للرئيس العراقي المخلوع كان يحتفظ بأرشيف هائل من قصاصات الصحف التي تدعم تصوراته وأفكاره وتنشرها في الأوساط غير العراقية وأن كتّاب هذه المقالات كانوا يكافأون برواتب شهرية ودعم مالي للصحف التي تصدر بهذه المقالات في صورة شراء نسخ محدودة بمبالغ فلكية لكن الأخطر في هذا التقرير قوله‏:‏ إن عددا من المسئولين عن التعامل مع هؤلاء الكتاب والصحفيين وتوصيل الأموال إليهم هم حاليا أسري في أيدي القوات الأمريكية وأنه يتم استجوابهم بشأن التفاصيل الدقيقة‏"!!، و في هذا السياق و على سبيل المثال نقلت صحيفة الأهرام القاهرية في تحقيقها المشار إليه فيما تقدم ، عن ما وصفته بأنه مصدر موثوق قوله إن محمد حلمي رئيس تحرير صحيفة "الصحوة العربية" ، و هي صحيفة مغمورة لا يكاد يعرفها أحد و تصدر بترخيص من لندن و تصدر في القاهرة ، قد حصل على 35 ألف دولار نظير ثلاثة أعداد أرسلت إلى بغداد عبر الأردن باتفاق مع وزارة الأعلام العراقية ، و ان أحد الناصرين المصريين أصدر كتابا عبارة عن مقالات كتبها عن العراق وصدام ونظام البعث وأنه قد أرسل منه إلى العراق نحو ألفي نسخة تقاضي عنها ‏200‏ ألف دولار والكتاب ثمنه في مصر ‏20‏ جنيها. و أما فيما يتعلق بالصحفي البرلماني حمدين صباحي يؤكد محرر التحقيق بجريدة القاهرة ، أنه من الثابت بالوثائق أنه تعاقد منذ أكثر من خمس سنوات مع الفضائية العراقية على أن يرسل إليهم برامج تليفزيونية ورسائل مصورة من مكتبه الإعلامي في القاهرة وأنه أنتج بالفعل أعمالا تليفزيونية لصالح النظام العراقي ووزارة الإعلام العراقية كان أشهرها الفيلم الذي أنتجه بالاشتراك مع فنانة عربية معروفة‏.‏
لكن القنبلة الحقيقية هي تلك التي قام بتفجيرها الكاتب العراقي قاسم خضير عباس الذي كتب في موقعين على الإنترنت‏ (واحد منهما هو موقع وكالة الأنباء الشيعية‏)‏ أن أبرز من نظموا مؤتمر القاهرة الدولي لدعم صدام حسين وهو المؤتمر الذي انعقد قبيل انفجار الحرب وحضره الزعيم الجزائري أحمد بن بيللا كان هو عضو بالبرلمان حصل علي توكيلات لتصدير بضائع إلي العراق بعشرات الملايين ‏(والعهدة على الكاتب العراقي‏)‏ ومضي يقول إن رئيس تحرير صحيفة أسبوعية وشخصية عربية أخرى شاركا مع النائب الناصري (بقصد حمدين صباحي) في الإعداد لهذا المؤتمر وأن رجل أعمال مصريا معروفا هو وعماد الجلدة قاما بتسليم خمسة ملايين دولار بأمر من النائب الناصري للمشرفين علي هذا المؤتمر وأنه لوحظ خلال هذا المؤتمر الذي عقد في واحد من أفخم فنادق القاهرة أن السيد ناجي الشهابي رئيس حزب الجيل كان يبكي بشدة لفترات طويلة في المؤتمر وهو يجلس إلى جوار مسئول عراقي كبير‏. والحال أن سقوط بغداد سيعيد بلا شك إمكانية فتح ملفات كان مسكوتا عنها فيما مضى وفرض حالة مخاض سياسي جديدة ، يجري بمقتضاها و بشكل عفوي و تلقائي عمليات فرز واسعة النطاق ، للقوى و التيارات السياسية العربية، ربما تفضي في نهاية المطاف إلى وضع الحدود و الفواصل بين ماهو "وطني" و ما هو "مرتزق" و على النحو الذي يعيد الاعتبار للقوى الوطنية الحقيقية التي همشها و على مدى نصف قرن الخطاب الغوغائي الذي أسسه الناصريون و القوميون و البعثيون و ما شابه ذلك، وربما تعز أقواما و تزل آخرين ، كانوا يوما ما في صدارة الأمة يدافعون عنها بالنهار و أمام كاميرات التلفيزيون، ويسرقونها بالليل وخلف الأبواب المغلقة.‏

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

Abdel Hady A.Hamid

لقد تاجروا بشعارات العروبة وأضاعوها وقبضوا الثمن وتاجروا بفلسطين وأهدروها أو كادوا ,انهم لأيتمنون اليوم عودة صدام بمنتهى البجاحة والوقاحة صحيح اللى اختشوا ماتوا