إلى أين يتجه الصراع على خريطة أنابيب النفط؟!

2004-2-17 | إلى أين يتجه الصراع على خريطة أنابيب النفط؟!
يُراد لنا أن ننام مبكرا لنعاني ويلات الكابوس المزعج نفسه أكثر من مرة، وأن نتأمل ما يجري في حياتنا أمام أعيننا، كأننا نشاهد الفيلم المرعب ذاته يتكرر عشرين مرة، من دون أن نملك إرادة التحرر من قبضته الوحشية المطبقة على أعناقنا.
لقد برز على الساحة الدولية لاعبون جدد يمارسون اللعبة نفسها، ولكن بقواعد جديدة لينهبوا خيرات شعوب أخرى ويحتلوا دولاً أكثر ثراء من تلك التي جُرب بها الأمر نفسه في اللعبة الكبرى القديمة؟
إن ما حدث من غزو عراقي للكويت ثم طرد للجيش العراقي من الكويت ثم احتلال العراق، وما وقع في البوسنة، وما يجري في دول أخرى حول العالم ما هو إلا سيناريو مكرر حدث نظيره أو شبيهه في القرن التاسع عشر ومطلوب منا أن نقرأه مرة أخرى بأبطال جدد وضحايا آخرين.
النفط بعد أن كان يوما مصدر ثروة البشرية، تحول النفط إلى "دموع الشيطان"، فالصراع حول السيطرة على ما تبقى من احتياطي الطاقة في العالم بلغ ذروته، ووصل إلى صراعات دموية، ولم تكن الحرب في العراق سوى أحدث الأمثلة على ذلك. فآسيا الوسطى تعرف باسم "الثقب الأسود للأرض" بسبب الأحداث التي شهدتها القرن الماضي، وعلى سبيل المثال فإن بحر قزوين يحتوي على أضخم كمية من النفط والغاز وتكاد تكون ممتدة بلا انتهاء. ويقدر احتياطي النفط بنحو 100 مليار برميل من النفط الخام في جمهوريتي كازاخستان واذربيجان وحدهما. وتم تثبيت الأوتاد والدعائم المتمثلة في إقامة القواعد ونشر القوات. وفي محاولة للتخلص من الاعتماد على مصادر الطاقة الخارجية المهددة، بدأت الولايات المتحدة تدخل في صراع جديد ضد روسيا والصين وإيران من أجل السيطرة على منطقة بحر قزوين ومواردها وطرق الأنابيب الخارجة منها. ولكن ما زاد من التعقيدات المتراكمة في أرض المعركة وجود شركات الطاقة الوطنية، التي لها جدول أعمالها ولديها أجهزة ومعدات ضخمة من الطراز الغربي، وقد سيطرت، وأحكمت قبضتها في المنطقة، بالفعل، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
بعد ظهر يوم السادس عشر من ديسمبر عام 2001 بدأت طائرة تابعة للقوات الجوية الأمريكية من طراز سي ـ 17 في الهبوط في سهول آسيا الوسطى، وعلى متنها الجنرال كريستوفر كيللي البالغ من العمر خمسين عاما. وكانت له مهمة محددة، وهي أن ينشيء قاعدة جوية أمريكية في جمهورية قرغيزستان الصغيرة لتكون بذلك أول قوات أمريكية تتمركز في مهمة قتالية على أراضي الاتحاد السوفييتي السابق. أما أعداء الولايات المتحدة الذين ستحاربهم قواتها فهم يتمثلون في قوات طالبان وعناصر شبكة القاعدة في أفغانستان التي تقع على بعد أكثر من ستمئة ميل جنوب جبال أفغانستان.
قبل وصول الطائرة بيومين ظل العمال يعملون على مدار الساعة من جل تنظيف مهبط للطائرة، وقال كيللي لنفسه وهو يسير على الجليد: من كان يعتقد خلال الحرب الباردة أنه يمكن أن أصل إلى هذا المكان؟ وأضاف: في غضون أسابيع لابد من الانتهاء من إنشاء قاعدة تسع قوات قوامها ثلاثة آلاف جندي في المطار، تلك هي المعركة، تلك هي الصفقة الحقيقية. الجنرال كيللي هو نتاج تحالف أمريكي جديد مع جمهورية تابعة للاتحاد السوفييتي السابق، تلك الشراكة التي لم يكن أحد يتصور حدوثها قبل سنوات قليلة. أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحملة الأمريكية على أفغانستان ساهمت في دفع آسيا الوسطى - تلك المنطقة التي كانت حتى قبل عشر سنوات منعزلة مثل بقية دول البلقان - إلى بؤرة اهتمام العالم أجمع.

الأقاليم الشاسعة بين الشواطيء الشرقية لبحر قزوين وقمم جبال بامير معروفة منذ زمن بعيد بأنها "الثقب الأسود في العالم". ولأكثر من سبعين عاماً من الحكم السوفييتي، كانت المنطقة الواقعة حول بحر قزوين (أضخم بحيرة داخل اليابسة في العالم) معزولة عن الغرب ومحظور دخول الأجانب إليها.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1992 حصلت ثماني جمهوريات من منطقة القوقاز وآسيا الوسطى هي: جورجيا وأرمينيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان على استقلال رسمي وفتحت حدودها لجيرانها الجنوبيين وللصين في الشرق. كان الهدف من ذلك إقامة علاقات سياسية واقتصادية جديدة تمهيداً للتحول التدريجي السهل إلى النظم الرأسمالية. وبدلا من أن تسير على الطريق نفسه، فإن معظم الجمهوريات السوفييتية السابقة في منطقة بحر قزوين لا يزال يحكمها جنرالات الـ "كي جي بي" والشيوعيون السابقون الذين احترفوا فن الخطابة الوطني من أجل استعادة السيطرة الدكتاتورية على دول لا تزال تبحث عن هويتها الوطنية. وفي الوقت نفسه فإن الدول المستقلة تحاول أن تخلص نفسها من قبضة موسكو المحكمة، وبدأت البحث عن حلفاء جدد. الحرب ضد القاعدة ركزت انتباه العالم على منطقة بحر قزوين، باعتباره منطقة ذات أهمية استراتيجية. ومع ذلك فإن الحرب الأمريكية على أفغانستان ليست إلا مجرد حادث عارض رغم أهميته في صراع أكبر، هو اللعبة الكبرى الجديدة.
ظهر اصطلاح "اللعبة الكبرى" في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وهو يعكس عرضا آخر للفيلم الشهير الذي يحمل العنوان نفسه، ومثلما حدث في الفيلم فإن الامبراطورية البريطانية وروسيا القيصرية كانتا تتصارعان على السيطرة على آسيا الوسطى. وعندما غزت جيوش القيصر منطقة القوقاز، وأخضعت القبائل في تركمانستان، اعتبرت لندن وكلكتا ذلك تهديدا لدرة التاج البريطاني، وفي المقابل فإن الحكومة الروسية تخوفت من أن البريطانيين قد يثيرون القبائل المسلمة في آسيا الوسطى ويدفعونها للتمرد على السيطرة الروسية. كلتا الإمبراطوريتين كانتا تتنافسان للسيطرة على أفغانستان التي كان موقعها المتوسط مغرياً لإقامة قاعدة استراتيجية يمكن عن طريقها غزو الهند أو تركمانستان، وعلم لورد جورج كيرزون، نائب الملك عام 1898 بوضوح طبيعة الفخ الذي سيقع فيه البريطانيون في غمار اللعبة الكبرى، تركمانستان وأفغانستان ومنطقة القوقاز وإيران، هناك بريق خاص لهذه الأسماء وجاذبية ليس لها مثيل. يقول اللورد جورج كيرزون: بالنسبة لي، فإنني اعترف بأن هذه الأسماء مجرد قطع شطرنج يتم تحريكها في لعبة تستهدف السيطرة على العالم.
اليوم، وبعد مرور أكثر من مئة عام، فإن القوى الكبرى تعود لتتمركز مرة أخرى للسيطرة على قلب آسيا التي أصبحت تعاني من فراغ القوة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق. وهناك لاعبون مختلفون وقواعد أخرى للعبة الجديدة ربما كانت أكثر تعقيدا من قواعد تلك اللعبة القديمة التي عرفتها المنطقة قبل قرن مضى. وأهم هذه القواعد الجديدة هي أن الولايات المتحدة انتزعت الدور الذي كانت تقوم به بريطانيا.
وإلى جانب وجود الروس بصفة دائمة في اللعبتين القديمة والجديدة، هناك أيضا قوى إقليمية لها حضورها، مثل الصين وإيران وتركيا وباكستان، دخلت الملعب وكذلك الشركات عابرة القوميات (التي تتجاوز ميزانياتها ميزانية العديد من دول آسيا الوسطى) دفعت أيضاً بمصالحها واستراتيجياتها، وإن ابرز اختلاف في اللعبة الكبرى التي تجري حالياً هو طبيعة الغنائم.
ففي وقت الصراع خلال العصر الفيكتوري كانت لندن وسان بطرسبيرغ تتنافسان للاستيلاء على الموارد الطبيعية للهند، أما اللعبة الكبرى الجديدة فإنها تركز على احتياطي الطاقة في منطقة قزوين وخاصة النفط والغاز. فعلى شواطئ تلك المنطقة وفي قاع مياهها توجد أضخم موارد الطاقة في العالم، وتكاد تكون لا نهائية، أي يصعب حصرها، ولا يعرف أحد حجمها على وجه الدقة، وتتراوح تقديرات حجم هذه الطاقة بين 50 ملياراً إلى 110 مليارات برميل من النفط ومن 170 تريليوناً إلى 463 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. وتؤكد وزارة الطاقة الأمريكية وجود 243 مليار برميل من احتياطي النفط. وفي صيف عام 2000 تم اكتشاف حقل كاشجان العملاق للنفط على شواطئ كازاخستان، ويُعتقد أنه من بين أضخم 5 حقول نفط على وجه الأرض. وقد وقعت الشركات عابرة الحدود عقوداً مربحة واستثمرت نحو 30 مليار دولار لإنشاء محطات إنتاج للنفط إلى جانب بضع مئات المليارات من الدولارات الأخرى استثمارات إضافية.ولأن روسيا في عصر ما بعد الشيوعية وحقول النفط السعودية المملوكة للدولة لا توفر سوى فرص قليلة للمشروعات المشتركة، فإن الطفرة النفطية في بحر قزوين أصبحت الدجاجة التي تبيض ذهباً بالنسبة لشركات النفط.
العسكريون البريطانيون والروس في القرن التاسع عشر الذين واجهوا بعضهم البعض في طريق الحرير القديم وهم يتخفون في صورة مكتشفين وراسمي خرائط حل محلهم مغامرون جدد، جيولوجيون ومهندسو نفط لتبدأ "جولة" جديدة.
وقد صرح نائب الرئيس الأمريكي الحالي ديك تشيني في خطاب أمام اجتماع لمسئولي صناعة النفط عُقد في واشنطن عام 1998، عندما كان لا يزال يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة هاليبرتون للإمدادات النفطية بقوله: "لم أكن أتصور أن يجيء وقت تظهر فيه فجأة منطقة تصبح في غاية الأهمية الاستراتيجية مثلما حدث في بحر قزوين". والآن فإن ديك تشيني نفسه نائب الرئيس الأمريكي هو أحد الرجال المؤثرين في دائرة المقربين للرئيس بوش الذي يعتبر هو الآخر قطباً نفطياً في ولاية تكساس الذي كتب في مذكراته الشخصية عام 1999: إنني مغرم جدا بصناعة النفط، وكل اصدقائي يعملون بشكل أو بآخر في صناعة النفط. وفور تسلمه مهام منصبه، جعلت إدارة بوش السياسات النفطية هي على رأس قائمة الأولويات في الولايات المتحدة التي يبلغ عدد سكانها 4% من سكان العالم ويستهلكون أكثر من 25% من إجمالي الطاقة في العالم. في مايو 2001 قدم ديك تشيني تقريرا عن سياسة الطاقة القومية تناول كيفية تأمين الاحتياجات النفطية للطاقة خلال الخمسة وعشرين عاماً المقبلة. ومن أجل إعداد هذا التقرير اجتمع تشيني مع الزعماء من رجال الأعمال الأمريكيين خلف أبواب مغلقة، وقامت إدارة بوش بتصنيف الشخصيات التي حضرت هذا الاجتماع، وبكتابة محضر الاجتماع، وهو أمر لا يحدث إلا إذا كان الأمن القومي الأمريكي في مأزق. وقد اقترح الكاتبون الرسميون لهذا التقرير وهم أعضاء لجنة كانت تضم من بين أعضائها كولن باول وزير الخارجية، أن يجعل الرئيس موضوع تأمين الطاقة هو الموضوع الأول سواء بالنسبة للتجارة أو بالنسبة للسياسة الخارجية الاميركية.
وذكر التقرير أنه مع الاعتراف بأن الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط سوف تبقى محورية بالنسبة للأمن النفطي العالمي وأن منطقة الخليج سوف تحظى بتركيز خاص من جانب سياسة الطاقة العالمية للولايات المتحدة، إلا أن الاهتمام بالنفط سوف يكون عالميا، وذلك بالتركيز على المناطق الحالية والناشئة التي سيكون لها أثر بالغ في توازن الطاقة العالمي. وحدد التقرير منطقة بحر قزوين باعتبارها منطقة إمداد للطاقة جديدة وسريعة النمو. وأيد التقرير وجود حوار تجاري عميق مع كازاخستان وأذربيجان ودول قزوين.
صحيح أن معظم الإمدادات النفطية العالمية تأتي من الخليج، لكن السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا أصبحت منطقة بحر قزوين بهذه الأهمية في جهود الولايات المتحدة؟، ربما لاعتبارات هامة منها، تقليل اعتمادها على دول الاوبيك، ثم ظهور مخاطر الاعتماد على نفط الخليج في أغسطس 1990 عندما غزا صدام حسين الكويت، الذي استطاع من خلال هذا الغزو أن يسيطر لفترة محددة على خمس احتياطي النفط في العالم. ثم إن منطقة الخليج تقدم حوالي خمس واردات الولايات المتحدة من النفط الخام يوميا، والتي تبلغ 11 مليون برميل وهو ما يفي بنصف إجمالي ما تحتاجه الولايات المتحدة والطاقة. وسوف ينخفض إنتاج الولايات المتحدة بنسبة 12% بحلول العقد المقبل، وعن طريق ما تستورده من نفط تستطيع أن تفي بثلثي ما تحتاجه من طاقة بحلول عام 2020. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطفرة الاقتصادية في بعض الدول مثل الصين والهند، من المحتمل أن تؤدي إلى ارتفاع الاستهلاك العالمي للطاقة يومياً من 73 مليون برميل إلى 90 مليوناً عام 2020 وفقا لما أعلنته وكالة الطاقة العلمية.
وفي حين أن كثيرا من آبار النفط خارج الشرق الأوسط على وشك النضوب، فإن "اوبيك" سوف توسع نطاق مشاركتها في السوق العلمي إلى أكثر من 60%. وسوف يؤدي ذلك إلى تقوية وضع السعودية التي تستحوذ على رُبع احتياطي النفط العالمي الأمر الذي يجعلها في وضع يسمح لها بتحديد سعر النفط في الغرب. ومن أجل تعويض خسائر الإنتاج مثل تلك التي حدثت أثناء المشكلات السياسية في فنزويلا، تستطيع السعودية في غضون أسابيع أن ترفع إنتاجها من 8 ملايين برميل يومياً إلى 5,10 ملايين برميل يومياً.
وفي محاولة لتقليل اعتمادها على النفط الخارجي، فإن الولايات المتحدة بدأت منذ سنوات في إتباع سياسة تنويع مصادر الطاقة وهذه السياسة تسعى إلى تأمين السيطرة على منابع النفط خارج منطقة الشرق الأوسط "غير المستقرة".
وقد وصف بيل ريتشاردسون وزير الطاقة في عهد كلينتون كيف أن منطقة قزوين تناسب هذه الاستراتيجية قائلاً: تلك هي سياسة الولايات المتحدة في تحقيق أمن الطاقة اعتماداً على تنويع مصادر النفط والغاز في جميع أنحاء العالم، ليس هذا فقط ولكن أيضاً لابد من أن نمنع الغزوات الاستراتيجية عن طريق أولئك الذين يشاركوننا القيم نفسها. وأضاف: إننا نحاول أن نحرك تلك الدول المستقلة حديثاً تجاه الغرب.. ونريد أن نراهم وهم يعتمدون كلياً على المصالح الاقتصادية والسياسية الغربية بدلاً من أن يتجهوا إلى طريق آخر. وقال أيضاً: "لقد أنشأنا استثمارات سياسية إضافية في منطقة قزوين ومن المهم جداً بالنسبة لنا أن تتجه خريطة أنابيب النفط والخريطة السياسية وفق ما نريد نحن!!".
أما خريطة أنابيب النفط التي يسير إليها ريتشاردسون فهي من أهم العناصر المثيرة للجدل في اللعبة الكبرى الجديدة وطوال السنوات العشرين الماضية أدت هذه الخريطة إلى صراع وحرب في منطقة القوقاز وكذلك في آسيا الوسطى والتي لم تنته حتى الآن.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر