آخر الأخبار

الإخوان المسلمون في العراق وأسئلة التاريخ

2004-1-1 | إبراهيم غرايبة الإخوان المسلمون في العراق وأسئلة التاريخ
تبدو مشاركة الإخوان المسلمين العراقيين في مجلس الحكم الانتقالي لحظة تاريخية ستظل تخضع للدراسة والتحليل، وموضع اختلاف بين الخطأ والصواب، والضرر الأكبر والأصغر، والنفع الأكثر والأقل.
وربما كانت هذه المشاركة مفاجئة للمحللين والمراقبين للشأن العراقي والإسلامي، فالحركة الإسلامية العراقية تبدو كما لو أدارت ظهرها لتاريخها الطويل في الدعوة والمعارضة والبعد عن الغنائم واختيار العزائم والمصالح العامة ورفض الاحتلال، ولعلها أدارت ظهرها للمستقبل حين يرحل الاحتلال، وحين يمضي الناس إلى التاريخ ويبقى العراق.
وبالطبع فإن ثمة من يرد بأن المشاركة هذه ستجلب نفعا كبيرا للعراق والدعوة الإسلامية، وستنقل العمل الإسلامي إلى آفاق جديدة من التجارب، وتحمي مصالح العراق ومستقبله، وتبعده عن الدخلاء والمعزولين، وهي مقولة صحيحة ولا غبار عليها، ولكن ألم يكن الأولى بالحركة الإسلامية أن تبقى لصيقة بالجمهور وقريبة من مؤسساتهم الشعبية بعيدا عن العمل الرسمي فضلا عن العمل مع الأمريكان؟، ففي المساجد والمدارس والجامعات والنقابات والبلديات والمؤسسات الاجتماعية والإعلامية متسع كبير للعمل المجتمعي الحر، وبناء رقابة على مجلس الحكم وغيره من الوزارات والمؤسسات العامة، والبعد عن المغانم والشبهات؟ وربما يقول قائل إن الحركة الإسلامية ليست مؤسس واحدة، فهي الحزب الإسلامي الذي يجب أن يكون مجاله العمل السياسي ومؤسساته، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، والمؤسسات والأعمال الأخرى، وبذلك فإن العمل الإسلامي يتكامل ويشد بعضه بعضا، ولكن برغم ذلك كله، فإن التمييز بين الحزب الإسلامي والإخوان المسلمين أمر صعب إن لم يكن متعذرا، وفي المشاركة في مجلس الحكم ما يسيء إلى العمل الإسلامي كله مهما كانت ساحاته وأوعيته، ويثير انقساما واختلافا كبيرا، وقد يبعد الناس من جمهور الحركة الإسلامية عنها، ويفقدها ثقتهم، وقد تكون بداية لانحسار كبير.
ففي الوقت الذي يخوض فيه الشعب العراقي مقاومة باسلة وجريئة ضد الاحتلال الأمريكي مع الاعتراض بالطبع على الاعتداء على المدنيين والشرطة العراقية والمؤسسات الدولية، والتي قد تكون من أعمال فئات دخيلة على المقاومة، ولعلها وهذا الراجح لصالح دول وجهات اخترقت المقاومة أو ادعتها بهدف ضرب استقرار العراق وتأخير استقلاله وخلق مبررات للاحتلال والتعاون معه وإطالة أمد الوضع الاستثنائي في العراق والذي يساعد على ترسيخ مصالح فئة من الناس ومكاسبها، ويقطع الطريق على مستقبل واعد يحقق العدل والحرية والاستقرار في العراق، وربما يكون توافق هذه العمليات مع أخرى في تركيا والسعودية ما يدعو للترجيح بأن ثمة خطة لابتزاز الدول المجاورة للعراق ودفعها للتعاون مع الاحتلال، وخلق مصالح لها في تحالفها مع الولايات المتحدة، في هذا الوقت تختار القوة الرئيسة لأهل السنة في العراق، وطليعة الحركة الإسلامية أن تشارك في مجلس الحكم الانتقالي.
هذه المقالة تهدف إلى التشجيع على التساؤل والتفكير، ولا تتسرع في الانحياز لموقف أو رؤية، ولكنها محاولة للفهم والتقدير، وربما تكون الحيرة أكثر طمأنينة، وربما تكون التساؤلات أكثر علما وحكمة، ولو كان الموقف واضحا وحاسما، ولكن التقدير والترجيح أمرا بسيطا لانتفت الحاجة إلى الدراسة والتحليل.
بدأ الإخوان المسلمون العمل العلني في العراق عام 1944 باسم جمعية الأخوة الإسلامية بقيادة الشيخ محمد محمود الصواف والشيخ أمجد الزهاوي، ثم أنشأ الإخوان حزبا سياسيا باسم الحزب الإسلامي عام 1960، وبعد مجيء حزب البعث إلى السلطة تعرض الإخوان لملاحقة واعتقل عدد كبير من نشطائهم، وأعدم عدد آخر، مثل عبد العزيز البدري، ومحمد فرج، وعبد العزيز شندالة.
ونشط الإخوان في عمل سري ودعوي، وظهرت في التسعينات موجة إسلامية كبرى تمثلت في التدين والإقبال على المساجد وبناء المساجد بأعداد كبيرة، ونشر الكتاب الإسلامي والأنشطة الإسلامية في المساجد والجامعات، والعمل الخيري والإغاثي والاجتماعي، وكان لضعف النظام السياسي في العراق بعد حرب الخليج الثانية أثر كبير في نشاط الحركة الإسلامية في العراق، فقد تراجعت الملاحقة الأمنية وسمح لهم بالعمل العام والدعوي والاجتماعي.
وبرغم الأهمية والقوة التي أظهرتها الحركة الإسلامية في العراق خلال التسعينات، فإنها تبدو اليوم تعيش صدمة الانتقال وثنائية الخيارات، من السرية إلى العلنية، المقاومة المسلحة والمقاومة السلمية، الحزب الإسلامي والجماعة، العرب السنة والأكراد الذين تنشط بينهم الجماعة، والشيعة والسنة، والداخل والخارج.
يعبر عن الحركة الإسلامية سياسيا الحزب الإسلامي بقيادة د. محسن عبد الحميد، عضو مجلس الحكم الانتقالي، وهو من الإخوان المسلمين وكان يعمل أستاذا جامعيا في جامعة بغداد، وقد سجن في فترة النظام السابق، ثم خرج بوساطة من الشخصيات الإسلامية في الخارج، وبخاصة الدكتور حسن الترابي عندما كان شخصية مهمة في النظام السياسي السوداني، والحزب يتبنى المقاومة السلمية للاحتلال العراقي، وأن مجلس الحكم الانتقالي الذي يشارك فيه يتقدم نحو الاستقلال العراقي بالحوار والتفاهم مع الأمريكان.
تجتهد الحركة الإسلامية كما يقول محسن عبد الحميد في تقديم رؤى ومواقف دستورية لأخذها بالاعتبار عند صياغة الدستور العراقي وعرضه للاستفتاء الشعبي، وستطرح مبدأ أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع، ولكن إذا لم يتحقق ذلك فهذا ليس نهاية المطاف. ويعتقد د. محسن عبد الحميد أن الأمريكان أكثر تفهما وإدراكا للواقع العراقي من قبل، ولعله يرى ذلك من إنجازات مشاركة الحزب الإسلامي في مجلس الحكم، حيث أدرك الأمريكان اليوم أنهم أخطأوا باختيار أغلبية شيعية في المجلس (13 عضوا شيعيا من بين 25)، ويقول إن الشيعة يحاولون إطالة عمر المجلس بتركيبته الحالية لأنهم يدركون أنه فرصتهم الوحيدة لاتخاذ تراتيب نهائية تضمن لهم أغلبية ومكاسب كبيرة يعلمون أنها أكثر من حصتهم العددية. وتتجه الولايات المتحدة بدعم من العرب السنة والأكراد لانتخاب مجلس انتقالي مكون من 250 عضوا يكون بمثابة برلمان يختار الحكومة، ويقر الدستور والتشريعات. يقول عبد الحميد إن المقاومة تضر بالقضية العراقية، وتطيل أمد الاحتلال، وفي المقابل فإن المجلس الانتقالي يقوم بدور سلمي فعال لنقل السيادة للعراقيين.
وكان السيستاني قد أصدر فتوى أو بيانا يدعو فيه إلى انتخابات مباشرة، ويرفض فكرة المجلس الانتقالي، وهو بذلك يستجيب لمطالب شيعية، ترى في الدعوة إلى الانتخابات إطالة لأمد العهد القائم، ويقول محسن عبد الحميد إنه تحدث في المجلس عن عدم إمكانية إخضاع مصير العراق لرأي مجتهد مهما كانت منزلته، ويقول إن كلمته لاقت استحسان معظم أعضاء المجلس، ويبدو أن الساسة الشيعيين وبخاصة المجلس الأعلى يستخدمون فتاوى المرجع السيستاني لتمرير مواقف سياسية، وتأليب عامة الشيعة وإثارتهم ضد من يعارضهم.
ويقول محسن عبد الحميد إن الشيعة لا يمكن أن يكونوا في أقصى تقدير أكثر من ثلث العراقيين، وإنهم يحتلون في هذا المجلس ضعف حصتهم الحقيقية، وهو أمر لا يمكن أن يحدث في انتخابات عادلة.
ويعتقد إياد السامرائي الأمين العام المساعد للحزب الإسلامي أن المقاومة العراقية تخوض معركة يائسة، وأن مسألة توقفها هي مسألة وقت، وقد اعتقل ما يزيد على أحد عشر ألفا ممن يشتبه في انتمائهم للمقاومة (منظمة حقوق الإنسان في العراق تقول إن عدد المعتقلين حوالي ثمانية عشر ألف)، وينفي السامرائي أي علاقة بين الحزب الإسلامي والمقاومة، ويقول إن محاولة الربط بينهما ليست صحيحة، وإن كان يعتقد أن بعض المشاركين في المقاومة هم من الإخوان المسلمين أو من التيار الإسلامي المنتمي إلى الإخوان المسلمين.
وأما الحركة الإسلامية الكردية فقد حسمت أمرها ربما منذ عام 1991، وهي تخوض اليوم معركة الأكراد ومصالحهم، وربما يكون ثمة جدل في الحركة الإسلامية الكردية حول هذه المسألة، ولكن التطبيق العملي يظهر انحيازا لتطلعات الأكراد ولو كانت على حساب وحدة العراق ومصالحه الكبرى، فقد شاركت الحركة الإسلامية الكردية مع بقية الأكراد في التوقيع على طلب بضم مدينة كركوك إلى الإدارة الكردية، وتسعى مع القوى الكردية لتحقيق استقلال عن العراق، أو محاولة استغلال اللحظة القائمة لتعزيز هذا الاستقلال والابتعاد عن العراق الكبير وإلى الأبد. ويبدو أن الكرد المقيمين في بغداد وحتى الذين جاءوا إلى بغداد بعد الاحتلال الأمريكي تغلب عليهم الأفكار الوحدوية أكثر من الاستقلالية السائدة لدى الكرد في الشمال.
يؤيد صلاح الدين بهاء رئيس الاتحاد الإسلامي الكردستاني (الإخوان المسلمون الأكراد) تحالفا سنيا كرديا، ويبدو أيضا أن جلال الدين الطالباني يؤيد هذه الفكرة، وإن كان طالباني يتقرب من الشيعة وإيران، فإن فرص النجاح في التفاهم مع السنة تبدو أكبر برأي بعض قادة الكرد مثل صلاح الدين بهاء، وأخبرني خليل إبراهيم عضو المكتب السياسي للاتحاد الإسلامي أن طالباني يجري مفاوضات مع عشائر السنة لوقف المقاومة مقابل ترتيبات عادلة للسنة في العراق، لأن المقاومة برأيه يعود جزء كبير منها إلى تهميش السنة والاعتداء عليهم.
ولكن هادي العلي وزير العدل في حكومة إربيل، وهو من الاتحاد الإسلامي يحمل وجهات نظر تبدو مخالفة لزملائه في الاتحاد مثل صلاح الدين بهاء وخليل إبراهيم عضو المكتب السياسي، فهو يعتقد أنه لا حاجة للكرد للاندماج في الدولة العراقية، فهم بدون العراق أفضل حالا، ولديهم مواردهم الكافية، وتحرروا من الظلم والهيمنة، وهم (الأكراد) لديهم مخاوف مشروعة من العلاقة مع الآخرين، ولا يأمنون مجيء دكتاتور عراقي جديد، إسلامي أو علماني يعيد اضطهاد وظلم الأكراد. ويشدد العلي على أن الاتحاد الإسلامي حزب كردستاني لا علاقة له بالعراق وليس معنيا بما يدور في بغداد، وعن مشاركة الاتحاد في مجلس الحكم الانتقالي فهو غير مقتنع بها، ولا يرى فائدة تعود من ورائها على الأكراد.
وتتسع الشقة بين المقاومة العراقية والحركة الإسلامية، والرأي العام المؤيد للمقاومة يمضي بعيدا عن الحركة الإسلامية، وإذا استمرت الحالة هذه سنة أخرى أو أكثر فإن الانقسام بين المقاومة والمشاركة سيكون كبيرا، ويتحول إلى انقسام عميق في الصف الإسلامي حتى لو توقفت المقاومة وتحقق الإستقلال.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

عصام طه حسين المشهداني

بسم الله الرحمن الرحيم اعتقدالمشاركه في الحكومه مشاركه صحيحه لكي يثبتواالاخوان منهجهم وعقيدتهم الصحيحه لكي يخدموا ابنائهم من اهل السنه والجماعه والسلام عليكم