آخر الأخبار

التغيير السياسي عند المودودي 5/5 الإصلاح السياسي: معضلة الفكر الإسلامي قديما وحديثا

2003-12-26 | محمد سليمان التغيير السياسي عند المودودي 5/5 الإصلاح السياسي: معضلة الفكر الإسلامي قديما وحديثا
شغلت وتشغل قضية الإصلاح السياسي بال الكثير من المفكر الإسلاميين قديما وحديثا، ومثلت تحديا رئيسا في الخبرة الإسلامية واجه أهل الفقه والفكر منذ بواكير الحكم الأموي تمثل في مدى قدرتهم في استعادة قيم ومفاهيم الممارسة السياسية في عصر الخلفاء الراشدين، وبقيت قضية الإصلاح سؤالا كبيرا وتعددت الاتجاهات في النظر إليها، إلى أن جاء الاستعمار الحديث وأفاق المسلمون على مرحلة تاريخية جديدة ومختلفة بالكلية مع انحسار مظلة الخلافة وتبدي العورات السياسية والاجتماعية والعلمية على العيان، فانطلق أهل الفكر والعلم يبحثون في الداء والدواء، وعادت قضية الإصلاح السياسي إلى قائمة التحديات الأهم التي تواجه الفكر الإسلامي.
        في إطار جدل الإصلاح والتغيير ضمن الخبرة الإسلامية لابد من قراءة مساهمة أبي الأعلى المودودي في الفكر السياسي الإسلامي كي لا يفتئت عليها أي دارس أو باحث في هذا المجال، ومن هنا فإن المنهج التاريخي محدد مهم في مدى إدراكنا للمشكلات التاريخية والحضارية التي حاول الرجل أن يقدم مقاربته في الإجابة عليها، وشكلت هي أيضا محددا يمكن أن يكون أحد المداخل المنهجية الأساسية في قراءة المودودي وإنتاجه.
وفي هذا المقال: حاولت توضيح الجوانب الرئيسة في نظرته لموضوع الإصلاح أو التغيير السياسي، دون محاولة تقييم ذلك تاركا المجال مفتوحا للقاريء الكريم لمناقشة أفكار الرجل وتمحيصها، وسأختم المقال في وضع رؤية المودودي للإصلاح في إطار المقاربات الإسلامية العامة في الإجابة على سؤال التغيير السياسي قديما وحديثا.
-1-
شرعية القوة في مواجهة قوة الشرعية
        منذ بدايات العهد الأموي وبالتحديد مع خلافة يزيد بدأت محاولات الإصلاح والتغيير السياسي، وتمثلت برفض عدد من الصحابة لخلافته ومطالبتهم بإعادة الاعتبار لأسس الشرعية السياسية التي كانت معروفة في خبرة الخلافة الراشدة والمتمثلة بالشورى وبتوافر شروط معينة في المرشح لمسؤولية الخلافة، كما تمثلت برفض مبدأ ولاية العهد خوفا من تحولها إلى كسروية وقيصرية.
        إلاّ أن مختلف المحاولات الإصلاحية فقدت بوصلتها وافتقدت لعناصر النجاح في مواجهة قوة السلطة مما أدى إلى نزيف وجروح عميقة في الأمة الإسلامية، وتمزقها إلى فرق وطوائف وأحزاب، وبدأت تفقد شيئا فشيئا السلم الاجتماعي الداخلي وروح الوحدة التي بثها فيها الدين، ومع مرور الوقت بدأت السياسة تتحول إلى داء خطير يستعصي على العلاج، وقد انقسم الفكر السياسي السني إلى تيارين رئيسين: الأول يرفض الخروج على السلطة ويتمسك بقيم الأمن والطاعة والوحدة، والتيار الثاني ينزع الشرعية عن السلطة ويطالب بتغييرها معليا من قيم الشورى والعدل ومنهج الخلفاء الراشدين في الحكم.
        ولم تكد الثورة العباسية تنجح في إزالة الحكم الأموي والقضاء عليه، حتى نكثت بوعودها وعهودها السابقة وألقت بشعاراتها السابقة ( الشورى، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، موالاة ذرية علي بن أبي طالب ) وأخذت بمنهج الأمويين في الحكم الاستبدادي ونكلت بذرية علي المطالبين بالحكم.
وقد أدت خيبات الأمل المتتالية إلى استقرار العرف الفقهي على رفض الخروج على السلطة تجنبا لنزيف الدماء ودرءا للمفاسد الكبرى التي ترتبت سابقا على محاولات الخروج، وقد زاد الأمر سوءا مع عصر الانفكاك والانهيار منذ بداية العهد العباسي الثاني ( 234ه )؛ إذ شهد هذا العصر البدايات الفعلية للانقسام السياسي وتوزع أزمّة القوة والنفوذ بين عدة مراكز، وتجزأت الدولة الإسلامية إلى عدة دول، كما شهد هذا العصر انتقال مصادر القوة من أيد العرب إلى العناصر الإسلامية غير العربية كالبويهيين والسلاجقة مما كان يهدد وحدة الأمة المعنوية أيضا بالانهيار، فوجد الفقهاء أنفسهم أمام مشكلات سياسية كبرى وظروف تاريخية كانت تدفعهم إلى أحد احتمالين: إما أن يبقوا مصرين على المثالية السياسية الإسلامية وبالتالي يفقدون التماس مع الواقع ويفقدون قدرتهم على البقاء في دائرة الحركة والتأثير، وإما التعامل مع السياسة من باب الضرورات ودرء المفاسد والموازنات، وقد لجأ أغلب الفقهاء إلى الاحتمال الثاني؛ فقبلوا بولاية المتغلب مع الإصرار على الشرط القرشي في الخلافة حماية لعروبتها ووحدتها، كما ترسخ العرف الفقهي بعدم الخروج على الحاكم الفاسق والجائر درءا للمفاسد، وعرف عن المالكية قولهم المأثور "من اشتدت وطأته وجبت طاعته" وقبول فكرة "حاكم ظلوم خير من فتنة تدوم"، وظهرت مفاهيم الشوكة والقوة والعصبية في الفقه السياسي الإسلامي، فابن جماعة - على سبيل المثال – يقول: "إذا انعقدت الإمامة بالشوكة لواحد ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنده: انعزل الأول وصار الثاني إماما.."، وابن خلدون يقول: " إن أحوال الملوك والدول الراسخة والقوية لا يزحزحها ولا يهدم بناءها إلا المطالب القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر".
وتسربت روح القبول بالوضع السياسي الراهن إلى العامة، وظهرت خيبات الأمل بوضوح من الحياة السياسية وتبعاتها، وتمكن داء الاستبداد من الاستقرار في روح الحضارة الإسلامية والتأصل في وجودها الثقافي والسياسي مع مرور الوقت وتقادم الأزمان.
لكن في مقابل الروح السابقة ظهر تمييز لدى العديد من العلماء والمثقفين بين مستويات ثلاث للعمل السياسي: الأول / الخروج على السلطة بداعي غياب الشرعية وضوابط الممارسة السياسية الإسلامية، الثاني / القبول بالسلطة من باب فقه الواقع والضرورات ورفع الحرج، الثالث / الإصلاح السياسي العام في ظل السلطة القائمة في إطار وجود مصادر تهديد تدفع إلى هذا التوجه تتمثل في الغزو الخارجي، وفي خطر التمزق والانقسام وضياع الخلافة بالكلية.
لقد ظهرت في إطار المستوى الثالث عدة محاولات إصلاحية من بينها مدرسة ابن تيمية في الإصلاح الشامل والعمل على استعادة مفاهيم الإسلام وتأثيرها على حياة الناس وسلوكهم، وفي المجال السياسي قامت مدرسته على استنهاض الأمة للدفاع عن أراضيها والجهاد ضد الغزو الخارجي، والضغط السلمي على السلطة السياسية لقيامها بمسئولياتها الشرعية، وليست وفاته في السجن إلا تعبيرا عن محاولته إعادة الاعتبار لنشاط العلماء في المجال السياسي وقيامهم بمسئوليتهم. وكذلك ظهرت مدرسة "أبو حامد الغزالي" في استعادة دور العلماء في الإصلاح السياسي من خلال إعادة بناء مفهوم العلماء العاملين المستقلين عن السلطة وضغوطها والمتمسكين بوظيفة إصلاح الناس وتربيتهم على المفاهيم الإسلامية، في مقابل مفهوم علماء الدنيا والسلطة، وقد ظهرت هذه المقاربة من خلال كتابه "إحياء علوم الدين".
إلاّ أنه ومع الحكم المملوكي والعثماني سادت روح من الكسل والخمول الحضاري وتحققت نبوءة ابن خلدون - بغروب شمس الحضارة الإسلامية – بالتدريج مع انتشار التقليد والجمود الفكري والعلمي والتعصب المذهبي، والجبرية الصوفية، وانتشار العقائد المنحرفة كالقبورية، وغاب الإبداع وانقطعت روح الاجتهاد، وعم الاستبداد السياسي والحكم العسكري أنحاء العالم الإسلامي، وقد وصلت الخبرة الإسلامية إلى مرحلة أشبه ما تكون بعصر الظلمات، وكأن حركة التاريخ قد تجاوزتها..
-2-
دعوات الإصلاح السياسي تظهر من جديد:
مع الانتكاسة الخطيرة والصدمة الكبيرة للعسكرية الإسلامية في مواجهة نابليون بونابرت - تلك المرحلة التي يسجلها بعمق وذكاء المفكر الراحل محمد جلال كشك في كتابه "ودخلت الخيل الأزهر"، وما تلاها من فزع المسلمين من نومهم وقد تخلفوا عن ركب الحضارة مسافة بعيدة، بدأت دعوات ومقاربات الإصلاح العام تظهر من جديد، وعادت قضية الإصلاح السياسي إلى قائمة أولوية التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي، وتعددت الاتجاهات والمقاربات في محاولة الإجابة على سؤال الإصلاح السياسي.
فرفاعة الطهطاوي انطلق من دعوته إلى ضرورة السعي نحو التمدن والحداثة وترك مناهج التقليد والتحرر من الجمود الفكري والمذهبي، أما الأفغاني فقد برزت دعوته الإصلاحية في إطار بث روح الوعي السياسي بالخطر الاستعماري الداهم، والدعوة إلى إصلاح السلطة العثمانية، في حين انطلق الكواكبي من مواجهة الاستبداد السياسي وتحميله مسئولية الحالة المتدهورة التي وصل لها العرب، مع ظهور بوادر الفكرة العربية في مقالاته السياسية، في المقابل دافع الإمام محمد عبده عن فكرة مفادها أن الإصلاح السياسي يمر عبر التربية والتعليم وبعيدا عن الممارسة السياسية المباشرة، واتخذ رشيد رضا من مفهوم الإصلاح الشامل منطلقا في رؤيته السياسية فدعا إلى أنواع الإصلاح الخمسة: الديني والأخلاقي والاجتماعي والعلمي والسياسي. ثم جاء مالك بن نبي ونظر لمفهوم النهضة وشروطها باتجاه جديد ومبتكر في الفكر الإسلامي.
إلاّ أن أغلب المحاولات السابقة كانت في فترة الاستعمار، ولم تترافق مع تنظيمات سياسية حركية تتبناها. في المقابل ظهرت دعوة الإخوان المسلمين وانتشرت في المشرق العربي، واستوعبت عددا كبير من الشباب العربي والمسلم، ونقلت الفكر الإسلامي إلى مجال الحركات الاجتماعية. ومع بداية خروج الاستعمار من البلاد العربية والإسلامية اشتد الصراع على هوية الدول القطرية الحديثة في الداخل، وظهرت الأزمات الداخلية ونما التيار الكبير الذي ينظر إلى الإسلام من منظور علماني يستبعد المفاهيم الإسلامية من ساحة الحياة العامة، و قد امسك هذا التيار بمقاليد الحكم ومؤسسات الدولة القطرية في أغلب الدول مما أدى إلى اشتداد الصراع، وتمحور الجدل الفكري والسياسي حول شمولية المنهج الإسلامي لشؤون الحياة بما في ذلك السياسية والاجتماعية.
في هذه الفترة التي تمثلت في إرهاصات وظروف قيام الدول القطرية وتحديد خيارتها السياسية والاجتماعية والمرحلة السياسية التي تشكلت من خلالها، ظهر النشاط السياسي الفاعل للمودودي، وبالتالي كان التحدي الماثل أمامه بيان شمولية الإسلام ورفض الأفكار العلمانية، وحماية المجتمع من انتشار الطرح التغريبي العلماني من خلال الإعلام والتعليم والدعوات الثقافية، وكان هذا التحدي غاية في الخطورة ، وقد تشابه في المشرق والمغرب، فتمسكت كل من جماعة الأخوان والحركات الإسلامية في العالم العربي وقد ظهرت شخصية سيد قطب، وجماعة المودودي في شبه القارة الهندية بمفاهيم الحاكمية، وأهمية البعد السياسي في الإسلام، وقد تكون هذه من الأسباب التي تشرح غلبة الجانب السياسي في تصور كل من المودودي وقطب ، ولعل هذا الانتقاد الصريح الذي وجهه الندوي إلى المودودي في كتابه " التفسير السياسي للإسلام " .
لقد جاء نشاط المودودي في هذه الفترة المحتدمة من الصراع والدعوات التغريبية وكان لكتاباته دور كبير في الوعي واليقظة بشمولية الإسلام ومنهجه في مختلف شؤون الحياة، وقد ساعد على الأثر الكبير لفكر المودودي عدة عوامل أهمها: شخصيته الجامعة للملكات الفكرية المتميزة والقدرة على الإبداع في هذا المجال، و للقدرة الحركية على الجهاد العملي وتكوين الحركة والعمل الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى إطلاعه المبكر على الحضارة الغربية ومفاهيمها الحاكمة مع إلمامه بالفكر الإسلامي بشكل عميق.
باعتقادي الشخصي أن إدراك الفترة التاريخية التي شكلت الإطار العام لتفكير الرجل والمشكلات التي واجهته في فكره وحركته، ستساعدنا على إدراك مساهمته المعرفية والعملية في الفكر الإسلامي الحديث، وفهم الكثير من الملاحظات التي تؤخذ عليه، وبالتالي يمكن من خلال ذلك التمييز بين ما يمكن أن نستفيد فيه من مساهمته وما يمكن ربطه بالظروف التاريخية. ومما لا شك فيه أن المودودي نفسه الذي كتب بشكل واسع في ذروة الصراع السياسي الداخلي كان سيعدل كثيرا من أرائه وأفكاره في عصر المعلومات وتداعيات العولمة، وبالتحديد في مجال التغيير السياسي وقصره على الحركات، والدور المركزي للسلطة السياسية، والتسييس المبالغ فيه للمفاهيم الدينية، خاصة مع ظهور مفهوم المجتمع المدني وتداعي أركان السلطة المركزية..الخ ، وهذا وذاك يقود إلى مناقشة موضوع الوظيفة السياسية للدين : بين الصراع مع السلطات ومؤسسات الحكم في المجتمعات العربية والمسلمة وبين تعزيز مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان والمسؤولية المدنية والأخلاقية ..، كما يدفع كذلك إلى مناقشة أعمق لمفهوم الدولة الإسلامية الذي نظّر له سيد قطب والمودودي و مناقشة كثير من الإدراكات لمختلف المفاهيم السياسية الإسلامية.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر