آخر الأخبار

التغيير السياسي عند المودودي..3/3

2003-12-13 | محمد سليمان التغيير السياسي عند المودودي..3/3
3- منهج التغيير السياسي وأدواته:
        ينطلق المودودي في تحديده لمنهج التغيير السياسي وأدواته المطلوبة في تغيير الواقع في ضوء المنظور الحضاري الإسلامي، من عدة منطلقات وأسس، أبرزها:
        - التغيير السياسي يهدف إلى الدولة الإسلامية: لا يمكن أن تتحقق عبودية الله في الأرض أو أن ينفصل إيمان الإنسان المسلم عن إقامة شرع الله في الأرض والوصول إلى الحالة التي تتمكن فيها الأمة والشعوب المسلمة من تحقيق المعاني الكاملة لمفهوم العبودية؛ الذي يقوم على الاعتراف بربوبية الله وألوهيته من خلال سيادة قانونه الإلهي في الدولة والمجتمع، بأن يكون القانون الإلهي هو مصدر التشريع الوحيد، والقانون الوحيد المطبق في المجتمع، ويطلق المودودي على الدولة الإسلامية مصطلح الدولة الفكرية، ويرى أن على كل مسلم آمن بالله عز وجل إيمانا حقا أن يسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية، ويعتبر أن كل مسلم هو عضو في حزب الله الذي يجب أن يجاهد ويعمل ما بوسعه لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يتحقق ذلك يغير إقامة الدولة الإسلامية، التي تقيم الشرع وتنشر الدعوة في العالم.
        - هناك مراحل للتغيير السياسي يمر بها متسلسلا، وهذه المراحل ليست اجتهادية، وإنما تؤخذ من خلال سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم-، والتي يمكن أن نستقيها من عدة مصادر؛ القرآن الكريم، السنة النبوية المطهرة، السيرة النبوية . بناء على مسبق فإن منهج التغيير السياسي عند المودودي هو منهج توقيفي على أية حركة إصلاحية إسلامية أن تتبع نفس الطريق الذي سلكه الرسول عليه السلام، وإذا لم تلتزم بهذا النهج فهي حركة فاشلة ( انظر المودودي ، موجز تاريخ تجديد الدين وإحياؤه ، ص41- 53 ) .
        - إن التغيير السياسي هو تابع للتغيير الاجتماعي ، وليس سابقا له ، والوصول إلى الدولة الإسلامية يكون ثمرة لمحصلة تغير المجتمع ، ولذلك فلا مكان للحديث عن التغيير السياسي قبل الحديث عن التغيير النفسي والاجتماعي .
        - على الرغم من أن التغيير السياسي هو تغيير محدد سالفا في مراحله ومنهجه العام، إلاّ أن أدوات التغيير ليست توقيفية وإنما مرتبطة بقدرات الإنسان واجتهاداته .
        - لا يختلف مفهوم التغيير عند المودودي عن مفهوم التجديد الإسلامي؛ والتجديد الإسلامي عند المودودي هو ليس كالتجدد الذي يتضمن خلطا مفاهيميا بين الجاهلية والإسلام وإنما هو تنقية الإسلام من كل جزء من أجزاء الجاهلية، ثم العمل على إحيائه خالصا قدر الإمكان .
        والتجديد لا يقوم به شخص واحد ، بل يتطلب حركة جامعة شاملة ، تشمل أبعادها وأثارها جميع نواحي الحياة العقدية والعلمية والسياسية والاجتماعية .. الخ. أما مراحل التغيير السياسي التي يستنتجها المودودي من سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم-، هي:
- عرض الإسلام ونشر قيمه وأفكاره بالحجة والبرهان.
- تشكيل جماعة أو حركة تدعو إلى هذه المباديء ويتسم نشاطها بالشمولية ينضم إليها كل من آمن بفكرتها، وتضع منهجا للتربية والتعليم.
- إحداث الانقلاب الاجتماعي، وما يرتبط به من تبدل في أفكار العوام وقيمهم ومشاعرهم.
- إقامة الدولة الإسلامية الفكرية التي تقوم على نشر الدين في الأرض.
أما عن طبيعة كل مرحلة وارتباطها بالمراحل الأخرى؛ فيرى المودودي أن التغيير الإسلامي يبدأ بالدعوة إلى العقيدة ومباديء الإسلام، وذلك بعرضها وفق رؤية عصرية يفهمها الناس، ويكون هذا العرض مستندا إلى عدة وظائف أساسية، أبرزها: تطهير الأفكار الإسلامية، وتعهدها بالغرس، في هذا السياق لا بد من تبيان المنهج الإسلامي ونقد المنهج أو الحضارة الغربية بمختلف أسسها ونواحيها. ولا يقف المودودي عند حدود البيان لمباديء الإسلام وإنما يجب أن تتولى الدعوة مسؤولية بيان: كيف يمكن أن تطبق هذه المفاهيم والمباديء على المسائل والشؤون الحاضرة، حتى يقوم في الأرض نظام صالح للمدنية والاجتماع. ولذلك يرى المودودي أن المجدد لا يكفي أن يكون عالما بالشؤون الدينية، وإنما يجب أن يكون ملما بأسس الحضارة العلمية والثقافية، وأوضاع العالم المختلفة. حتى عندما يتصور المودودي المهدي المنظر، فإنه يتصوره رجلا ملما بالشريعة الإسلامية أصولها وفروعها، ومتحذلقا عارفا بالحضارة الغربية، يقوم بنقدها نقدا معرفيا عميقا. المرحلة الثانية أن يبدأ الدعاة والمجددون بإنشاء حركة شاملة تقوم بمهمة التجديد، والدعوة والتربية، بحيث ينضم لها الصالحون والصادقون، وتتوسع هذه الحركة يوما بعد يوم. كما يتلقى هؤلاء الأفراد تربية خاصة تستند على تشربهم ومباديء الإسلام وأخلاقه، وبالتالي تجمع الحركة الإسلامية بين الدعوة باللسان والدعوة بالخلق والعمل.
وتحاول هذه الحركة أن تتوسع في المجتمع وتقترب من كافة شرائحه، وتعمل على فهم هموم الفئات المختلفة والدعوة إلى حقوقهم، والسماع إلى مطالبهم، في ذات الوقت الذي تعمل على تدوين القوانين الإسلامية بحيث تكون قابلة للتطبيق عند إقامة الدولة الإسلامية . والسلاح الذي يتسلح به أبناء الحركة الإسلامية: الحجة والبرهان من ناحية والأخلاق من ناحية أخرى، وتعمل على التوسع من خلال ما يسميه المودودي " علم كسب الإنسان " ( انظر : منهج النقلاب الإسلامي ، ص10 وما بعدها ..).
ويطالب المودودي الحركة باتخاذ سبيل الدعوة بالحسنى والصبر على أذى الحكام، حتى وإن كانت السجون والاعتقالات والتعذيب ، فإن قلوب الناس في النهاية ستنجذب إليهم ، وسيحدث وعي عام اجتماعي عام بالإسلام ، ثم رأي عام ينادي بإقامة الدولة الإسلامية.
إن الدعوة وتشكيل الحركة الإسلامية توسعها ونشرها قيم الإسلام وانضمام عناصر جديدة من المجتمع إليها، سيؤدي ذلك كله إلى تشكيل قاعدة إسلامية كبيرة في المجتمع تدعو إلى الإسلام وتعمل به، وهذا سيؤول في النهاية إلى حدوث انقلاب اجتماعي نحو الإسلام، وبالتالي يقوم المجتمع الرباني بعقيدته ومشاعره وأفكاره وعلاقاته ، والذي يؤدي فيما بعد إلى تهيئة الأمور لإقامة الدولة الإسلامية .
وبغير الانقلاب الاجتماعي، لا مجال للحديث عن الدولة الإسلامية، يقول المودودي – موضحا هذه القاعدة–: " والذين لهم أدنى إلمام بعلوم العمران يعرفون أن الدولة مهما كان من وضعيتها لا تتكون ولا توجد بالطرق الصناعية، فليست هي بالتي تصنع في مصنع، ثم تنقل منه وتثبت في موضع آخر، بل أنها تنشأ نشأة طبيعية لأسباب أخلاقية ونفسية وعمرانية وتاريخية وتتفاعل هذه الأسباب فيما بينها، فتكون لها أمور أولية لازمة ومحركات اجتماعية ومقتضيات فطرية، تتجمع وتتقوى حتى تنبعث منها الدولة انبعاثا .. " ( انظر المودودي ، منهج الانقلاب الإسلامي ص 26- 28 ) .
أما كيف تنتقل الحركة الإسلامية من مرحلة الانقلاب الاجتماعي إلى إقامة الدولة الإسلامية وتغيير السلطة، فهذا هو موضوع البند القادم إن شاء الله ..

تم غلق التعليقات على هذا الخبر