آخر الأخبار

الحوار المغربي - الجزائري حول الصحراء...والطريق المسدود

2003-11-10 | إدريس الكنبوري الحوار المغربي - الجزائري حول الصحراء...والطريق المسدود
في الذكرى الثامنة والعشرين للمسيرة الخضراء التي نظمها المغرب في السادس من نوفمبر 1975 حرص العاهل المغربي محمد السادس على تأكيد مغربية الصحراء وأن القضية غير قابلة للتشكيك فيها، وقال في خطاب بالمناسبة ليلة أول أمس أن أي مبادرة منافية لهذا المبدأ من شأنها "الزج بالمنطقة في دوامة عدم الاستقرار". ولكن العاهل المغربي حرص أيضا على أن يضمن خطابه رسالة إلى النظام الجزائري للحوار من أجل "العمل سويا لحل المشاكل التي تعوق تحقيق تطلعات شعوبنا الشقيقة إلى بناء صرح مغاربي عتيد، قوامه التفاهم والاستقرار والوئام"، وأكد استعداد المغرب لقبول كل المساعي التي تعمل في هذا الاتجاه.
وتزامنت الذكرى التي أحياها المغرب هذا العام في ظل ظروف صعبة تمر بها قضية الصحراء مع انفراجة في الجانب الإنساني من النزاع، حيث أطلقت جبهة البوليساريو أمس 300 أسيرا مغربيا كانوا محتجزين في مخيماتها بتندوف (جنوب الجزائر) منذ ما يزيد على عشرين سنة، وذلك بوساطة من الجماهيرية الليبية التي كانت أحد الداعمين الرئيسيين للجبهة في مرحلة المواجهة العسكرية مع النظام المغربي، وهي الدفعة الثانية من إطلاق سراح المعتقلين المغاربة لدى البوليساريو بعد الـ 243 سجينا الذين أفرجت عنهم في شهر أغسطس الماضي بوساطة من الحكومة الأسبانية.
غير أن هذا لا يعني انفراجا في أزمة الصحراء التي توجد اليوم أمام مخاض صعب. فقد منح تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في 16 أكتوبر الماضي مهلة للمغرب تنتهي يوم 31 يناير القادم لتقديم رده النهائي على مخطط جيمس بيكر المقدم في شهر مايو الماضي، والذي يقضي بمنح سكان الصحراء الجنوبية حكما ذاتيا لفترة تتراوح بين أربع أو خمس سنوات يصار بعدها إلى تنظيم استفتاء للبقاء تحت السيادة المغربية أو اختيار الانفصال، لكن الرباط رفضت الخطة التي تضمنت بعض الإجراءات التي تمس بالسيادة المغربية على الصحراء، وعبرت عن خشيتها من أن يكون الحكم الذاتي طريقا إلى الانفصال. وأمام وضع كهذا أصبح المغرب في موقف متأزم لن يشهد له مثيلا منذ بداية الأزمة في الستينيات من القرن الماضي، فقد اكتست لهجة التقرير الأممي طابعا تهديديا، الأمر الذي أصبح معه من الوارد فرض الخطة على المغرب بعد انتهاء المهلة المحددة في التقرير، أو تعريضه في حال الرفض لعقوبات ااقتصادية من طرف مجلس الأمن.
وفي الأسبوع ما قبل الماضي حدثت تطورات أدخلت ملف الصحراء مسارا جديدا، لكن إمكانيات النجاح فيه ليست مضمونة في الوقت الراهن. فقد دعا وليام بورنز ـ مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا ـ خلال زيارته لكل من المغرب والجزائر وتونس، إلى حوار تفاوضي بشأن الأزمة بين الرباط والجزائر لإيجاد صيغة توافقية بما يسهم في تحريك إتحاد المغرب العربي المجمد منذ تسعة أعوام، والذي تراهن عليه واشنطن كسوق بشرية إضافية لمنتجاتها وتسعى إلى توقيع اتفاقيات تبادل حر مع بلدانه الخمس، وبعد تصريحات المسئول الأمريكي وجه السفير المغربي محمد بنونة دعوة إلى السلطات الجزائرية للحوار المباشر عبر إحدى المحطات الإذاعية شمال المغرب، وقال مسؤول في الخارجية المغربية لم يعلن عن اسمه إن حل الأزمة مع الجزائر ليس مكانه الأمم المتحدة بل "زوج بغال"، المنطقة الحدودية المغلقة بين البلدين، والتي كانت ستجمع في العام الماضي بين العاهل المغربي والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، لكن الخارجية الجزائرية ردت سلبا على هذه الدعوة، ليتم قبرها في المهد.
ويمكن القول أن الدعوة إلى الحوار الذي أصبح المغرب متحمسا له في المرحلة الحالية جاءت في التوقيت الخطإ على المستوى الجزائري، ومحاولة من المغرب لتلافي التصادم مع الأمم المتحدة. فالنظام الجزائري يمر حاليا بأسوإ أزمة سياسية منذ تولي بوتفليقة السلطة في العام 1999، أحد عناوينها الكبيرة انشقاق حزب جبهة التحرير الوطني إلى جناح في الحكم بقيادة بوتفليقة ووزير خارجيته عبد العزيز بلخادم، وجناح في المعارضة بقيادة رئيس الحكومة الأسبق على بن فليس. ويرغب بوتفليقة في إعادة انتخابه لهعدة ثانية في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في أبريل من العام المقبل، في الوقت الذي يسعى غريمه ابن فليس بدوره إلى الحلول محله في قصر الرئاسة، وهو ما يجعل الصراع بين الجناحين على أشده. وفي رأي المراقبين الجزائريين تظل المؤسسة العسكرية ورقة التوازن بين المعسكرين، لذلك فإن بوتفليقة الذي جيء به إلى الحكم قبل أربع سنوات بدعم واضح من العسكر لا يمكنه الوقوف في وجه مؤسسة الجيش بتقديم تنازلات في ملف الصحراء التي تعد ملفا "مقدسا" بالنسبة للجنرالات الجزائريين غير قابل للتفاوض والمساومة. فقد تعرض بوتفليقة لوابل من الانتقادات من طرف الصحف المقربة من الجيش مثل "لوماتان" الفرنكوفونية في مارس الماضي، عندما أطلق تصريحات قال فيها بأن بناء إتحاد المغرب العربي سيكون مفيدا للصحراويين، وأن خطة "الطريق الثالث" التي قدمها جيمس بيكر في العام الماضي التي نصت على إعطاء حكم ذاتي للصحراويين تحت سيادة المغرب ووافق عليها الأخير ستكون حلا إيجابيا، ليتراجع بعد ذلك عن تلك التصريحات التي جرت عليه اتهامات بالتخلي عن جبهة البوليساريو. وحدث نفس الأمر مع وزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزار الذي صرح لإحدى الصحف المغربية في نفس الفترة قائلا بأن موقف الجيش الجزائري من الصحراء أصبح "يتبع الموقف السياسي(أي الحكومة) اليوم، وإذا قرر رئيس الجمهورية أن يسير في طريق تسوية الأزمة، فإن الجيش لا يمكنه أن يقف ضده، إنه في خدمة السياسيين"، مثل هذه الحساسية التي يمتاز بها ملف الصحراء لدى الجيش الجزائري تجعل أي مشروع للحوار في طريق مسدود، وتحكم عليه بالفشل.
والواقع أن الدعوة المغربية إلى الحوار المباشر مع المسئولين الجزائريين من شأنها ليس فقط وضح صيغة مقبول لدى الجانبين لأزمة استعصت على جميع الاقتراحات المقدمة من الأمم المتحدة، بل وأن تدفع نحو رفع حالة الشلل المزمن الذي يوجد فيه إتحاد المغرب العربي، وأن تقي المنطقة مواجهات عسكرية أخرى تعطل مسار الاندماج الذي تحققت بعض شروطه في معاهدة الإتحاد وبقي تفعيلها، خصوصا وأن الوقت الراهن هو عصر التكتلات الإقليمية الكبرى التي لا تسمح لغير الأقوياء بدخول نادي السباق. فأزمة الصحراء استنزفت البلدين اقتصاديا وسياسيا وعطلت مشاريع للتنمية كان يمكنها أن تصب في مصلحة الشعبين، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات أكبر تتمثل في العطالة والتأخر الاقتصادي وضعف المنافسة أمام الإتحاد الأوروبي وانتشار الأمية وغياب الديمقراطية والحقوق السياسية للمواطن.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر