آخر الأخبار

المغرب: رحيل البصري وابتعاد اليوسفي ينهيان عصر 'المخضرمين'!

2003-11-3 | إدريس الكنبوري المغرب: رحيل البصري وابتعاد اليوسفي ينهيان عصر 'المخضرمين'!
عاشت الحياة السياسية المغربية خلال أسبوع واحد وفي وقت متقارب حدثين بارزين، الحدث الأول تمثل في رحيل الفقيه "محمد البصري"، أحد رموز المقاومة المغربية ضد الاستعمار في الخمسينيات وأحد أكبر معارضي نظام الملك الراحل "الحسن الثاني" بين الستينات والتسعينات من القرن الماضي، أما الحدث الثاني فهو استقالة عبد الرحمان اليوسفي من قيادة حزبه "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" ومن العمل السياسي كله.
ولكن التقارب بين الحدثين يتجاوز مجرد وقوعهما في وقتين متقاربين جدا، لأن بين الرجلين روابط عدة، فهما معا كانا من الوجوه البارزة في حزب "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" الذي انشق عن حزب "الاستقلال" وزعيمه "علال الفاسي" في نهاية خمسينات من القرن الماضي، قبل أن يسهما -كل من موقعه- في تأسيس "الاتحاد الاشتراكي" في السبعينات ويتركا "الاتحاد الوطني" فارغا لـ"عبد الله إبراهيم" الذي قاد أول حكومة من اليسار في المغرب بعيد الاستقلال مباشرة أثناء مرحلة الملك محمد الخامس.
وقد كانت شخصية "البصري" الملقب بالفقيه من الشخصيات القليلة في الحياة السياسية المغربية التي حافظت على الحد الأدنى من احترام مواقفها، وبقي وفيا لـ"محمد الخامس" الذي شارك مع الحركة الوطنية في جني ثمرة الاستقلال عن فرنسا، ولكنه اختلف مع الملك "الحسن الثاني" بعد توليه الحكم عام 1961، ولم يعش هذا الخلاف أكثر من عامين، إذ في عام 1963 سيصدر حكم بالإعدام على الفقيه بتهمة تدبير انقلاب على الملك رفقة بعض أعضاء حزبه ومنهم "المهدي بن بركة" و"عبد الرحيم بوعبيد" و"عبد الرحمان اليوسفي"، واستطاع البصري الهرب إلى خارج المغرب حيث لف على عدد من البلدان العربية المشرقية والجزائر قبل أن يستقر في فرنسا، ومن هناك واصل عمله السياسي كمعارض مغربي لا يلين، وكان له تأثيره على "الاتحاد الاشتراكي" من منفاه، كما كان له تياره المناصر له داخل الحزب، وبقي يشكل شوكة في حلق قيادة هذا الأخير حتى وهو غائب عن المسرح.
غير أن التحولات التي شهدتها الساحة الدولية في بداية التسعينات وانهيار المعسكر الشيوعي بريادة الاتحاد السوفياتي، وانعكاسات ذلك على الأوضاع الداخلية في المغرب، جعلت النظام المغربي يمد يده إلى "البصري" بقصد طي أكثر صفحات تاريخ المغرب الحديث جدلا، بعد صفحة لغز اغتيال رفيق "البصري" "المهدي بن بركة" عام 1965. وكان "البصري" ثابتا في رسائله إلى الملك عبر وزير الداخلية "إدريس البصري" الذي جمعه به الاسم وفرقته عنه أمور عدة، حيث طالب بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين والسماح للمنفيين بالعودة كشرط سابق على عودته إلى بلاده، وبعد جولات من التفاوض بين "البصريين" في باريس أقتنع الفقيه بالعودة. لكن عودة "البصري" كانت هي الأخرى مناسبة لعودة أخرى.
جرت في المغرب سنة 1993 انتخابات برلمانية ، بعد عام واحد على تولي "عبد الرحمان اليوسفي" قيادة "الاتحاد الاشتراكي" خلفا لـ"عبد الرحيم بوعبيد" الذي توفي قبل ذلك بسنة، فاحتج الاتحاد على ما رآه تزويرا للإرادة الشعبية وصنع خارطة برلمانية لا تعكس الواقع الحزبي ولا تمنح المعارضة المكانة التي لها بحسب تصريحات قيادات الحزب، ونتيجة لذلك فضل "اليوسفي" الاستقرار بمدينة "كان" الفرنسية حيث اعتزل السياسة احتجاجا، الأمر الذي أدخل المغرب في أزمة سياسية وجعل المؤسسات المنتخبة مشكوكا فيها، وبعد عدة جولات من التفاوض بين "اليوسفي" وقيادة الحزب قرر "اليوسفي" العودة إلى المغرب بعد عامين من "العزلة"، وفي 1995 عاد "البصري" و"اليوسفي" معا إلى المغرب، وتم استقبال "البصري" استقبال الأبطال المنقذين، ولكن "اليوسفي" نجح في الظهور بصورة الرجل الذي كان له دور في هذه العودة.
تقاسم الفشل!
فرقت الظروف السياسية بين الرجلين بعد ذلك أيضا. فعندما اختار "اليوسفي" وحزبه قبول عرض "الحسن الثاني" بتسيير الحكومة عام 1998، لأول مرة منذ الاستقلال، خرج "البصري" يقول بأن العرض ليس سوى مؤامرة سياسية على الحزب للقضاء عليه بشهادة الجماهير، وطعن في صدقية "اليوسفي" والتيار المؤيد للمشاركة الحكومية داخل الحزب، وابتعد عن "الاتحاد الاشتراكي" وآثر البقاء بعيدا عن مخاضات السياسة متأملا في التجربة الجديدة التي دخلها رفقاء الأمس، منتظرا نتائجها ومآلات الحزب معها.
ولكن عاش الرجلان معا في أيامهما الأخيرة، "البصري" قبل الرحيل عن الحياة و"اليوسفي" قبل توديع السياسة، مرارة الفشل. دخل "البصري" في الفترات الأخيرة قبل مرضه العزلة السياسية بعد أن وجد نفسه يفكر عكس التيار السائد، وهو الذي ظل يحلم بتحقيق"الكتلة التاريخية" التي دعا إليها بعد عودته لجمع "الإسلاميين" و"اليساريين" في جبهة واحدة هدفها الإصلاح الشامل، محاولا نقل تجربة "المؤتمر القومي الإسلامي" الذي كان أحد مؤسسيه الأوائل والمتحمسين له، غير أن المشروع فشل لأسباب عدة. وقد فشل "البصري" في الالتقاء بالملك "الحسن الثاني" الذي رحل دون أن يلتقي بخصم الأمس، وأراد أن يلعب دورا ما في المغرب الجديد بعد مجيء الملك محمد السادس للسلطة عام 1999، عندما استقبله الملك في قصره في ذلك العام، وخرج "البصري" من اللقاء يفور حيوية وأعلن بأنه مستعد لأي مهمة يكلفه بها الملك وأنه سيضع خبرته تحت تصرفه، لكن الملك لم يطلبه . أما "اليوسفي" فقد بات بعد انتخابات العام الماضي وتعيين حكومة على رأسها وزير"تكنوقراطي" غير متحزب هو "إدريس جطو" يشعر بالغبن وبأن التجربة التي دخلها على عهد "الحسن الثاني" عام 1998 كانت سحابة صيف عابرة لم تكرس تقليدا سياسيا، والأكثر من ذلك أنه صرح في ندوة "ببروكسيل" في السنة الماضية بما يعني أنه كان ضحية توظيف في لعبة سياسية، وكانت له الشجاعة ليدفع حزبه إلى إصدار بيان حاد اللهجة بعد تعيين الملك لـ"إدريس جطو" يحتج فيه على التعيين ويصف العملية بأنها خارج القواعد "الديمقراطية" التي تقضي بأن تشكل الأغلبية في البرلمان حكومتها.
ويتساءل المراقبون للحياة السياسية بالمغرب هل تمثل نهاية الرجلين نهاية عهد بكامله، هو عهد المخضرمين أو الكبار الذين عايشوا ثلاثة ملوك مغاربة وثلاث تجارب في الحكم وثلاثة وجوه للمغرب؟ وهل استفادت البلاد من هؤلاء القادة أم أنها اكتفت بتهميشهم؟ أم أن نهايتيهما رمز لنهاية مرحلة"الشرعية الوطنية" التي تحيل على مشروعية الكفاح ضد المستعمر، وترسيخ "الشرعية الديمقراطية" التي لا ترتبط بالزعامات وإنما بالقيم "الديمقراطية" المتحركة؟. لقد وقف هذا النوع من الرجال بكل ثقله خلف الحياة السياسية بالبلاد وبقوا في واجهة المسرح طيلة العقود الماضية، ما يعني أن تركهم المسرح سيبقي على فراغ سياسي من نوع ما، ولكن ذاكرة هذا الجيل تظل غنية بالدروس والعبر للجيل الحالي في مغرب لا يزال يخطو خطواته الأولى على درب "الديمقراطية".

تم غلق التعليقات على هذا الخبر