آخر الأخبار

إبراهيم غرايبة... والنقد الذاتي: الحركة الإسلامية في الأردن إلى أين ؟!

2003-8-3 | محمد سليمان إبراهيم غرايبة... والنقد الذاتي:  الحركة الإسلامية في الأردن إلى أين ؟!
تعتبر مسألة النقد الذاتي ظاهرة صحية في المؤسسات والمجتمعات المتحضرة، بل هي جزء أساسي من عملية التطوير والتقويم المستمر، وقد مارس الفكر العربي هذه العملية في مختلف اللحظات العصيبة و المنعطفات التاريخية الكبرى؛ فقد بدأت هذه العملية في الفكر العربي الحديث في لحظة الاحتكاك مع الاستعمار، والذي لم يأتِ في إطار عسكري همجي " ليس له فضيلة سوى القتل والذبح" - كما وصف أسامة بن منقذ الحروب الصليبية- وإنما جاء مدججا بالمعرفة والعلم والتقدم الحضاري، الأمر الذي دفع أصحاب الفكر والعقل والعلم إلى عملية صارمة من النقد الذاتي الحضاري، تلمسها بوضوح شديد في مجلة المنار التي كان يشرف عليها رشيد رضا، وقبل ذلك في كتابات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومن ثم توالت محاولات الإجابة على الأسئلة الحضارية من قبل العديد من المفكرين والتي حملت في طياتها مراجعة نقدية برزت بشكل واضح بالسؤال الذي يلخص جوهر الازمة الحضارية : لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟.
        ولم تتوقف عملية النقد الذاتي والتي تصاحبت غالبا مع الأزمات والنكبات التي تمر بها الأمة والشعوب، ولم تقف عند حدود فكر معين أو اتجاه سياسي /ايدلوجي محدد؛ فحسين مروة ينتقد الفكر الماركسي نقدا عميقا واضحا، وجلال صادق العظم ينقد الشعوب العربية بعد النكسة، وعبدالله النفيسي يكتب نقدا شديدا في كتابه عن الحركة الإسلامية، ومركز دراسات الوحدة العربية يسجل مراجعات عميقة لمسار الفكر والمشروع القومي،...الخ.
        وعلى الصعيد الإسلامي بالتحديد جرت العديد من المراجعات في السنوات الماضية، خاصة مع ازدهار العمل الاسلامي ووصوله الى مساحات جديدة وأفاق متعددة ، وابتلائه بالعديد من الأمراض والأخطاء، وكتب في هذا السياق مجموعة من المفكرين والباحثين؛ إذ كتب جعفر إدريس " نظرات في منهج العمل الاسلامي"، وكتب خالد حسن "الحركة الإسلامية في الجزائر دعوة لمراجعة الرصيد وتقويم المسيرة "، وظهرت كتب مراجعات الحركة الإسلامية في مصر، وهي سلسلة من الأبحاث والدراسات التي كتبها قادة الجماعة الإسلامية في سجنهم وفيها عملية صارمة من النقد الذاتي، وكتاب كمال حبيب " الحركة الإسلامية من المواجهة الى المراجعة" و كتابات جمال سلطان حول المراجعات وعمليات النقد الذاتي داخل الجماعات الاسلامية، ولم تخل المجلات الإسلامية المتخصصة من مساهمات في المراجعة والنقد، خاصة العدد الأخير من مجلة المنار الجديد لصيف 2003 حول تحولات الحركة الاسلامية في مصر و ملف عن حزب العدالة والتنمية التركي، وقد سبقه عدد في ربيع 2003 متضمنا مراجعات نقدية لواقع الحركة السلفية و موقف الإسلاميين من الغرب، بل حتى أبو محمد المقدسي عميد الحركة السلفية الجهادية في الأردن، وأحد ابرز منظري الاتجاه الجهادي العالمي بدأ نوعا من النقد الذاتي والمراجعة، وقد كتب في هذا السياق كتابا بعنوان "رسائل الجفر" كاد أن يوزع وينشر لولا قيام السلطات الأردنية بمصادرته.
        هذه المحاولات الصحية في نقد الحركات الإسلامية وترشيد مسارها، إذا افترضنا فيها حسن القصد والتوجه، فإنها تأتي لتغني العمل الاسلامي وتقدم له إشارات تسوقه الى الطريق الصحيح، وتضع له كوابح تمنعه من الانجرار الى الاخطاء الكبرى، خاصة إذا كان هذا النقد صادرا من أهل الفكر الإسلامي المعروفين بالثقافة والخبرة والمعرفة، لكن الحركة أو الجماعة التي تضيق بعملية النقد والمراجعات وتتستر على الأخطاء بحجة سلامة الصف وحماية أسرار التنظيم وعدم فسح المجال للأعداء للتصيد للحركة،.. الخ من الحجج، هي حركة تربي الفساد وتنميه في مؤسساتها وسلوكها حتى يقضي عليها، وبالتالي لا غرابة ان تقوم عند ذلك بلفظ المخلصين أو الناصحين من صفوفها بحجة الخروج على الجماعة والحركة، وإفشاء أسرار التنظيم إلى غير ذلك من الحجج التي يحمى فيها الخطأ ويصان من خلالها الفساد.
وتزداد أهمية هذه المحاولات النقدية أو ما أصبح يطلق عليه عملية المراجعات مع ازدياد وتمدد وتنوع اتجاهات الحركات الإسلامية، بحيث صار لدينا اتجاهات متعددة على صعيد الفكر والحركة في مختلف دول العالم، وهنا لا بد ان يأتي دور المفكر والموجه والمثقف الذي يمارس عملية التوجيه والتحذير والتفكير في المسار العام للعمل الإسلامي. ويقول: أن هذا صحيح وهذا خطأ. ومن هذه الفئة التي القت على عاتقها مسؤولية التفكير والتوجيه للعمل الإسلامي الباحث والمفكر الأردني إبراهيم غرايبة، والذي تميزت كتاباته الأخيرة بعملية صارمة من المراجعات والنقد الذاتي للحركات الإسلامية والعمل الإسلامي، وبالتحديد جماعة الأخوان المسلمين التي بقي فترة طويلة من عمره ينتمي لها، إلى أن فصل رسميا منها قبل أيام بعد ان ضاق به ذرعاً عدد من قياداتها خاصة بعد مقاله في صحيفة الحياة اللندنية " حاجة أردنية وإقليمية مركبة لـ "عودة" قادة حماس إلى عمان " [ 14/7/2003].
لقد انتمى إبراهيم غرايبة إلى جماعة الأخوان المسلمين منذ سني عمره الأولى، وهو من مواليد قرية الهاشمية في الأردن عام 1962، درس فيها وتخرج من السعودية ثم ذهب للعمل الإعلامي والبحثي في باكستان، وعاد الى الأردن ليعمل في مجال الدراسات والإعلام وبقي يعمل في دائرة الحركة الإسلامية ونشاطاتها وصحفها السبيل وقبل ذلك الرباط، وترك العمل الحكومي ليؤسس مع مجموعة من الشباب الإسلامي المثقف مركزا للدراسات والأبحاث يتخصص في الدراسات الاستراتيجية والبحثية التي تغني العمل الإسلامي وتنهض به، وتقدم له رؤى استراتيجية، وأسس مجلة " الأمة " الفكرية والتي كانت المجلة الفكرية الوحيدة التي تعبر عن تصورات وأراء الحركة الإسلامية في الأردن، كما عمل مسؤولا في قسم الدراسات في موقع الجزيرة نت، إلآّ أن عدم قدرة إبراهيم على ممارسة التمثيل والنفاق وإصراره على التفكير بصوت عال وبطريقة منهجية خالية من الكولسات وبعيدا عن الدهاليز التنظيمية أودى به إلى المشاكل والصعوبات الكبيرة، وأخذ العديد من القادة داخل الجماعة يتذمرون منه ويطالبون بإسكاته، ويدعون إلى فصله من الجماعة، الأمر الذي تحقق بعد سلسلة من العقوبات والإجراءات الانتقامية بحقه، انتهت بفصله قبل أيام رسميا بعدما جمد وأبعد لسنوات، وهكذا تمت مكافأته من قبل الحركة التي كان يفترض فيها أن تقرأ ما يقوله وان تكون كتاباته - وهو أحد كتابها ومفكريها البارزين- مهمازا لها لتقوم بالمراجعة المطلوبة لفكرها وسلوكها، وان تقيّم وتقوّم نفسها بما يضمن عدم استتباب الفساد والخطأ في مؤسساتها وسلوكها.
لقد بدأ نشاط ابراهيم الفكري في النقد والمراجعة قبل سنوات وبالتحديد أيام المجلة التي كان يرأس تحريرها وهي مجلة الأمة، ويظهر في هذا السياق مقال مميز له بعنوان " الحركة الإسلامية وما بعد السياسة"، ثم توالت كتاباته والتي تناولت مستويين من النقد والمراجعة والتوجيه: الأول يرتبط بالعمل الإسلامي العام واستراتيجياته، والثاني يتناول جماعة الأخوان المسلمين في الأردن ومسارها..
على المستوي الأول كتب غرايبة العديد من الأبحاث والدراسات قدمها في منتديات وندوات وفي مقالات في الصحف والمجلات، وقد أجرينا معه لقاء حول هذه الرؤية النقدية والدعوة الى بناء استراتيجية جديدة للعمل الإسلامي في مجلة العصر، وأعادت صحيفة المرآة الأردنية نشرها، و يبدو الملخص التنفيذي لرؤيته النقدية في هذا المجال واضحا مختصرا في مقاله " العمل الإسلامي وفقه المرحلة" والذي قدم فيه لكتابي " أوراق نقدية: العمل الإسلامي وقضية التغيير"، بحيث ركز فيه على عدة قضايا أساسية، منها:
* ضرورة انتقال العمل الإسلامي من الهرمية إلى الشبكية ، والخروج من إطار العقل التنظيمي المحدود إلى العقل الإصلاحي التنويري، الذي يهتم بإصلاح الأمة والشعوب والعمل التنموي والأهلي بعيدا عن جدلية الصراع مع السلطة التي استنزفت جهود الحركات والمجتمعات الإسلامية.
* إعادة النظر في كثير من المدركات السياسية لدى أبناء العمل السياسي في العلاقة بين السياسة والدين وحول مفهوم الدولة الإسلامية وطبيعتها، والتأكيد على ضرورة إعادة الاعتبار لمفاهيم المسؤولية المدنية والمواطنة والعمل التنموي لدي الفكر السياسي للصحوة الإسلامية.
* التأكيد على دور وأهمية مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني والعمل الشعبي التنظيمي الذي يسعى الى النهوض بالمجتمع وأدواته و ترقيته، بدلا من هدر الجهود في مناكفة السلطات الحكومات.
وأقتبس هنا بعض الجمل والأفكار التي توضح جزءا من رؤيته النقدية، وذلك من مقاله العمل الإسلامي وفقه المرحلة : " إنه ليس ممكنا ولا هو مطلوب أن تنهض فئة قليلة من الأمة تعمل وحدها، وتتحمل أعباء النهضة والدعوة، في حين يقف المجموع الباقي يراقب وينظر، أو يحارب ويعوق، ولكن المطلوب تأهيل الأمة المسلمة لتحقق شروط النهضة والإصلاح وتكون قادرة على أداء دور الشهود الحضاري المطلوب منها ". .." فالجيل الجديد في الحركة الإسلامية يراجع اليوم البرامج والمواقف والتاريخ.. وكل شيء، ويحاول الخروج من جيتو التنظيم إلى شوارع الاوطان وحاراتها، ومن هموم الجماعة ومصالحها إلى حالة الامة والشعوب، ومن رومانسية الشعارات إلى قسوة البرامج والتفصيلات، ومن مطلقية الصواب في الأفكار والمباديء وبلاهة المعارضة والمواقف إلى حيرة السؤال والبحث والاختيارات المرهقة المملة، لكنها في نظر هذا الجيل أفضل وأجدى من الثقة المريبة التي وضعنا فيها من لا يؤمن بها ".
أمّا المستوى الثاني المرتبط بجماعة الأخوان في الأردن، فقد وجّه غرايبة نقدا للكثير من القضايا المرتبطة بالمسار الإصلاحي العام لها، ومن ذلك:
* تغول الجانب السياسي على الجوانب الإصلاحية الأخرى، وانشغال الجماعة عن الأهداف التي قامت أصلا لتحقيقها بشؤون مرتبطة بالحراك السياسي ومصالح نخب معينه، بدلا من الوظيفة الاجتماعية النهضوية لها.
* الفساد في جمعية المركز الإسلامي [ العصب الاقتصادي ومصدر ثروة الجماعة ] التي يسيطر عليها عدد قليل من الأفراد ويتمتعون بامتيازاتها وإمكانياتها بينما غالبية ألافراد في الجماعة محرومون من ذلك.
* غياب التخطيط الفكري والدراسات التي تؤسس لسلوك الجماعة ومواجهتها للتحديات المختلفة.
* المحسوبية والشللية والنخب المتصارعة على مصالح خاصة بحجج فكرية أو سياسية.
* غياب الدور والوظيفة التنموية والنهضوية للجماعة، وتقصيرها في مجال العمل الأهلي والطوعي العام.
وأقتبس هنا بعض النصوص من حوار أجريته قبل شهور مع غرايبة وارتئينا آنذاك عدم نشره، نظرا لظروف الحساسية والتشنج التي تصيب البعض من قيادات الجماعة من كل ما يقوله..
" لكن الذي حصل أن الجماعة تعاملت مع السياسة كمغنم، وأردنا ان نستثمر كل امكانات الأخوان من أجل مغانم سياسية، فاختزلنا العمل الدعوي والاصلاحي والتربوي والخيري والمسجدي لأجل مكاسب سياسية محدودة هزيلة، وصار الناشط الأخواني أكبر همه النجاح في الانتخابات البرلمانية أو البلدية، واختزلنا العمل كله في عمل سياسي او نيابي" .
" بصراحة: هناك عملية اختطاف للحركة الإسلامية لصالح نخبة تريدها أن تكون حركة فلسطينية، وأجد أنّ هناك تواطئاً على أن تكون الحركة الإسلامية ممثلة الفلسطينيين في الأردن، وتعبر عن مصالحهم ومطالبهم في المرحلة القادمة، بينما موضوع العمل الوطني والحركة الوطنية هناك إجماع على استبعادهما، واتفاق ألاّ تشتغل الحركة الإسلامية في العمل الوطني، أو حتى أن يكون هناك عمل وطني مستقل عن الحركة الإسلامية، ألا تلاحظ غياب الحركة الوطنية في الأردن؟!، وهذا فراغ قاتل، في كل دول العالم هناك حركات وطنية قائمة على مطالب وطنية: الإصلاح، محاربة الفساد، التنمية، التربية والتعليم، وإصلاح المؤسسات، وتنمية المجتمعات الأهلية، هذه المسائل غائبة تماما في الأردن، عن برامج المرشحين، عن الأحزاب ، عن الحكومة، لا أحد يعمل بها!.
        وتحول العمل السياسي إلى عمل جهوي يعبر عن مصالح ومطالب جهات أو دوائر ضيقة، وأُضعف الدور البرلماني فلم يعد البرلمان مؤسسة تشريع ورقابة، و صارت النخب البرلمانية نخب مطلبية تعبر عن مطالب الدائرة أو مجموعات معينة " .
-" أنا أعتقد أن الاخوان المسلمين انتهوا، أي الصورة التي كانوا عليها، فقد حدث اجتياح واختطاف الأخوان المسلمين، فالآن هناك أخوان مسلمون جدد، و هم فصيل فلسطيني "فتح" على الطريقة الإسلامية، أو إن شئت أن تقول: "حماس" الأردن " .
        إن عملية النقد والمراجعة أمر ضروري لكل حركات ومؤسسات العمل الإسلامي اليوم كي تصحح المسار بما يخدم مقاصدها الإصلاحية والنهضوية، والمراجعة الذاتية وكشف مواطن الداء أمر مستوحى من القرآن الكريم خاصة في نقد الهزائم والمصائب التي تصيب المسلمين، ولو أن النقد يخدم الأعداء لما أنزله الله في حق المسلمين في العديد من المواطن خاصة بعد غزوتي أحد وحنين، والحركة التي تفصل إبراهيم غرايبة هي الخاسر الأول، فهو ليس متكسبا من الدعوة كما يفعل غيره، وانتماؤه للحركة الإسلامية لم يعن له النفاق والتستر على الأخطاء، بل الصدق والنصيحة وهي سنة نبوية، كان يفترض أن تكون هي الحاكم على الجميع، خاصة من يحملون لواء العمل الإسلامي!.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

Metwalli Abdelsalam

Assalamu AlaiQum Brathers and Sisters, PleaseClick on the following link

http://www.aljazeera.net/in-depth/muslims_brothers/2002/12/12-2-19.htm
د. عصام العريان
لماذا لا تقوم حركة الإخوان المسلمين بمراجعة نقدية للذات وتنشر ذلك على غرار ما فعلته بعض الفصائل الإسلامية الأخرى؟

دعوة الإخوان دعوة إسلامية صميمة، وهي في نفس الوقت دعوة للتجديد في الدين عملا بالحديث "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها" وفي مفهوم البعض لهذا العصر أن المبعوث للتجديد لا يقتصر على رجال أفراد بل يمكن أن تكون جماعة أو هيئة، ولا أجد أفضل من الإخوان ينطبق عليه هذا الوصف لهذا القرن، ومن لوازم التجديد أن تكون هناك مراجعة نقدية للواقع وطرح رؤى بديلة للأوضاع والاختيار فيما بينها، وأن يكون ذلك بصورة مستمرة ولا يتوقف أبدا.
لذلك يقوم الإخوان بمراجعات مستمرة على كافة الأصعدة، وبعض هذه المراجعات خاص بالإخوان أنفسهم، قد لا يطلع عليه الآخرون والبعض الآخر يظهر إلى النور ليكون بين يدي الناس. ومن هذه المراجعات التي ظهرت:
1. "دعاة لا قضاة" وهو البحث الذي أعدته مجموعة من الإخوان تحت إشراف لجنة حددها المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي رحمه الله، وكان ذلك داخل السجون لمواجهة أفكار ظهرت في صفوف بعض الإخوان أساؤوا فيها فهم وتفسير بعض القضايا المتعلقة بالتكفير والموقف من الحاكم وغيرها.
2. مواقف متعددة من المجتمع والنظام واستخدام العنف وغيرها استقرت عليها الجماعة واعتمدت الأصول التي انطلقت فيها الدعوة في العمل السلمي والدعوي والتربوي ونبذ العنف نهائيا وعدم الصدام مع الحكومات والعمل فى إطار الدستور والقانون والتعاون مع كل القوى السياسية في سبيل الإصلاح الشامل، وقد التزمت الجماعة بذلك طوال ثلاثين عاما من مسيرتها المباركة.
3. إعلان مواقف واضحة من 3 قضايا شغلت الناس والعاملين للإسلام وإصدار ذلك في بيانات ورسائل معتمدة من الجماعة حول:
 الأقليات والموقف من الأقباط فى مصر (هذا بيان للناس).
 الشورى والتعددية في المجتمع المسلم.
 المرأة في المجتمع المسلم: دورها ووظيفتها وحقوقها.
وقد صدرت رسالة تحمل الموضوعين الأخيرين في مارس 1994م، وكان فيها تحول جديد في رؤية الجماعة حول السماح بالتعددية الحزبية والقبول بها حيث أثبتت التجارب أن أخطر ما تواجهه الأمة هو الاستبداد، وفي الثانية القبول بأحقية المرأة في المشاركة في الترشيح والتصويت في الانتخابات العامة وتولي الوظائف العامة كافة باستثناء موقع الإمامة العظمى.
ويهمني هنا أن أشير إلى نقطة هامة وهي أن الإخوان يصدرون في مراجعاتهم من وحي عقيدتهم وإيمانهم ومن فكرتهم الإسلامية ورؤيتهم للتطبيق العملي في المجتمعات الإسلامية دون ضغوط أو تدخلات من أطراف أخرى، وأن هذه المراجعات لا تصدر عن أفراد بل تمر بمراحل متعددة حيث تكلف لجان بإعداد أوراق عمل ثم يتم مراجعتها ثم طرحها للحوار الداخلي وطلب تقييم شرعي وعلمي لها من أفراد مؤهلين من داخل وخارج الصف الإخواني، ثم يدار حولها نقاش على مائدة مستديرة وبعد ذلك تتم الصياغة وتعرض على مؤسسات الجماعة حيث يتم المناقشة والتصويت عليها وخلال هذه المراحل وقبل إصدارها بصفة رسمية تحدث إضافات وتعديلات ومراجعات.
أما الربط بين مراجعات بعض الفصائل الإسلامية الأخرى والتي يرحب بها الإخوان ويتمنون لها التوفيق وبين طلب مراجعة من الإخوان فهذا ما لا يصح في الأذهان ولا يحدث بسببه ارتباط لأن ظروف وملابسات كل مراجعة مختلفة تماما والأسباب التي تؤدي إليها مختلفة، ولقد سبق الإخوان الجميع بالقيام بمراجعاتهم وهي مستمرة وتصدر في الأوقات المناسبة.

ما ردكم على الاتهامات التي توجه إلى الإخوان بعدم التسامح عمليا مع بقية الفصائل الإسلامية رغم أدبياتها التي تتحدث دائما عن التعاون في المتفق عليه والعذر في المختلف فيه؟

الاتهام بأن الإخوان لا يتسامحون مع بقية الفصائل الإسلامية عمليا غير صحيح، ولقد شهدت مع المرحوم المرشد الثالث الأستاذ عمر التلمساني تجربة اتحاد الجمعيات والجماعات الإسلامية التي كان يرأسها ويحضرها معظم القادة الإسلاميين وكانت المودة والتسامح هي شعار الجميع.
قد يكون هناك بين الشباب حديث العهد بالدعوة تنافس وتسابق في الخيرات يؤدي إلى مشاحنات ومشاكسات لا توافق عليها قيادة الدعوة. وعند النظر في أسباب ما يحدث فإنها تكون غالبا عند السعي إلى ضم أنصار جدد للحركة أو الجدال بغير الحسنى حول مناهج العمل وطرق الدعوة أو المغالاة في مدح منهج الإخوان.
وموقف الإخوان الثابت الذي يرد إليه الجميع هو التعاون على الخير والجدال بالحسنى والتناصح بالمعروف.
ولإحقاق الحق وللتاريخ أذكر هنا أن أحد أهم اهتمامات الإخوان عند خروجهم من السجن والمعتقلات هو الاهتمام بالشباب وتوريثه خبرات الإخوان وصبر الإخوان طويلا في مراحل الإقناع حتى اقتنع أغلبية الشباب بمنهج العمل السلمي المتدرج، وعندما أصر البعض على اختيار طريق آخر لم ييأس الإخوان وعشنا نحن الجيل المقارب للشباب برعاية الإخوان رحلة أخرى طويلة للإقناع وشاءت إرادة الله أن تثمر بعد عقدين من الزمان بعد أن خاض تجربة مريرة كان همهم الأول فيها إثبات أن الطريق الذي اختاروه صحيح وأن منهج الإخوان خطأ واتهموا الإخوان فيها بالضعف وتثبيط الهمم ويكفي الاطلاع على بعض ما قالوه أو كتبوه ومن أشده "الحصاد المر" ولهذا السبب كانت تجري المشاحنات وأحيانا نادرة الاشتباكات مثلما حدث في أسيوط.

إذا كانت هذه هي أهدافكم فهل تتوقعون تحقيقها بقيادة طاعنة في السن كما هو عندكم الآن؟ فأين الشباب في السلك الهرمي القيادي للحركة؟

الشباب موجودون فهم جسد حركة الإخوان ويمثلون 90% من عضويتها، ويقود حركة الإخوان في كافة تشكيلاتها القاعدية والوسيطة شباب يقل عن أربعين عاما حيث يشكلون أكثر من 70% من القيادات، وهناك تمثيل محترم للشباب في المستويات العليا سواء في مجلس الشورى أو مكتب الإرشاد لا يقل عن 40% تقريبا، وهم لا ينازعون الشيوخ لأن الجميع يعتقد أن المسؤولية تكليف وعبء وليست تشريفا ووجاهة.ولا يوجد لدى الإخوان سن للتقاعد عن العمل والنشاط، فالسابقون المجاهدون الذين ضحوا بزهرة العمر من أجل نشر الدعوة ورفع لواء الإسلام وجاهدوا من أجل مصالح المستضعفين في سبيل الله، طالما كانت هناك بقية من صحة أو جهد ووقت يستمرون في العمل والعطاء والخبرة، وإذا نظرت الآن إلى أعضاء مجلس الشعب في مصر وهم 17 نجد أن غالبيتهم من الشباب (14 من 17) مما يبين حجم تمثيل الشباب.وفى النهاية ستبقى وجهات النظر متفاوتة حول أداء الإخوان وطريقة عملهم ويرحب الإخوان بكل نقد بناء أو نصيحة مخلصة وهم يعلمون أن رضا الناس مطلب مستحيل لذلك هم يركزون على تحقيق رضا الله عنهم وعندئذ يتحقق لهم القبول فى الأرض ويقدمون ما ينفع الناس.______________قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت.