آخر الأخبار

حوار مع المفكر الإسلامي إبراهيم غرايبة : نحو رؤية استراتيجية جديدة للعمل الإسلامي....1/2

2003-5-21 | محمد سليمان حوار مع المفكر الإسلامي إبراهيم غرايبة : نحو رؤية استراتيجية جديدة للعمل الإسلامي....1/2

يشهد العمل الإسلامي مرحلة سياسية حرجة، ولحظة تاريخية خطيرة تختلف تقديرات المفكرين والمثقفين حول تحديد دلالاتها الحضارية والنهضوية، بين من يرى أنها علامة على شراسة الحملة على العمل الاسلامي، وبين  من يرى انها مقدمة لفعالية إسلامية مستقبلية قادمة على المستوى العالمي، بين من يرى أنها إقحام العمل الاسلامي في معركة غير متكافئة خاسرة وفق نظرية "الحرب غير المتوازية"، وبين من يرى أنها إرهاص لقيام المشروع الإسلامي من خلال قوى سياسية تحمله وتنشر منهجه الإصلاحي...

\n

          وفي مقابل هذه الظروف الموضوعية (الدولية، الإقليمية، المحلية)، فهناك الأسئلة الداخلية في الحركات ومؤسسات العمل الاسلامي ومدى امتلاكها للرؤى والأدوات لمواجهة هذه التحديات أو التهديدات، في هذا السياق التقيت الأستاذ إبراهيم غرايبة المفكر الإسلامي الأردني، وأحد أبرز المتخصصين في دراسة الحركات الإسلامية في الاردن وفي العالم العربي.

\n

          وإبراهيم غرايبة، مفكر من نوع خاص، له رؤيته وتحليلاته المتميزة في قراءة مسار العمل الإسلامي وتطوره والتحديات التي تواجهه، وكثيرا ما يصدم القاريء بأفكار جديدة  يطرحها في ميدان الفكر الإسلامي المرتبط بتصورات وسلوك الحركات الإسلامية، إلاّ أنّ أبرز ما يلفت الانتباه إلى طروحات غرايبة قدرتها على اختراق الواقع بحثا عن موطيء قدم في المستقبل من خلال قدرة استشفافية وملاحظات دقيقة يصعب على  كثير من الباحثين والدارسين رصدها وتحليلها.

\n

          إضافة إلى ما سبق فإنّ الاستاذ ابراهيم مفكر  وكاتب جريء لا يتردد أن يكتب ويفكر بصوت مرتفع، بعيدا عن الكولسات الحركية والتحايلات المعرفية، وربما هذه الصفة قد جرّت عليه كثيرا من المشاكل، خاصة و قد كان أحد القيادات الفكرية في جماعة الأخوان المسلمين، ومدير مركز دراسات الامة، في الأردن، إلى ان تم بحقه  وبسبب جرئته على النقد الذاتي والطرح الفكري جملة من العقوبات أودت به بعيدا –على الاقل حركيا- عن الجماعة والحركة  التي بذل زهرة شبابه فيها باحثا ومفكرا وعاملا مع العاملين، وأذكر أنّ أول حوار صحفي أجريته كان مع الأستاذ ابراهيم لصحيفة اسبوعية أردنية حول الحركة الاسلامية في الاردن، وقد هاجم بشدة الفساد المالي والخلل الفكري الذي تتصف به نخب قيادية مسيطرة ومؤثرة في الحركة،  فتعرض لحملة كبيرة على أثر ذلك الحوار تسببت في متاعب كبيرة له ليس أقلها المحاربة في الرزق.

\n

          لا أريد أن أسرق من وقت القاريء كثيراً، وأتركه مع هذا الحوار المسهب الممتع مع مفكرنا، والذي خص به مجلة العصر، وأتمنى أن نقرأ تعقيبات وأراء حول الأفكار الواردة فيه، تسهم في تعميق الحوار حول مسار العمل الاسلامي والسؤال المهم: أين نضع اقدامنا في المرحلة القادمة ؟...

\n

*على الرغم مما شهده العالم من تغيرات كبيرة في مجالات متعددة، وعلى مستويات مختلفة، ثم أحداث أيلول والحرب الأفغانية والعراقية الأخيرة، إلاّ أننا لم نلمس ان الحركات الإسلامية قد أجرت تقييما استراتيجيا لهذه المتغيرات وطبيعتها وآليات التعامل معها، سواء على المستوى الفكري أم الحركي، ما هو رأيكم بذلك، وكيف نقيم تجاوب الحركات الإسلامية مع هذه الأحداث والمتغيرات الكبيرة؟..

\n

** تمثل الحرب الأفغانية ثم الحرب العراقية محطة مهمة في مسار عالمي ترسمه أمريكا لإعادة صياغة العالم وفق استراتيجية أعلن عنها المسؤولون الأمريكان مرات عدة، وعندما حصل بوش على إذن بالحرب بعد أحداث أيلول بثمانية أيام جاءت تصريحات رسمية بأن الحرب قد تمتد إلى عشرة أعوام ومن أفغانستان إلى مواقع أخرى، فهي حرب مفتوحة زمانيا وجغرافيا، ولم يكن العراق مستبعدا منذ اللحظة الأولى، وهناك ست دول تراها الولايات المتحدة راعية للإرهاب هي مرشحة لحروب أخرى كما جرى في أفغانستان والعراق، وهي: سورية، وليبيا، والسودان، وإيران، وكوبا، وكوريا الشمالية.

\n

وقد نص تقرير الأمن القومي الذي أعلنه بوش في 20/9/2002 على أن الولايات المتحدة لن تسمح لأي طرف بأن يتحدى تفوقها العسكري بمثل ما كانت الحال في الحرب الباردة، ولن تنتظر الولايات المتحدة قدوم التهديد إليها ولو كمجرد احتمال، وإنما هي التي ستذهب إليه لضربه عسكريا على نحو استباقي. وكانت البداية المعلنة في 11 أيلول، ولكن تبين أنها خطة مرتبة ومعدة منذ زمن طويل للتحول إلى امبراطورية والعودة إلى الامبريالية وإخضاع الدول التي تهدد الولايات المتحدة للاحتلال المباشر أو الوصاية. وأعيدت صياغة الرأي العام الأمريكي ليتقبل أي تنازل عن الحريات والحقوق الشخصية المقدسة وعن أي قيمة أخلاقية، ولتنفيذ عمليات على حساب دافع الضرائب لشراء الصحف وإنشاء مدارس دينية معتدلة واستمالة الدول.

\n

فما يجري اليوم هو تطبيق لأفكار ومقولات بدأت تتشكل مع انهيار الاتحاد السوفياتي يمكن تلخيصها بعبارة فوكوياما الشهيرة "نهاية التاريخ" أي بذل كل الإجراءات والحروب الوقائية بأي ثمن ليقف التاريخ في هذه اللحظة ولا يتقدم ويبقى في مرحلة الهيمنة الأمريكية المطلقة.

\n

وبالطبع فإن الإسلام بما يملكه من دافعية وتأثير وما يقدم لأتباعه من خصوصية ونموذج ثقافي وحياتي يشكل تحديا كبيرا للمشروع الأمريكي القائم أساسا على الإعلام والثقافة.

\n

والحركة الإسلامية ليست جماعة محددة يمكن تعريفها وفهمها، ولكنها جماعات كثيرة وأفكار واتجاهات متباينة تسعى في التعبير عن الإسلام والمساهمة في وجهة المسلمين والعالم الإسلامي، وهي تتوزع في ذلك في خريطة معقدة بين الاعتدال والتطرف، والعمل السلمي والعنف، والعمل مع الحكومات والمجتمعات الأهلية، والمضامين السياسية والاجتماعية والفكرية، والهيئات والصيغ التنظيمية ووسائل التجمع والخطاب.

\n

ويصعب أن نتحدث عن واحدة منها وتعميم استجابتها للأحداث والتحولات، حتى الحركة التي تبدو واحدة فإنها تعددت واختلفت في تعاملها مع أهدافها والبيئة المحيطة بها في الأقطار المختلفة اختلافا يصعب رده إلى مقولات ومضامين فكرية واستراتيجية تلتزمها الحركة، ولكن أفرع الجماعة الواحدة في كل قطر اجتهدت وفق رؤيتها للمعادلة المحلية الوطنية.

\n

ويمكن رصد مجموعة من الاستجابات والتحولات التي جرت في عقد التسعينات، فهناك المشاركة السياسية الواسعة للحركة الإسلامية في الدول التي تجري فيها انتخابات نيابية ونقابية وبلدية كما في مصر والأردن والجزائر واليمن وتركيا والكويت وباكستان، وهناك مقاومة الاحتلال كما في لبنان وفلسطين، وهناك تجارب العمل الاجتماعي والدعوي والإغاثة كما في السعودية ودول الخليج، وهناك بالطبع تجربة العنف المسلح الذي استهدف أنظمة سياسية كما في مصر والجزائر أو مصالح الولايات المتحدة في مختلف أنحاء العالم، أو العنف الذي استهدف الغرب دون تفريق بين المواقف الغربية المختلفة أو بين طبيعة المستهدفين في عمليات العنف، وهناك العمل المؤسسي والمجتمعي كما في البنوك الإسلامية والجامعات والمدارس والمستشفيات وشركات الاستثمار القائمة على فكرة إسلامية كالتأمين أو الحجاب وأشرطة الكاسيت والفيديو والنشر والإنتاج الفني ورحلات الحج والعمرة، وكلها أعمال تسعى في التعبير عن الإسلام وتمثيله، تقترب من ذلك أو تبتعد، وتخطئ أو تصيب، وكان بعضها على درجة من الغلو والتعصب والانحراف الذي أضر بقضايا المسلمين ودعوتهم ودولهم ومجتمعاتهم، ولكن ذلك كله في إطار الإجابة عن الاستجابة والتحولات التي جرت.

\n

وربما يمكن التفكير هنا في مستقبل مقاومة الاحتلال والانتفاضة في فلسطين، والحركات الاستقلالية في كشمير والشيشان والفلبين مع التأكيد على الفرق الكبير بين حالة فلسطين وما سواها من الأقطار والبلاد والقضايا، فربما تكون فلسطين هي البلد الإسلامي الوحيد الذي يتعرض لاحتلال استيطاني وعسكري، وأما الأقطار الأخرى فثمة نزاع بين رغبة في الاستقلال وإرادة مركزية لدولة أكبر من المجموعة الإسلامية لكنها لا تعد احتلالا.

\n
    \n
  • في حوار خاص أجريته مع المفكر السعودي زكي الميلاد، رأى أن أحداث 11 أيلول تفرض على الفكر الإسلامي إعادة النظر بفلسفته اتجاه الكون والحياة والآخر والذات، هل توافقه على هذا الطرح، وما هي أبرز المشاكل الفلسفية التي عانى منها العمل الإسلامي في المرحلة السابقة؟..
\n

** أعتقد كما قلت في إجابة السؤال السابق أن أحداث 11 أيلول لم تكن حادثا منفصلا عن المسار العام الذي سبق الأحداث منذ أواخر الثمانينات، فالأحداث لم تكن انعطافا مفاجئا في التفكير والتخطيط الأمريكي أو في مسار العمل للإسلام.

\n

ولكن الحاجة إلى صياغة فلسفة تجاه الكون والحياة والآخر والذات ومراجعة ما هو قائم من أفكار وممارسات هو أمر في غاية الأهمية، فالخطاب الإسلامي الذي يتصدى لقضايا ومواقف ويخوض علاقات وتجارب جديدة يحتاج بالتأكيد إلى مراجعة وإعادة صياغة ليلبي متطلبات العمل الكثيرة والمستجدة، وأولها الفهم الصحيح والملائم لموقعنا في خريطة القوى والأفكار ورسالتنا الممكنة والواجبة ودورنا المطلوب.

\n

لقد كانت الفلسفة التي تحكم العمل الإسلامي يغلب عليها البعد عن حقائق العصر وتغيراته ووجهة الحضارات والمجتمعات، ومن ذلك قضايا حقوق الإنسان والتعددية والحريات والبيئة، والحوار والعلاقة مع الآخر، وتداول السلطة، وقضايا المرأة وغير المسلمين في دول المسلمين ومجتمعاتهم، والاتجاهات الجديدة في التنمية الإنسانية، ورسالة الدعوة والعمل الإسلامي في وسط عصر تسوده حضارة وأنماط حياة وفلسفات في الحكم والعلاقات لم يساهم المسلمون في صياغتها، ولا كان لهم دور في تحقيقها لكنها تشكل حياة الناس وأساس الدول والتشريعات والعلاقات والتنافس والصراع.

\n

وكان العمل الإسلامي يخوض معركة دفاع عن الذات ويحاول أن يجد مكانا في موجة العلمانية التي أبعدت الإسلام والدين عن الحياة، ولكن العالم بدأ يشهد موجة عودة للدين وانحسار لموجات الليبرالية، وكان المسلمون جزءا من هذه الموجة العالمية، فتشكلت صحوة إسلامية كبرى، ونشهد عودة للدين في كل شؤون الحياة ومجالاتها.

\n

وهذه الموجة الإسلامية والدينية بعامة تغير كثيرا من الأدوار والأفكار في العمل الإسلامي، ولكن يبدو أن كثيرا من المشتغلين بالعمل الإسلامي لا يدركون ذلك، ويحسبون أن أولويات واحتياجات العمل الإسلامي مازالت كما كانت قبل سنوات، أو لا يريدون أن يتقبلوا الحقائق الجديدة لأن ذلك يعني في كثير من الأحيان أنهم يجب أن يغيروا من أدواتهم وخبراتهم أو الاعتراف بأنهم تحولوا إلى جزء من الماضي وأن حركة الحياة والتاريخ قد تجاوزتهم.     

\n

*يلاحظ بعض المثقفين ازدياد ظاهرة التطرف الديني عند جماعات كبيرة من الشباب الإسلامي في السنوات الأخيرة، وانتصار فكر سياسي وفقهي يتسم بالجمود والتشدد في مختلف المجالات، بينما كان الفكر الإسلامي في  بدايات القرن الماضي يقود عملية التنوير والنهضة والتجديد، فهل نحن أمام نكوص فكري وحركي في العمل الإسلامي؟

\n

** ربما تكون الإجابة بنعم صحيحة ولكنها ليست كافية برغم المؤشرات الكثيرة على حالة النكوص والقطيعة التي تعيشها الحركات الإسلامية مع مرحلة الإصلاح والتنوير، ولكن الحالة الإسلامية لا تفهم فقط بالنظر والدراسة في الحركات والجماعات الإسلامية.

\n

لقد ركزت جهود فهم الحالة الإسلامية على الحركات الإسلامية، وهذا يقود إلى فهم مضلل للواقع والحراك الإسلامي القائم، فالحركات الإسلامية هي واحدة من مظاهر المد الإسلامي وليست مكونا أصيلا في الظاهرة، وعلاقتها بالظاهرة أو الحالة الإسلامية مثل علاقة متاجر أجهزة الهاتف وأدواتها المنتشرة بكثافة كبيرة بثورة الاتصالات.

\n

إن الحالة الإسلامية أكبر بكثير من الحركات الإسلامية، فهي شبكة ممتدة ومعقدة تمثل الجماعات جزءا قليلا منها، وإن كان حضورها الإعلامي كبيرا.

\n

فنلاحظ حالة من الإقبال على الإسلام والعمل الإسلامي في أقطار لا وجود فيها للحركات والجماعات الإسلامية المنظمة مثل سورية والعراق على سبيل المثال، أو دول وأقطار رزحت لفترة طويلة في ظروف تغييب قاس للدين والهوية كما في دول آسيا الوسطى وألبانيا والبوسنة والهرسك، وكان آلاف المتطوعين الذين سافروا إلى العراق للمشاركة في مقاومة الغزو الأمريكي لا علاقة لهم بجماعة إسلامية منظمة، وربما لو استمرت الحرب أسابيع قليلة لتطوع أكثر من مائة ألف، مما يؤكد أن الصحوة الإسلامية هي التي أنعشت الحركات والجماعات الإسلامية وليس العكس، فبعض هذه الجماعات كان قبل سنوات يعاني من إعراض وعزوف وتجاهل كبير من الناس والشباب والمثقفين.

\n

وهذا يعني أيضا أن التطرف والعنف ليسا في الحجم الذي يقدمه الإعلام ويوهمنا بخطورته وانتشاره، ففي الأردن على سبيل المثال كان الدبلوماسي الأمريكي فولي هو أول شخص يقتل منذ بدأت المجموعات المتطرفة في الظهور أو الإعلان عنها في أوائل التسعينات، وإذا راجعت عدد القتلى والعمليات المنسوبة إلى التطرف الإسلامي في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الإرهاب لوجدتها بالغة الضآلة ولا تساوي في جميع أنحاء العالم عدد ضحايا حوادث السيارات في الأردن، وهي أقل بكثير من كل أنواع العنف الأخرى المنتشرة في كل أنحاء العالم.

\n

إن الحالة العامة للمجتمعات العربية والإسلامية يغلب عليها الوسطية والاعتدال، وإذا قورنت بموجات اليمين المتطرف والأصولية التي تجتاح العالم وبخاصة في الغرب لوجدتها لا تشكل خطرا يذكر على الدول والأقطار ومجتمعاتها أو على المجتمع العالمي.

\n

ولكن خطورة التطرف هي من الأصوليين والمحافظين الجدد الذين يهيمنون على الحياة السياسية والعامة في الولايات المتحدة واليمينيين المتطرفين في أووربا والذين يملكون مع تطرفهم إمكانيات عسكرية واقتصادية وتقنية هائلة جدا.

\n

المتطرفون الإسلاميون ليسوا هم الذين ألقوا قنابل نووية أبادت سكان مدن بأكملها وما زال أهلها بعد خمسين عاما يعانون من التشوه والألم والدمار، وليسوا هم الذين أبادوا شعوبا بأكملها كانت لا تقل في عددها عن سكان أوروبا كلها، وليسوا هم الذين استقدموا مائة مليون أفريقي لاستعبادهم وتشغيلهم في أسوا ظروف إنسانية عرفها التاريخ، وليسوا هم الذين يعتقلون آلافا من الأشخاص في غوانتانامو بدون تهمة أو محاكمة ويعرضونهم لمعاملة بالغة البشاعة والقسوة، ولا يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ في فلسطين، ولم يصنعوا أسلحة الدمار والأمراض فضلا عن استخدامها.

\n

 

\n

*لاحظت من خلال مقالاتك الأخيرة أنها تحمل معالم رؤية جديدة للعمل الإسلامي تقوم على نقد الحالة السابقة والدعوة الى قراءة المتغيرات الجديدة، وبناء رؤية فكرية وممارسة حركية جديدة، فهل هذه الملاحظة ابتداءً صحيحة؟

\n

          تقول في مقالك  [العمل الإسلامي وفقه المرحلة] :" فالحركات الإسلامية ...أنجزت معظم إن لم يكن جميع ما نذرت نفسها له، ولكن هذا الانجاز قد يعني نهايتها أيضا"، ثم تدعو في فقرات أخرى الشباب المسلم إلى الخروج من جيتو التنظيم إلى شوارع الأوطان، ومن رومانسية الشعارات إلى قسوة البرامج، ومن هموم الجماعة ومصالحها إلى حالة ألأمة والشعوب...، وتتحدث عن "الإسلام المجتمعي" في مقابل "الإسلام التنظيمي"، هل تريد أن تقول: أن دور الحركات الإسلامية قد انتهى، أم أنها عليها أن تعيد تعريف دورها الاجتماعي والسياسي؟

\n

 

\n

** تحظى دراسة الجهود والحركات الإسلامية والإصلاحية الحديثة بأهمية كبرى في هذه المرحلة ربما تفوق أية مرحلة سابقة فقد حدثت تحولات وأحداث مهمة تبدت فيها أولويات واحتياجات جديدة غيرت كثيرا من واجبات الحركات والجهود الإصلاحية، وتظهر الدراسة أيضا كثيرا من الإنجازات والمكاسب التي تحققت والتي يجب إدراكها ومراجعة العمل في مجالها لتوجيه الجهود والموارد نحو ما لم يتحقق بعد، وبالطبع فإن ثمة تحديات وعيوبا كثيرة رافقت العمل الإصلاحي يجب الالتفات إليها.

\n

  لقد خطت الأمة المسلمة منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري خطوات كبرى في مسار النهضة والإصلاح، وتحققت إنجازات مهمة، وهي "الأمة المسلمة" في أوائل القرن الخامس عشر تبدو أحسن حالا بكثير منها قبل مائة سنة، وأمامها بالطبع أعمال أخرى كبيرة يجب إنجازها ومراحل كثيرة يجب تخطيها بسرعة أكبر، وتواجهها مخاطر وتحديات كبيرة تهددها وتضعفها.

\n

وقد بدأ العمل الإصلاحي بمبادرات ومشروعات نهض بها مصلحون ومفكرون مثل محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، وجمال الدين الأفغاني في مصر والدولة العثمانية، ومحمد عبده ورشيد رضا في مصر، وعبد الرحمن الكواكبي في الشام، ومحمد بلحسن بلحجوي وعلال الفاسي في المغرب، وعبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي في الجزائر، والطاهر عاشور في تونس، أو في حركات تحرر من الاستعمار تمزج بين الصوفية والجهاد مثل السنوسية في ليبيا والمهدية في السودان والمريدين في القفقاس، والنورسية في تركيا.

\n

ثم استوعبت هذا التراث الإصلاحي والنهضوي حركات إسلامية منظمة وشعبية مثل الإخوان المسلمين بقيادة حسن البنا تلميذ رشيد رضا والجماعة الإسلامية في القارة الهندية، والحركة الإسلامية الشيعية في إيران.

\n

وتطور مشهد العمل الإسلامي اليوم إلى خريطة معقدة وشاملة تشمل دولا قامت على أساس حركات وأفكار إسلامية أو متأثرة بها مثل السعودية وإيران والسودان وأفغانستان، وتجارب ومحاولات للحكم والمشاركة السياسية مثل حزب الرفاه في تركيا والجبهة الإسلامية وحركة مجتمع السلم وحركة الإصلاح في الجزائر والحركة الإسلامية في اليمن والأردن، وحركات مقاومة للاحتلال مثل حماس والجهاد وحزب الله، وأحزابا سياسية تشارك في الحكم والحياة السياسية والعامة، ومؤسسات إسلامية كالمنظمات الدولية والإقليمية والجامعات والبنوك والشركات ومنظمات الإغاثة ومراكز الدراسات والصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفاز. 

\n

وكان من أهم خصائص المشهد الجديد انتقال مسؤولية الجهود الإصلاحية من الرواد أو الحركات المنظمة إلى حالة مجتمعية تنهض بها شبكة من الحكومات والمؤسسات والجماعات والأفراد، ويقتضى هذا التحول إعادة النظر والتفكير في مسارات العمل الإصلاحي لتناسب المشهد الجديد وأولوياته واحتياجاته وتحدياته وفرصه.

\n

فالحديث عن الإصلاح إنما هو عن دور الأمة، وهو دور لا تغني عنه أعمال جزء من الأمة كالجماعات والحركات والحكومات والمؤسسات، ولكننا نعني مجموع الأمة التي تشكل فيها المؤسسات والأفراد جزءاً من شبكة العمل والإصلاح والتنمية، فالمطلوب ليس فقط أن تبادر المؤسسات المختلفة إلى العمل والبرامج ولكن المطلوب ما يلي:

\n

1-  أن ننقل الأمة المسلمة بمجموعها إلى حالة جديدة من الفاعلية الحضارية والاجتماعية، ومعيار نجاح عمل الجماعات والحكومات والمؤسسات والأفراد هو بمقدار نجاحها في التأثير في الأمة ومساعدتها على النهضة والتغيير.

\n

2-


تم غلق التعليقات على هذا الخبر