كم من حق قتله الصامتون ودفنه المكبوتون!

2003-5-14 | خالد حسن كم من حق قتله الصامتون ودفنه المكبوتون!

إن أي حديث عن الإصلاح إسلامي الهوية بعيدا عن النضال السياسي وخطة عمل وقبل هذا وذاك إشاعة الوعي بالحقوق المشروعة مطالبة وممارسة، لا يعدو أن يكون من قبيل الترف الفكري والتنظير عن بعد. وإن الموقف السياسي الواضح الذي يعكس الهوية الإصلاحية، يربي على روح التحدي والإستعلاء الإيماني، والممارسة السياسية لساسة الدعوة تربي شباب الصحوة على صناعة الموقف واغتنام الفرص، والأهم تنضج حالات الوعي والاتزان الفكري والسياسي. إذ أن المعاناة والنضال يحققان النضوج، وأن الوعي يحصل عبر تراكم الأحاسيس والإنطباعات التي تفرزها الممارسة السياسية وفق أصولها الشرعية. مع مراعاة الحاجة الملحة لتأمين حركة التغيير حاجاتها الضرورية للمحافظة على توازنها الذاتي، ورفع مستوى فعالية أدائها الوظيفي في معترك التدافع بين المنظومات الثقافية ومشاريعها الاجتماعية أو الحضارية المختلفة. ثم إن حركة التغيير ومشاريع الإصلاح في حاجة ماسة فعلا إلى العناية الخاصة بالاحتياطي الاستراتيجي، إذا أرادت أن تتجاوز دوامة الدورات التغييرية القصيرة النفس. أو بتعبير أدق أن تولي عناية مركزة لحدود الإمكان المعرفي والبشري والمادي والاجتماعي والسياسي.. الذي تحوزه مع تطويره ورفع مستوى فعالية الأداء. وإن أحد أسباب الجنوح إلى خيار المواجهة، هو الفراغ الرهيب الذي تعيشه بلاد الجزيرة في مجال التدافع السياسي، والعناية بالحريات المشروعة، فلا يمكن الحديث عن مجتمع حي، ناهض وواعد، إلا بعد أن نهيئ له الفرص للتعبير والإبداع وممارسة العمل الأهلي، و"كم من حق قتله الصامتون". إن القيود والأغلال السياسية المحكمة والثقيلة، تورث حالة من الإحباط الرهيب، وليس هذا تبريرا وإنما هو تفسير للظاهرة. ثم إن رفع الأغلال عن الفكر والوعي، تعني في الغالب التخلص من الجماعات السرية.

\n

ثم إن عددا من الحكومات العربية عادة ما تلجأ لأساليب وأد طموحات الشعوب وتطلعاتها، كانتهاج سياسة القبضة البوليسية المرعبة، ونشر الرعب والخوف، والإلهاء الإقتصادي المؤقت وتعمد تغييب العقل الجمعي، ومحاصرة الوعي، وتعويد الشعوب على نمطية محددة، تجعل من تلك الشعوب أشباحا فارغة بعد أن تترسم في أذهانهم النمطية المنشودة، فتنشأ الشعوب معتقدة أن صور الحياة في الأرض هي ذات الصور التي يتعايشون معها في بلادهم، وقد يعتقدون أن ما لديهم هو الأفضل والأجمل، فلا يطالبون ولا يحركون ساكنا.

\n

وقد طرأ تبدل نسبي لمفهوم القدرة القيادية، فصارت البراعة الصحفية، أو المقدرة على الانبثاث، أوالوعي السياسي، أو إدارة الواجهات قرائن على أن صاحبها له مقدرة قيادية، وتحدي الجيل القيادي أن يجمع بين دفتين مطلوبتين: أن يكون ذا قدرة تربوية تأصيلية وذا قدرة على الانسياب وأنواع العمل السياسي، الذي يرتكز أساسا على التوعية بالحقوق المشروعة مطالبة وممارسة. وإن الجماهير تريد فهم جريان الأمور بصفة عامة، وتتطلع لمعرفة الموقف الإسلامي الحر منها، وأي إحجام عن النزول والإعراض عن الانغماس في ساحات التأثير أو غياب للصوت الإسلامي السياسي الموزون فإن قطاعًا عريضًا من الرأي العام سيفتش عن مورد آخر يسد حاجته أو يرضي نهمه، فيكون تأثرهم بالإعلام المضلل بما فيه من تزوير للحقائق. وأمام فعاليات العمل الإسلامي الآن فرص لإثبات التلاحم مع احتياجات المجتمع العالقة والمجمدة لم تكن في أيام النشأة الأولى، ومن خلال التفاعل مع ساحات التأثير ستبرز أشكال من الاعتراضات المفاجئة والمصاعب الجديدة لم نكن نتصورها أو نتوقع حدوثها من قبل، وهنا نضع اختباراتنا واختياراتنا وجهًا لوجه مع تعقيدات الحياة وتفريعات الوضع، ونباشر في إثرها مهمة التكيف المرن والتعامل الحذر دون مسايرة عمياء أو تفاعل أعزل، ولا بديل عن النزول للميدان والتجريب والمراس، إذ الاستدراك لا يمكن أن يتخذ طابعًا نظريًّا أو أن يجهز من وراء حجاب، بل لا مناص من المعاينة والتشخيص من خلال التعامل والتواصل.

\n

كما أن التجميع المنضبط اليوم يتطلب رسوخًا في التأصيل الشرعي، وسموًّا في الأخلاق، وفنونًا ومهارةً وابتكارًا في الأساليب، وتنويعًا في المصادر والمنابر، وقبل هذا وذاك الاندفاع الواثق والموزون، بعيدا عن الغلو في التحفظ والتردد، فكل جيل من الدعاة  نشأ في ظروف سياسية وفكرية وتربوية متقاربة، ربما تكون مؤهلةً لمعالجة عواقب تلك الظروف، أكثر مما يكون جيل من قادهم ورباهم.

\n

إن الحاجة إلى القيادي البارع في الخطابة أو التربية الإيمانية الأخلاقية ملحة، ولكن حاجات الدعوة الآن أكبر وأشمل وأعمق وأكثر تنوعًا، تتطلب الكاتب الرصين، المحلل السياسي، المفكر المبدع... من دون اختزال للنضال في أو منبر أو صحيفة أو أي وسيلة أخرى، إذ على أهميتها، فليست هي الغاية ولا الهدف، إذ واقع التدافع يتطلب مؤسسات فكرية وعلمية فاعلة تساهم في توجيه الأحداث الراهنة وتحرر الوعي من القيود وتصوغ أفكار المستقبل.

\n

إن أكثر شعوب أمريكا اللاتينية تحررت، بعد أكثر من عشرين سنة من حكم العسكر الدموي والإجرامي المدعون من واشنطن، اعتمادا على النضالات السلمية للمنظمات الشعبية (النقابات وأحزاب اليسار) الممتدة زمانا ومكانا، إذ ما قيمة حرية التفكير، ما لم تصاحبها حرية التعبير، وماذا تبقي محاربة الفكر من عزة الإنسان وقواه العقلية؟، وفات الطغمة العسكرية في أمريكا اللاتينية، أن فسح المجال للفكرة لا يعني إثارة الفتنة ولا حرية التآمر المبيت.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر