آخر الأخبار

أزمة الحجاب في فرنسا

2003-5-11 | مصطفى فرحات أزمة الحجاب في فرنسا

بعد انتهاء العدوان على العراق وإسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وبعد الخلاف الكبير الذي حدث بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين فرنسا حول طبيعة التدخل العسكري وأهدافه، وهو الخلاف الذي فتح المجال واسعا لحملات دعائية تدعو إلى مقاطعة المنتوجات الفرنسية التي تستهلكها الولايات المتحدة الأمريكية لأن الفرنسيين ـ حسب الأمريكيين ـ تنكروا للتضحيات الجسيمة التي قام بها الجيش الأمريكي لتحرير فرنسا في منطقة (النورموندي) الشهيرة عام 1944م، أعاد الفرنسيون اكتشاف مشكل آخر من شأنه أن يفتح الباب واسعا أمام اللااستقرار والصراع الديني الذي تعلم فرنسا أنها ليست بأمن عنه، ألا وهو قضية منع الحجاب في المدارس الفرنسية.

\n

(1)

\n

في شهر أكتوبر 1989، تم طرد ثلاث بنات من إحدى المدارس الإعدادية في فرنسا بسبب ارتدائهن للحجاب.. وثمة كانت البداية. وحاول وزير التربية آنذاك (ليونيل جوسبان) التخفيف من وقع المشكلة، وطالب بفتح قنوات الحوار وكذا جمع مجلس الدولة للبت في القضية. وفي اجتماع لمجلس الدولة في 27 نوفمبر 1989، تم التأكيد على أن "حمل التلاميذ لشعارات تهدف إلى إظهار انتمائهم الديني لا يُعتبر في حد ذاته مخالفا لمبدأ فصل الدين عن الدولة"، وهو المبدأ الذي صار أساس الدولة الفرنسية منذ عام 1905. ولكن قرار المجلس يضع شروطا لهذا الشعار، فيؤكد على أهمية مراعاة أن "لا يؤثر على نشاطات التعليم، ولا على مضمون البرامج، ولا حتى على الانضباط"، مع الإشارة إلى أن "الشعارات الدينية البادية للعيان والتي تحمل طابع الاحتجاج والمعارضة التي تعتبر ضغطا أو استفزازا أو دعاية تعتبر ممنوعة".

\n

وظن الجميع أن المشكلة قد حُلت نهائيا بمثل هذه التعابير الهلامية التي تركت الأمور عائمة في الهواء، والتي أشبهت أدبيات (لا آمرك ولا أنهاك)، ولعل ذلك يرجع أساسا إلى كون الحجاب شيئا جديدا في بداياته الأولى مع انتشار الصحوة الإسلامية، حتى على كثير من الدول الإسلامية وقتها، ولم يكن أحد يتصور أنه طوفان جارف لا يلبث أن يصبح ظاهرة قد تهدد مفهوم فصل الدين عن الدولة المقدس لدى الجمهورية الفرنسية، أو تعززها عند طائفة أخرى، وذلك بدافع احترام الحريات الشخصية والقناعات، لاسيما مع الازدياد المذهل لعدد المسلمين نتيجة ارتفاع نسبة المواليد لدى الجالية المسلمة بالدرجة الأولى، ثم اعتناق الفرنسيين للإسلام بالدرجة الثانية، علما أن الإسلام هو الديانة الأكثر انتشارا في السنوات الأخيرة في فرنسا، بل وفي العالم، على الرغم من الحملة الدعائية المناوئة لامتداد مفاهيمه وقيمه بتشويه أصوله وأتباعه أولا، ثم إعلان الحرب عليه تحت أغطية شتى ثانيا.

\n

ولكن المشكل طفا إلى السطح مرة أخرى بعد ازدياد المرتدين لحجاب في المدارس الفرنسية سنة 1994، وهو الشيء الذي دفع الحكومة الفرنسية إلى تحديد موقفها من الحجاب مرة أخرى بصفة أكثر دقة، فأفاد قرار إداري أن "الشعارات الظاهرة للعيان تعد في نفسها دليلا على التعصب الديني"، وبناء على ذلك تم طرد عدد من الفتيات المرتديات للحجاب، غير أن قرارات العدالة كانت تقضي في كل مرة بإعادة إدماجهن في المدارس لعدم وجود قانون صريح يمنع ارتداء الحجاب في المؤسسات التربوية.

\n

ولما بدا واضحا في عيون الحكومة الفرنسية أن الحجاب تحول من مجرد لباس ترتديه المسلمات إلى (ظاهرة)، عينت في شهر نوفمبر 1994 السيدة حنيفة شريفي كوسيط في قضية الحجاب بين الحكومة والأطراف المعنية.   

\n

(2)

\n

فرنسا دولة اختارت التوجه العلماني القاضي بفصل الدين عن الدولة منذ سنة 1905، وهو ما يعني أن الدولة لا تفضّل ولا ينبغي لها أن تفضّل دينا على آخر، وكان هذا القرار نتيجة طبيعية ومنطقية للصراع المرير بين الكنيسة ورجال العلم طيلة قرون عديدة، أزهقت في سبيل تحصيله أرواح كثيرة، وسالت من أجل تحقيقه دماء كثيرة.ومما أضفى على هذا التوجه المصداقية الشرعية (فيما يخص النظرة المسيحية) ما توارثه النصارى من تعاليم الإنجيل المحرف والمؤول، حيث لا  تزال ترد في المخيال الشعبي ما ورد عن المسيح عليه السلام ـ بزعمهم ـ يقضي بفصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية. ورد في أناجيل (متّى) و(لوقا) و(مرقس) ما يلي، وسنسوق رواية (مرقس) {12 ـ (13، 17): (وأرسلوا إليه (أي المسيح) جماعة من الفرّيسيين والهيرودسيين ليمسكوه بكلمة، فجاءوا إليه وقالوا له: "يا معلم، نعرف أنك صادق لا تبالي بأحد، لانك لا تراعي مقام الناس، بل بالحق تعلّم طريق الله. أيحلُّ دفع الجزية إلى القيصر أم لا؟ أندفعها أم لا ندفعها؟"، فأدرك يسوع مكرهم، فقال لهم: "لماذا تحاولون أن تحرجوني؟ هاتوا دينارا لأراه"، فأعطوه دينارا، فقال: "لمن هذه الصورة وهذا الاسم؟"، قالوا: "للقيصر"، فقال لهم: "ادفعوا إلى القيصر ما للقيصر، وإلى الله ما لله"، فتعجبوا منه).

\n

ولما انقضى التعجب ومضت أجيال تعقبها أجيال، رسخ في ذهن النصارى أن ذلك إقرار صريح بفصل سلطة الجسد عن سلطة الروح، ومن ثم سهل عليهم استساغة العلمانية. ولهذا لا يجد رئيس الوزراء الحالي (جان بيير رافاران)، وهو أحد الداعين إلى تقنين منع الحجاب في المؤسسات العامة، حرجا من التصريح قائلا: "أنا مؤمن، ولما أذهب إلى الكنيسة في عيد الفصح أصلي، ولكني لما أمثل الدولة مثلا في جنازة (جون لوك لاغاردير) ـ وهو أحد كبار رجال الأعمال الفرنسيين ـ فأنا لا أصلي"!. وبمعرفتنا لجذور الفكر الغربي الذي يشكل ثقافته الحالية، نعرف الزاوية التي ينظر إليها رجل، يصلي عندما يمثل نفسه ولا يصلي عندما يمثل دولته، إلى دين لا يعترف بالحدود بين الجسم والروح، وبين العقل والقلب، وبين الأفعال الظاهرة والأفعال الباطنة..وهذه مشكلة.

\n

(3)

\n

مثلما طالب كثير من الشخصيات السياسية الفرنسية، ومن أبرزهم وزير الدفاع السابق (جان بيير شوفنمان) سنة 1999، تم بعد سلسلة اجتماعات مطولة ومشاورات معمقة، أعقبتها حملة انتخابية جرت في 6 و13 أبريل الماضي، إنشاء (المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية)، وهي هيئة تهدف إلى التمثيل الرسمي لمسلمي فرنسا، والبالغ عددهم 5 ملايين مسلم. غير أن صراع الكواليس حول طبيعة التمثيل وماهيته، وكذا التنظيمات التي يحق لها الانضمام إلى المجلس قانونيا أو عرفيا، إضافة إلى صراع الدول العربية، وفي مقدمتها الصراع التقليدي بين الجزائر والمغرب، قصد تدجينه والوصاية عليه، عوامل كلها ستؤدي إلى إفراغه من محتواه وإخراجه عن الأطر التي يمكن له من خلالها خدمة مصالح المسلمين قاطبة في فرنسا، دون النظر إلى طبيعة الحدود الجغرافية للبلدان الإسلامية، ولا حتى الخلفيات السياسية التي تهدف بعض الأطراف لأن تكون الوصي الأول على المجلس. وبينما يبلغ الصراع أشده حول الحجاب في فرنسا، مع كثرة الداعين إلى منعه، يترنح بعض أعضاء المجلس الإسلامي الفرنسي ويزجون أنفسهم في صراعات جانبية، تؤيد تقرير من أكد أن كثيرا منهم عملاء يهدفون إلى ضرب الإسلام بدل تمثيله أحسن تمثيل وحماية المسلمين. وتشير التقارير إلى أن مقاعد كثيرة في المجلس فاز بها ممثلون لهيئات تسيطر عليها المملكة المغربية، وكذا تنظيمات تابعة للإخوان المسلمون، ولذلك حاول كثيرون إقحام الخلافات السياسية بين الجزائر والمغرب وجعلها محور صراع على المصالح في مجلس يحترف التحدث باسم الدين، والأدهى من ذلك أن يكون رئيس المجلس مبغضا لما يُعرف بالصحوة الإسلامية، ويتحدث عن ضرورة سعي فرنسا لقطع الطريق أمامها، بل ويتحدث بصراحة ـ كما فعل في جريدة (لوفيغارو) ـ قائلا إن الحجاب ليس شيئا أصليا في الإسلام، في مشهد تراجيدي يدفع أحد ممثلي الإسلام في العالم الغربي إلى إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة وأجمع عليه المسلمون منذ الزمن الأول، في حين يتورع الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) عن "الفتوى السياسية" لأنه يعلم خطورة قرار بقضي بالمنع، ولذلك اكتفى بالقول في لقاء جمعه بدليل أبو بكر في 07 ماي الماضي: "علينا التوصل إلى حل حكيم"، خصوصا إذا علمنا أن زوجة الرئيس (برناديت شيراك) تطالب بالسماح للمتدينات بالحفاظ على حجابهن في صورهن الخاصة بوثائق الهوية. والمشهد التراجيدي الثاني أداه ببراعة مفتي (مارسيليا) صهيب بن الشيخ، وهو جزائري كذلك، حيث هدد بالاستقالة من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بسبب "حصول الإسلاميين المتشددين على مقاعد في المجلس"، علما أن هذا المفتي نفسه معروف بانتمائه للتيارات العلمانية التي ترفض إقحام الإسلام في المجال السياسي، وكذا آرائه الغريبة ومواقفه الرهيبة من قضايا الدين وسلطته على المجتمع. وهكذا تضيع فرص البناء الإسلامي وسط أعاصير تهدد المسلمين في صميم كيانهم وجوهره.

\n

(4)

\n

يستغرب البعض كيف أن مشاكل مثل هذه يمكن لها أن تجد مكانها وسط عالم يعُدُّ احترام الحريات الفردية أساس وجوده وفخره، كما أن البعض يدخل في متاهات الجدل ويُرهق نفسه بالإجابة عن الأسئلة التالية: هل العلمانية تقتضي نزع كل مظاهر الدين في المجتمعات التي تتولى حكمها؟ وما مدى التوافق بين احترام الحريات الفردية وبين احترام فصل الدين عن الدولة؟ وهل يقضي هذا الفصل بمنع الحجاب أم بإباحة لبسه؟ ولماذا يُمنع في المؤسسات العمومية ويُسمح به في غيرها؟ وما هي ضوابط المؤسسات العمومية وما هو الفرق بينها وبين المؤسسات الخاصة؟. إنها أسئلة لا يمكن أن تجد لها جوابا شافيا طالما أن المسؤولين الفرنسيين منقسمين بشأنها ويقولون اليوم قولا ليرجعوا عنه غدا، تماما مثلما فعل رئيس الحكومة (جان بيير رافران) الذي قال في حديث مع القناة التلفزيونية الثالثة الفرنسية يوم 03 أفريل الماضي إنه يؤيد حظر الحجاب في مؤسسات القطاع العام، ليخفف من حدة تصريحاته ويقول شهرا بعد ذلك في 04 ماي في تصريح للقناة الإذاعية الفرنسية (أوروبا 1) إنه يأمل أن تكون العلمانية قوية بذاتها ولا تحتاج لقانون يفرضها، تجنبا لكل صراع غير مُجد".

\n

والواضح من كل هذه الضجة الإعلامية أن الإسلام هو المستهدف دون غيره من الديانات، ولهذا تُرادف مشكلة احترام العلمانية في فرنسا قضية الحجاب دون تعليق الصليب أو لبس الطاقية اليهودية أو نحوها. ولهذا كان ينبغي أن يقوم المجلس الإسلامي الفرنسي بتوضيح تعاليم الإسلام الحقيقية، وبيان ما هو أصل لا ينبغي التنازل عنه، ومن بينه الحجاب، وبين ما هو خاضع للمصلحة الشرعية فيتغير حكمه بتغير الزمان والمكان.

\n

كما أنه في خضم هذه الفوضى الفكرية والاجتماعية، كان الأولى أن نقوم بتفعيل دور مسلمي فرنسا، وهم حوالي 5 ملايين مسلم، وذلك كي يكون لهم دور إيجابي من هذه القضية يُبدون من خلاله آراءهم وفكرهم في مجتمع طريق خلاصه الوحيد هو أن يُبنى على التعايش والتفاهم، وإن التهديد بإضراب خمسة ملايين شخص عن العمل وإحداث القطيعة مع مجتمع يرفض الاعتراف الحقيقي بدينهم بعكس اليهود الذين يحظون بمدارس خاصة معتمدة من طرف الدولة الفرنسية لا تسمح بإدماج الفرنسيين النصارى أو المسلمين فيها، لأنها حكر على اليهود فقط، لهو كفيل بأن يُرجع الجميع إلى جادة الصواب، لاسيما أن قرار منع الحجاب هذا لو تم تقنينه وفرضه سيفتح الباب واسعا أمام صراعات طائفية وعرقية ودينية تقضي على استقرار فرنسا السياسي والاجتماعي، وهو ما يتمناه أكثر من طرف تتفق غاياتهم وتختلف وسائلهم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر