آخر الأخبار

الانتخابات تثير الأسئلة الداخلية الإسلامية مرة أخرى : الإخوان والجبهة.. من يلغي الآخر!

2003-5-11 | محمد سليمان الانتخابات تثير الأسئلة الداخلية الإسلامية مرة أخرى : الإخوان والجبهة.. من يلغي الآخر!

أثارت إرهاصات مشاركة الحركة الإسلامية في الأردن بانتخابات المجلس النيابي القادم، العديد من القضايا وأعادت تسليط الأضواء على بعض الأسئلة الداخلية في الجماعة والجبهة، والتي كانت تبرز على السطح ضمن المنعطفات واللحظات السياسية الحاسمة، وأهم هذه القضايا والإشكاليات مرتبطة بالعلاقة بين حزب جبهة العمل الاسلامي وجماعة الأخوان.

\n

ويرى عدد من المراقبين أن المخاض الانتخابي الحالي والذي يأتي بعد انقطاع الحركة عن الانتخابات السابقة وغيابها عن العمل النيابي عدة سنوات –منذ عام 1997- تبدلت فيها القيادة الاخوانية والسياسية والحركية للجبهة عدة مرات، وشهدت اختفاء شخصيات قيادية وظهور أخرى، سيؤدي الى ظهور حوار وربما اختلاف كبير بين أفراد الحركة الإسلامية لارتباط إفراز أسماء المرشحين والنواب القادمين بتحديد رموز المرحلة القادمة الذين يعبرون عن قيادة الحركة الإسلامية على الأقل على الصعيد السياسي العام.

\n

في إطار هذا المناخ الداخلي برزت إلى السطح بعض خفايا النقاشات والحوارات الداخلية: وكان أبرزها العلاقة بين الجماعة والجبهة، فقرار مجلس شورى الجماعة بوضع شروط للمرشحين للانتخابات النيابية القادمة، تمثل ابرزها بعدم حصول المرشح على سيارة مجلس نواب سابقة، والا يكون عضوا في المكتب التنفيذي لجماعة الأخوان، وألا يكون عضوا في مجلس النواب لمرتين متتاليتين، أثار نقاشات واسعة بين مؤيد ومعارض، وبعيداً عن دلالات القرار الحركية – حيث أنه صدر من مجلس الشورى او بمعنى أصح نواب قواعد الجماعة في القيادة، وبالتالي وضع هذه الشروط يؤشر على وجود توجه عام داخل القواعد على تجديد القيادة وإفراز قيادة شابة جديدة تمتلك القدرة والأدوات على التعامل مع المرحلة القادمة – فإنّ هناك حالة من النقاش الحاد داخل الجبهة حول مدى علاقة الجبهة بالجماعة، ومدى قبول قيادة الجبهة لعلاقة التبعية بالجماعة، إذ يرى  عدد من القيادات السياسية في الجبهة أن صدور هذا القرار من قبل مجلس شورى الجماعة وإلزام الجبهة فيه يمثل تجاهل واضح لقيادة الجبهة ومسؤوليتها عن تحديد مسارات ومناهج العمل السياسي للحركة الإسلامية، كما أن نزول القوائم باسم الجبهة والجماعة يطرح تساؤلا حقيقيا حول مدى تمثيل الجبهة للحركة الإسلامية في العمل السياسي، فما الداعي لمشاركة الجماعة باسمها مع الجبهة، في حين أنّ الجبهة هي الحزب السياسي الذي يمثل الجماعة، وأغلب أفراد الجبهة هم اصلاً أفراد في جماعة الأخوان المسلمين؟. هذه الأسئلة تعيد طرح الموضوع القديم الجديد وهو إشكالية العلاقة بين الجبهة والجماعة، في مقدمة الأسئلة الداخلية التي أفرزها المخاض الانتخابي إلى الآن...

\n

تأسيس جبهة العمل الإسلامي:

\n

تأسست جبهة العمل الإسلامي عام 1993، ضمن مشروع جماعة الأخوان باستكمال أدواتها الإصلاحية في الأردن، من مبدأ التجاوب مع قانون الأحزاب الذي سمح مرة أخرى بتأسيس الأحزاب السياسية، بعد عملية الحظر التي استمرت عقود في الأردن. وقد ساد جدال واسع بين قيادات الحركة الإسلامية آنذاك حول طبيعة وماهية العلاقة بين الجبهة والجماعة، وقدّم قسم التخطيط في جماعة الاخوان عدة سيناريوهات لطبيعة العلاقة بين الطرفين، أثارت هذه السيناريوهات النقاشات والحوار الداخلي دون الوصول إلى تقاسم موضوعي للأدوار يفرضه التخصص؛ الجماعة بمفهومها الشمولي وعملها الإصلاحي العام، والجبهة كحزب سياسي يتولى عملية بناء الخطاب والممارسة السياسية بناءً على الخطوط العامة التي تحددها الجماعة. ودخلت الجبهة الانتخابات النيابية عام1993، وظهرت عملية تعدد القيادات داخل الحركة الإسلامية: المكتب التنفيذي في الجماعة، المكتب التنفيذي في الجبهة، الكتلة النيابية، مع وجود تداخل في القيادات. وعلى الرغم من حرص الجماعة على البقاء ضمن دائرة الضوء في العملية السياسية، إلاّ أنّ طبيعة الحراك السياسي فرض اعتبار النواب الاسلاميين بمثابة قيادة للحركة الإسلامية.

\n

في هذه الفترة أي بعد عام 1993، كان هناك تيار يتشكل داخل القيادات الحركية التنظيمية في جماعة الأخوان، وهم بمثابة الصف الثاني والثالث، كانوا يرون أن الجماعة تكاد تتحول إلى مجموعة من الجزر المنفصلة يسيطر على كل منها تيار معين، فجمعية المركز الإسلامي –وهي بمثابة العصب المالي للجماعة- تخضع لسيطرة الصقور، وجامعة الزرقاء الاهلية تخضع لتيار الحمائم، وهناك الكتلة النيابية التي تضم نواب الحركة الإسلامية، جمعية المحافظة على القرآن الكريم، وهكذا دواليك.

\n

هذا التيار الذي بدأ يصعد بشكل كبير ويتبلور مع عام 1997، كان يدعو الى إعادة لحمة وتوحيد الجماعة، وإعادة مركز السيطرة القيادية إليها، منعا لعملية التفكك والتلاشي بين هذه الجزر المختلفة، من خلال عملية يمكن وصفها بـ "المدافعة الداخلية"، تصحح الأوضاع وتعيد ترتيب البيت الداخلي، وقد قاد هذه العملية نائب المراقب العام لجماعة الاخوان سابقا عماد أبو دية ومعه مجموعة من القيادات التي أصبحت الآن ضمن قيادات الجبهة الرئيسة. فبناء العلاقة بين الجماعة ومختلف مؤسساتها وفقا لهذه الرؤية يقوم على إعادة الهيمنة للجماعة عليها، وجعل القيادة والقرار الرئيس بيد الجماعة في السياسات العامة لمختلف هذه المؤسسات والمراكز.

\n

وترافق هذا البرنامج الداخلي في ترتيب البيت الأخواني مع مقاطعة الانتخابات النيابية عام 1997، الأمر الذي كان يرى فيه بعض رموز هذا التيار فرصة مناسبة للقيام بعملية إعادة نظر جدية في الوضع الداخلي وفي مسيرة المشروع الإصلاحي والدعوي للجماعة، إلاّ أن اصطدام هذا البرنامج بإدارة جمعية المركز الإسلامي التي يسيطر عليها عدد من الصقور أدى الى الدخول في مواجهات داخلية، وجاءت أزمة حماس في الاردن فيما بعد لتشعل الخلاف الداخلي الذي استثمر تماما لتشويه صورة اتجاه المراجعة الداخلية وقياداته، تمهيدا لتفكيكه، وقد نجح تماما فيما بعد، حيث سبقه خروج مجموعة من ألإفراد الأخوان من رحم تيار الحمائم وتشكيلهم حزب الوسط، احتجاجا على قرار المقاطعة الذي قاده اتجاه المراجعة الداخلية.

\n

المعادلة الجديدة:

\n

على الرغم من انتهاء التيار الداخلي الذي كان يدعو الى عودة القيادة المركزية للأخوان، إلاّ أنّ مشروعه بقي وتبناه المكتب التنفيذي الجديد، و تاتي هذه الانتخابات لتفجر أزمة جديدة مرتبطة بمسألة العلاقة بين الجبهة والجماعة، المخاض الداخلي الذي رافق عملية اختيار المرشحين انتج نوعا من البلبلة والمشاكل في الداخل من خلال احتجاج عدد من الرموز السابقين على تدخل قيادة الجماعة في عملية اختيارالمرشحين، وحول مسألة حرمانهم بقرار مجلس الشورى الاخواني من الدخول في الانتخابات النيابية. هذا الأمر فسرته بعض الشخصيات الأخوانية العريقة بأنه عملية تهميش لهم، وإخراجهم من مركز القيادة لصالح قيادات جديدة، كما ذهب بعض المحللين إلى اعتبار القرار نوعا من التوازي مع المرحلة السياسية الحالية لتغييب بعض الرموز التي قد تخلق مشاكل للحركة في هذه الفترة الحساسة والحرجة.

\n

وإذا كان بالإمكان القول: أن هذا القرار يهدف الى إفراز قيادات أخوانية جديدة للتعامل مع المرحلة القادمة، فإن الدافع والهدف ليس تجنب الاحتكاك والحرج مع السلطة السياسية، وإنما إفراز قيادات على قدر أكبر من الوعي السياسي والاجتماعي ولديها الأدوات والفقه المناسب للتعامل مع المرحلة، بل إن بعض هذه القيادات خاصة ممن عملوا ضمن النقابات المهنية والاندية والمؤسسات المدنية المختلفة تحمل خطابا سياسيا، وتجربة من الممارسة الحركية ذات سقف مرتفع جدا حتى عن سقف القيادات السابقة، لكنها تعرف كيف تتعامل مع متغيرات المرحلة السياسية الحالية الحرجة، ومتى ترتفع بسقف خطابها ومتى تتجنب المنزلقات، كما أنها تتجنب أبرز الأخطاء السياسية السابقة التي كان السلوك السياسي للجماعة يقع في أسرها؛ وهي المسافة الكبيرة الفاصلة بين الخطاب وبين الممارسة السياسية، الامر الذي كان يحرج الجماعة مع أفرادها قبل جمهورها.

\n

على أي حال، المرحلة الحالية تعبر بلا شك عن إرهاصات خطيرة لحراك داخلي تنظيمي يحمل معه قيادات شبابية تتجنب الوقوع فيما وقعت فيه جماعة الاخوان في مصر من إمساك جيل من القيادات العريقة التاريخية بمقاليد الأمور، المشكلة التي أصابت العمل الاخواني هناك بالجمود والاضطراب، ويبدو واضحاً أن جماعة الأخوان في الأردن تمضي في سبيل تجنبه بامتياز، وما هذه الأسئلة الداخلية البادية على السطح إلاّ أحد تعبيرات هذا المخاض العسير!.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر