قراءة مغايرة لـ'النكبة' الفلسطينية

2003-5-10 | إبراهيم أبو الهيجاء قراءة مغايرة لـ'النكبة' الفلسطينية

علينا أن نتذكر فيما اسرائيل تحتفل بعيد "استقلالها الخامس والخمسين" في هذه الأيام، أن هذا الكيان قام على أشلاء الشعب الفلسطيني، هذه الحقيقة تكاد تتلاشى من الذاكرة الفلسطينية المليئة بالأحزان والذكريات المريرة، ولكن هناك أيضا جهد يبذل اليوم مدعوما بالأموال الأميركية لتعديل المناهج العربية والاسلامية لمحو هذه الذكرى حتى من سطور المناهج التاريخية، بل وربما تصوير الفلسطينين كمعتدين على الحق الاسرائيلي الذي يحتفل باستقلال وكأن الشعب الفلسطيني كان يحتل الأرض الاسرائيلية التي تحررت على أيديهم.

\n

أما الحال الفلسطيني  قبل "النكبة" وبعدها فمازال واحدا ... الشهداء تترى، ومظاهر الدمار والقتل والحصار لم يسبق لها مثيل منذ بدء الصراع إلى الآن. وحتى في أوج التسوية لم يتوقف العدوان، وحتى التسوية كانت ولازالت وهما يخفي خلفه وجه القوي الذي يفرض الاستسلام ولا يعطي الحق، حتى وصلنا إلى نقطة كامب ديفيد التي أماطت اللثام عن أقصى ما يمكن أن يعطيه أقصى يساري صهيوني، فانفضح المستور وانكشف زيف التسوية، فتفجرت انتفاضة الأقصى الغاضبة هذه المرة ليست حالة منقسمة بين مؤيد ومعارض أو حالة منفصمة بين شعب وقوى، بل بدا أن الجميع موحد في خندق المقاومة، صحيح أن الأهداف نظريا لا زالت مختلفة لكن حجم الدماء النازفة واستمرار المقاومة كل يوم يقلص الفجوة ويوضح الرؤية ويؤصل الصراع مع العدو الصهيوني. واليوم نقف عند حدث ماض بشكل متجدد وحاضر، قد يحوي اسم ( النكبة) المرتبط بتشريد شعبنا واحتلال أرضنا، لكن هذه المذبحة التي لا زالت مستمرة لا يمكن قياسها فقط بمظاهر المأساة والحزن، رغم أنها حملت بالأمس واليوم وكل يوم ثقل العذاب الذي يلاحق كل فلسطيني في داخل الوطن أو خارجه، إلا أن تذكرة اليوم علينا ان نقرأها بشكل مغاير، فديمومة الصراع واستمرار هذا الشعب بتقديم سيل الشهداء، كل هذه الحقائق المتأصلة طوال زمن الصراع تؤكد أن النكبة اسم لا يناسب هذا الشعب الأبي.

\n

 نعم ..قد تكون أرقام ونسب اللاجئين والشهداء والمعتقلين والجرحى مفزعة، وحقائق القوة مخيفة، واستمرار الصمت العربي والإسلامي الرسمي محبطا، وإمعان الصلف الصهيوني المدعوم أميركيا بكل أسباب البقاء مالياً وعسكرياً مثبطا. ولكن هذا التماثل بين الأمس واليوم في صور العدوان وتبدل قوى الهيمنة الداعمة للكيان الصهيوني ... مضللة كثيراً لعدة أسباب هامة :

\n

أولهـا : إن الشعب الفلسطيني لم يستسلم وأبقى النار مفتوحة ضد الوجود الصهيوني ورغم الطعنات التي تلقتها كل الثورات من الخط الرسمي العربي إلا أنها لم تستكن، وكانت تعاود الكرة باستمرار وحتى اتفاقية أوسلو التي عبَرت بالأمس عن واقع انهزامي, والتي تكاد تصلح لتكون نكبة ثانية، إلا أنها في حقيقة الأمر هي مسارعة صهيونية نحو إيقاف مؤثرات الإنتفاضة الأولى التي بدأت تهز الروح المعنوية الصهيونية في الداخل والمعنى الأخلاقي لوجوده في الخارج حتى لدى الرأي العام الغربي، لهذا كانت أوسلو من زاوية مقابلة تماماً هي تعبير عن اعتراف صهيوني بالهزيمة... ولولا تسرع نفر من منظمة التحرير الفلسطينية بالتجاوب مع متطلبات الصهاينة لاستطاعت الانتفاضة أن تحقق الإنسحاب من الضفة وغزة دون أن يدفع شعبنا أثماناً أمنية وسياسية مكلفة ومستنزفة، ولعل أقساها أن يتحول الفلسطيني إلى جلاد لفلسطيني آخر مقاوم، والأقسى من كل ذلك ما جرى من تسليم  لثمانين بالمائة من أرض فلسطين وكأنها حق لإسرائيل .

\n

ثانيها : إن خمسا وخمسين سنة من تفاعلات الصراع أثبتت أن هذا العدو الصهيوني من السهل هزيمته وكسر شوكته، وقد استطاعت أحداث الانتفاضة الأولى وقبلها ملحمة الكرامة أن تثبت ذلك وجاء الانتصار في الجنوب اللبناني تأكيدا جليا لهذه الحقيقة. والخمسون سنة التي قدم خلالها الشعب الفلسطيني عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى على امتداد تاريخه - وهي بالمناسبة قليلة نسبة لعهود الإستعمار المشابهة- إلا أنها على قلتها استطاعت أن تجعل العدو يذوق مرارة الهزيمة، فإسرائيل اليوم دولة في ظاهرها موحدة قوية ولكن خلف صلفها تخفي حقيقة تتهرب منها، فشعبها مشتت بين علماني ومتدين ويساري ويميني، بين شرقي وغربي، بين روسي ومغربي، والخلافات أعمق مما نتصور، وتزداد وتيرتها باستمرار الصراع، لذا لم يكن مقتل (رابين) حادثاً عابراً بل هو دليل على صحة ما نذهب إليه، مما يؤكد على أن الشعب الفلسطيني بعمقه العربي والاسلامي استطاع أن يستنزف المشروع الصهيوني، والخلاف بينهم  يتعدى بكثير ما يمنون به لقاء التسوية مع العرب، بل هو يتناول الهوية والتاريخ, والدين الذي بات حضوره في كل تفاصيل الخلاف، إذن فمنطق المقاومة يستنزف المشروع الصهيوني ونحن عملياً نسجل النقاط ضده، وانتفاضة الأقصى الحالية ستقرب الهدف أكثر وسيصرخ شارون ومن خلفه الرأي العام الإسرائيلي لينسحب من الضفة وغزة بأكملها وبعدها سندرك جميعاً أن استمرار المقاومة قادر على إزالة هذا الكيان الدخيل على هذه المنطقة، ولكن ذلك مرهون فقط بالصبر وطول النفس، خاصة وأن مقاومتنا مقارنة بتاريخ الإستعمار وحملات الإحتلال لا زالت متواضعة .

\n

ثالثها : اليوم كما هي بالأمس، هناك قوة داعمة للكيان الصهيوني. في السابق، كانت بريطانيا العظمى، واليوم الولايات المتحدة التي وصلت إلى أوج صلفها وغرورها بإدارتها اليمينية، و القوة الكبرى اليوم لم تخسر فقط مصداقيتها حتى في تأمين ما هو ظلم - في ذات التسوية- ، بل هي تفقد أيضا شرعيتها الدولية - مع تحفظنا الشيديد على تلك الشرعية - ، وهي بغرورها وإصرارها على الإنفراد والهيمنة تجلب كل يوم لنفسها أعداء جدد, حتى شركاءها الغربيون في حماية تلك الحريات المزعومة يتململون منها، إذن هذه الدولة العظمى التي يتكئ عليها الكيان الصهيوني هي فاقدة لدورها متخبطة في خطواتها، مكانتها تتناقص ولا تتعاظم وإن كان منحنى قوتها المتألق يخفي ذلك، وقانون سقوط الحضارات يؤكد ذلك، فما من قوة وصلت إلى أوج قوتها وغرورها إلا بدأت بالإنكسار شيئا فشيئا، كل ذلك يحتاج لقليل من الوقت, عندها ستفقد هذه الدولة مكانتها وبالتالي ستفقد إسرائيل أساس عمادها وشريان حياتها الوحيد.

\n

رابعها : حقائق القوة والضعف هي أيضاً اليوم ليست واحدة, صحيح أن العدو الصهيوني لا زال يملك القوة النووية الرادعة ولكنه ضعيف متهاو معنوياً فاقد لأمنه الشخصي، يشعر أكثر من ثمانين بالمائة منه أنهم مهددون أو قد يكونون بين الأموات في عمليات فدائية قادمة، وما فوز شارون إلا ترجمة لهذا الضعف الداخلي العميق معنوياً وأمنياً، حتى بالموازين العسكرية،  فالقضية لم تعد واحدة، فالسلاح النووي أصبح سلاحاً مشاعاً يُشرى ويباع، وأقطابه كثر ومتعددون .

\n

 خامسها : معادلة النظام الرسمي وعلاقته بالشعب العربي لم تعد هي الأخرى واحدة ، فعهد الاستبداد والتخاذل الرسمي لم يعد مقبولاً من الشعوب العربية، فثمة جيل وأجيال قادمة أصبحت أكثر وعياً وأكثر تحدياً، وعهد الحقيقة لم يعد حكراً على وسائل الإعلام الرسمية التي تريد صياغتها كما تشاء، باختصار شرعية الرسميين من العرب والمسلمين أصبحت مهزوزة ضعيفة لا تملك الصمود لعشر سنوات قادمة، لأن عصر المعلومات وضع كل الحقائق على الطاولة ولا مجال لإخفائها كل الوقت، وهذا يرفع من وتيرة الوعي والصحوة لدى الشعوب.

\n

سادسها : معادلة التسوية والوثوق بحلولها هي الأخرى أصبحت ضعيفة متضعضة، انكشف زيف السلام المزعوم مع الصهاينة، ولم يعد هناك مكان لمنطق التفاوض ولن يرضى الشعب الفلسطيني بالرجوع لمربع تجاوزته انتفاضة الأقصى، مهما زُين ذلك ... ومن يريد أن يتأكد فليراجع أحاديث الناس والمفكرين والمثقفين(من قبل) انتفاضة الأقصى، لقد كان منطق المقاومة وحيداً ضعيفاً محصوراً في جهة واحدة وكادت شباك التسوية أن تأخذ كثيراً من الناس، ولكن أوهام التسوية تحطمت بعد سنوات من "الديكور" الذي أخفى حقيقة اليسار واليمين الصهيوني.

\n

 هذه الأسباب الماثلة تؤكد حقائق ناصعة، إن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وعندما تكون الأوطان محتلة فلا يتوقع أحد أن تمنح أو توهب لأهلها وهم نيام .... بل هي تؤخذ بالمقاومة والصمود، ومن أراد  فليقرأ تاريخ الشعب الفلسطيني ومنحنى علاقة التسوية بالمقاومة، بل إن تاريخ الأمم، حاضرها وماضيها يؤكد أنه لا يمكن انتاج وئام وتعايش أو مكان لتسويات مع محتل سلب الأرض وأهلك الحرث والنسل؟.

\n

إن النكبات والنكسات لم تصادر وعي الشعوب بحقوقها، بل إن مقاومة الشعب الفلسطيني ومن خلفه مساندة الشعوب العربية والاسلامية المتصدية لمظاهر الهيمنة ومحاولات التطبيع أثبت أن النكبات التي ألمت بنا كانت قادرة على تحفيزنا نحو مزيد من المقاومة وليس العكس، وبذا تكون مناسبة النكبة ورفع العلم الاسرائيلي في عيد الاستقلال المزعوم فرصة أخرى للتذكير أن واجب المقاومة والإسناد لم يتجاوز حدودا معينة، وأمامه مشوار صعب، وسنن التاريخ تؤكد أن  التغيير آت والأيام دول، كما أن موازين القوة و الضعف ليست على الدوام ثابتة.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

soso

nice to read that and im really glad to see this from palestenien people WISH U a big freedom soon


حنين

اهنىء الشعب الفلسطيني على هذة العزيمة وان شاء الله عقبال تحرير فلسطين


علي حسين محمد علي

انا اهني كل فلسطيني على هذه العزيمة القوية من اجل اقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف وانها لثورة حتى النصر باذن الله سبحانه وتعالى


وطن خالد أبو النور

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد الانبياء والمرسلين وبعد ،، إن أي شعب له عناصر قوة مثل الشعوب الاسلامية وناضل مجاهد مثل الفلسطينين والمسلمين والعرب يعي تماما ان النصر آت وأن سيف الجهاد يجب أن يظل مشرعا حتى تحقيق النصر على الصهاينة ومن تبعهم ودعمهم . ان الظروف الموضوعية والذاتية في الزمن الذي نعيش تتطلب من الشعب الفلسطيني ان يستخدم كل وسائل الدفاع عن نفسه وان لا يثق بالاعداء وان يضحي غير ناظر جزاء النيا وان يقدم كل مايملك من اجل النصر وهذا يجب ان يكون مقرونا بالايمان والسير على الطريق القوييم . ان الامر يستحق ان نعلم اولادنا تاريخنا وان نشحذ هممهم نحو الجهاد الاعظم وهو جهاد النفس وان ندير معركتنا بالعلم والعقل . وأن لا نترك مجالا للفتنة الداخلية والأهداف الجانبية ولكن أن نكون كفلسطينيين قدوة حسنة لباقي شعوب العالم وحتى ان نكون باخلاقنا وسلوكنا صورة انسانية عظيمة كما دعانا اليه الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وكما جاءت به الرسالات السماوية . وان لا نقول المرأة لا تناضل او الطفل او الكبير او المسيحي لا بل علينا ان نستوعب كل العاناصر المادية والمعنوية والبشرية لنصرة قضيتنا العادله . أنا لست من دعاة التكفير ولا التهجير ولا التحييز ولا الاقصاء نحن مع كل من يمد يديه النظيفة من أمة العرب والمسلمين ومن دول العالم الغرب والعجم ما دمنا متأكدين من مناصرتهم وصدقهم . التاريخ صار ذكرى من الماضي بسؤه وحسناته ولكن تاريخ النكبة بالنسبة لنا هو الماضي والحاضر والمستقبل . وعيه فإننا كفلسطينيين ننظر بحب وبحزن وبأمل لهذة الذكرى . بحب لمن ضحى وناضل فنفتخر به ونسير على هداة وذكراه . وبألم وحزن لأننا ما زلنا محتلين وما زال الأقصى الشريف يرزح تحت نير الإحتلال البغيض ولأن شبابنا ونسءنا ورجالنا وكل من يجاهد ويناضل وحتى يعيش على الذكرى المؤلمة هذه ما زال يتألم ويعاني منذ حوالي 100 سنة من الاحتلال والاستعمار ولأن العالم عربه وغربة لم ينهوا تلك الجريمة الانسانية بعد. ولدينا الأمل بالنصر المؤز ان شاء الله ونراه قريبا ونتحمل بفرح واستبشار كل المعاناة والقسوةلأن الله الكريم الجبار وعدنا بالنصر ولأن جهادنا وصبرنا وقوتنا هي من عند الله .
نحن نعلم بان النصر الكبير سيكون في آخر الدنيا وعند قرب القيامة . والله أعلم وعليه المستعان .
نحن نساء أقسمنا بالله أن نجعل من حياتنا الدنيا تقرباًالى لله ,ان نناضل في سبيله على طريق فلسطين حتى تتحرر بإذن الله ولن نلين ولن نركع أسوة بالأنبياء والصديقين والشهداء ومعلمنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا بالتقوى والجهاد والذوذ عن حياض المسلمين . ونحن على إستعداد للنضال من أجل العراق وسوريا والصومال ولبنان وكل بقعة من بقاع الدنيا ما دام هناك داع للإسلام وما دام هناك ظلم يمس شرف الأمة الاسلامية والعربية ونحن كذلك لن نتورع عن مناصرةأي شعب من شعوب العالم المظلوم وإحقاق الحق له ما دام ليس في مله الكفر .
هناك عهد أن نطلب من الله الرحمة والنصر وأن نحمده على ما يصيبنا لقاء هذا النهج الإسلامي الوطني و رجاؤنا أن يكون ذلك برضى الله وعفوه والله على كل شيء قدير وعليه المستعان ورحم الله كل شهدائنا الابرار .. و الرحمة للمجاهد معلمنا وحبيبنا ياسر عرفات أبو عمار . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وحمى الله كل أمة محمد من الإحتلال والاستعمار والظلم .وسامحونا إن كان لكم رأي غير الذي إرتأيناه .


د.رامي محمد ديابي

السلام عليكم
كنت أتأمل القوانين المفرزة من كل دساتير الدنيا وأقارنها بكتاب الله فوجدت خير ما يعبر عن المفارقة هو آية واحدة تقول :
والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء .
وحقا تلك هي النقطة المهمة فلا شيء اسمه دستور وضعي أو حقيقة قانونية أو تاريخية أو مفاوضات سلام أو خارطة العقل العربي ( الطريق ) وما شابه من منتجات الحيل الصهيونية المتجددة ....فهي كلها مقطوعة عن الثوابت .....وبالتالي ليست موصولة بالقرآن الخالد الثابت عبر التاريخ والمستقبل ....
وكل هذه الأوهام ستزول مع بروز حقيقة واحدة خالدة هي : نطق الحجر والشجر وذبح الصهاينة الغزاة ولكنكم قوم تستعجلون.
وإن شككتم في الأمر فتسائلوا لماذا يزرعون الغرقد من زمان بعيد؟!!!