آخر الأخبار

ذكرياتي.. مع الشيخ الدّدو : أزمة العلماء في العالم الإسلامي بين الحكام والجهال

2003-5-7 | مصطفى فرحات ذكرياتي.. مع الشيخ الدّدو : أزمة العلماء في العالم الإسلامي بين الحكام والجهال

عندما رأيته أول أمرة، وسمعت مقالته، أدركت أنه ظاهرة عزّ وجودها في واقعنا المعاصر.. كان يسرد أحاديث من صحيح البخاري بأسانيدها حفظا، ويغوص في فروع الفقه غوصا.. ويتكلم في فنون السياسة والاقتصاد وكأنه لم يدرس غيرهما. عندما أتذكره الآن.. تحضرني صورة موازية لآفة العلم وسط عالم مليء بالجهل، ومحنة عالم تطاول عليه السفهاء من جهة، وتطاول عليه الحكام من جهة أخرى، كما تحضرني صورة أنّ الخير ما زال في هذه الأمة لم ينضب معينه، ولم تجف منابعه.. إنه الشيخ العلامة محمد الحسن ولد الدّدو، أمتع الله به وأطلق سراحه.

\n

(1)

\n

كان أول درس حضرته على الشيخ محمد الحسن محاضرة عنوانها (واجب العلماء في الدعوة إلى الله) أقامها في "مسجد محضرة العون"، تكلم فيها بإسهاب عن دور العلماء وواجبهم في الدعوة إلى الله وتوجيه الأمة إلى طريق الحق والرشاد، وهو الواجب الذي تخلى جمع منهم عنه، على تعاقب الأزمان. وعلى الرغم من كونه تكلم ما يزيد عن الساعة سردا فصيحا دون تلعثم أو لحن، وهو شيء اعتدناه عند (الشناقطة)، لم يشدني إليه غير معرفته الكبيرة بدقائق الحديث وطرقها، وهو الشيء الغير مألوف عند مشائخ البلد الذين فتح الله عليهم في مختلف علوم اللغة والفقه والأصول، ومن ثمة أدركت، كما أدرك الكثير، أن الشيخ محمد الحسن ظاهرة علمية فريدة تذكّر في موسوعية معارفها بسير العلماء المجددين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

\n

وعندما أكمل المحاضرة وفرغ من الإجابة عن الأسئلة الكثيرة التي كانت كما متراكما من مسائل الفقه والحديث إلى مسائل الأصول والسلوك، وحتى مسائل الاقتصاد والسياسة، توجهت إليه قصد سؤاله، فلما رآني وعلم من هيأتي أنني جزائري – وكان يحب طلبة العلم الجزائريين – انفرد بي وعانقني وقال مبتسما: "واش راك؟" (كيف حالك بلهجة الجزائريين)، ثم سألته وأجابني وانصرفت.. وكان ذلك أول احتكاكي به.

\n

(2)

\n

الشيخ محمد الحسن ولد الدّدو سليل عائلة اشتهرت بالعلم والمعرفة، وهي تضرب بنسبها إلى قبائل العرب القادمة من المشرق والتي استقرت بجوار قبائل البربر في المغرب الكبير، حيث يؤكد شيخنا العلامة محمد سالم ولد عدّود ذلك النسب قائلا في مطلع منظومة عقدية وفقهية أدرج فيها شروح خليل بن إسحاق المالكي صاحب المختصر المشهور، وتحوي حوالي أربعة عشر ألف بيت (14.000) قائلا:

\n

بالبدء باسم الله في التقديم

\n

والوصف بالرحمن والرحيم

\n

قال محمدٌ بسالم شُفع

\n

نجلُ محمد بعال قد تُبع

\n

الساحليُّ المنتمي للأُسّ

\n

إلى المبارك الذي للخمس

\n

ثم إلى يعقوب منها ينتمي

\n

بالله ربي أعتزي وأحتمي

\n

والشيخ محمد سالم ولد عدُّود هو خال الشيخ محمد الحسن ولد الدّدو، حيث تلقى عليه العلم كما تلقاه عن جده لأمه الشيخ محمد عالي رحمه الله، وهم يقطنون في قرية صغيرة تسمى (أم القرى) التابعة لمقاطعة (وادي الناقة) الإدارية.

\n

وفي بادية (أم القرى) يتوافد الطلبة بشكل كبير للدراسة على الشيخ محمد سالم ولد عدود، وهو الذي يتولى الإنفاق عليهم طيلة مكثهم عنده، ويجاور منزله منزل الشيخ محمد الحسن ولد الددو، وهو المنزل الذي يحوي مكتبة ضخمة اضطر الشيخ وقتئذ إلى غلقها في وجه الطلبة نظرا لإهمال كثير منهم وتمزيقهم للكتب، أو ربما أخذها، ما عدا الطلبة الجزائريين الذين أوصى عائلته بفتح أبواب مكتبته لهم وإكرامهم في غيابه، حيث كان يحضّر لنيل شهادة الدكتوراه في الرياض، وكنت من رواد مكتبته العطرة، ويعلم الله أني كنت أحظى وإخواني بإكرام كبير من قبل عائلته طيلة مكثي هناك.

\n

(3)

\n

في آخر لقاء جمعني بالشيخ محمد الحسن ولد الددو، كنت قد تخرجت من جامعة الإمام فرع موريتانيا، وكان سفري وشيكا، وجلست إليه متحدثا في قضايا الدعوة سائلا ومتعلما، وكان آخر ما أوصاني به – حفظه الله – العمل الدعوي في إطار جماعي، وأذكر أنه قال لي بالحرف الواحد: "عليك بالبحث عن الجماعة التي تدعو إلى الله وأن تعمل معها، فإن لم تكن ثمة جماعة وجب عليك إنشاؤها، وعليك أن تعلم أنك – وأشار بأصبعه إليّ – كما أنك لست معصوما، فهي كذلك ليست معصومة".. وكان آخر العهد به. وشكرت للشيخ نصحه، وكنت أعلم مسبقا أنه أحد المنضوين تحت لواء جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يفسر حرصه على العمل الجماعي في إطار تنظيمي، وذلك شيء جعل كثيرا من الجهال يتطاولون عليه بسببه.

\n

(4)

\n

آفة الجهال أنهم يزنون الناس بميزانهم هم، فلا يتصورون أن فلانا قرينهم في السن يمكن له أن يكون أذكى أو أعلم منهم، وأنه قد يفتح الله عليه في سنة واحدة ما لا يفتحه عليهم ولو طلبوا العلم قرونا..كان الشيخ محمد الحسن ذو طبيعة اجتماعية بشوشة، وكان يكرم محدثيه ويحسن الإصغاء إليهم، ولاسيما طلبة العلم، وكان كثير المخالطة لهم حتى ظن بعضهم، وهم ممن لا يحفظون القرآن ولا يحسنون حتى تلاوته، أنهم قرناء في العلم لمن أتقن علوم اللغة والمنطق والأصول والفقه وعلل الأحاديث، حتى لقبه الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد بـ "الشيخ الفقيه"، وهو لا يزال في الثلاثينيات من عمره، فتغير أسلوب الخطاب من طالب علم إلى عالم، وتحول إلى خطاب من طالب علم إلى آخر لا يفوقه في شيء، ولهذا لما أفصح الشيخ عن رأيه في كثير من المسائل، لا سيما النوازل منها، تجرأ بعضه على تبديعه وهجره، وأصبحوا لا يردون عليه سلامه إذا سلم، وهم مع ذلك يأكلون من نفقته، ويطالعون في مكتبته، فلله كيف فقدوا رجولتهم قبل أن يفقدوا خُلُقهم..

\n

(5)

\n

العلماء ورثة الأنبياء.. ومحاربتهم تُنزل شرّ البلاء..

\n

عندما أعلنت الحكومات العربية رفضها الصريح للبعد السياسي في الإسلام، شرعت في محاربة أهل العلم والزج بهم في السجون والتنكيل بهم لأنهم – حسبهم – هم الوقود الذي يغذي الاضطراب ويدفع البلاد نحو جرُف اللاستقرار، ويخطئون مرة أخرى عندما يُغيّرون مناهجهم التعليمية فيلغون منها كل ما من شأنه أن يحيي الإسلام في قلوب العباد ويحثهم على الجهاد، ويخطئون كذلك عندما يجعلون تعليم القيم الصحيحة للإسلام أمرا ثانويا يسعون إلى تهميشه والقضاء عليه، لأنهم لن يجنوا في الحقيقة غير الشوك جزاء على زرعهم الجراح وسط أمة لا تزال تعاني وسط التيه..

\n

إن قيم الوطنية دون عمق ديني لم تكن ولن تكون شيئا يصمد في وجه أعاصير الغزاة، وما العراق منا ببعيد، وإن مجتمعا يسعى ولاته لإبعاده عن الإسلام لن يكون غير مجتمع يرتمي في حضن المخدرات فيبيع عرضه وشرفه ووطنه من أجلها..

\n

وإن مجتمعا يغيّب فيه العلماء يُنتج مزيجا رهيبا بين مدمني المخدرات ومدمني الأفكار الخاطئة المنحرفة.. يختلفون في الوسائل، ويتفقون في المقصد.. لا همّ لهم سوى دفع الدولة والمجتمع نحو الفناء.. وأي فناء.. استعمار غاشم، أو إجرام ظالم.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

مهند غازي الزامل/ الأردن

سلام عليكم.. وبعدُ:
هنيئاً والله لمن جالس هذا العالم المبجّل، سليلُ دوحة الإسلام.
وكيف لا ؟؟
وهو عالم نحريرٌ، نحر العلم نحراً، وفضّ المسائل؛ فكتب ودوّن ودرّس.
وفوق هذا... عالمٌ مجاهدٌ منفقٌ على طلبة العلم من جيبه وقوت أهله ! فماذا بعدُ هذا
أسأل الله أن يحفظه، ويبارك في علمه ويُحيي من ذِكره.


شنقيطي

هذا الشيخ المبجل له مكانته العالية في موريتانيا ولن يرضى الشعب الموريتاني الا باطلاقه وبشكل عاجل وذلك خير للسلطة والشعب اذ هو يمثل الصوت المعتدل الواعي وهو عالم ومن أسرة مشهورة بالعلم
هذا واني ادعو الله عز وجل ان يطلق سراحه وان ينصره على من عاداه


القطب بن محمد مولود

قديقول البعض : من (الحكماء ) إنه على الشيخ محمدالحسن أن يكون من بين العلماء الذين لايصنفون بالخطورة ( والمعارضة) لكي ينفع الأمة بعلمه وبعبارة أخرى عليه أن يكون مواليا لأهداف النظام بل اليهود؟ ويتكلم عن العولمة بدل الإسلام؛ والاينترنيت بدل الواقع ؛والكتاب بدل الكتاب والسنة ،وأن يكون مبررا لتصرفات وأمزجة لايقبلها صبي أحرى عالم؛ ولايكون مفتيا مستقلا يفتي بعلم ووعي ودراية بأحوال الناس والمكان والزمان بل يفتي في الطهارة إذا سئل عن الجهاد؛وفي طاعة ولي الأمرإذاسئل عنحكم شراء بضائع اليهود؛و يكون مفتيا(صفاقا )فى المساجد لكى لايثير فيها الشغب والفتنة ؟ ولكي يحوز شروط الإمامة التي يبدو أنها ليست من العلم الذى يحمل هو و(البقية ) من إخوانه الأئمة قال تعالى :{فلولا كان من القرون من قبلكم ألو بقية ينهون عن الفساد في الأرض}ولهذا فإ نه عرض نفسه وألقى بها إلى التهلكة ؟
وأناقول :كمايقوله كل الشرفاء مثل الأخ الجزائري فرحات وغيره .شعارنا إلى الأمام ياشيخنا وإخوتك، نحن معك لن نخذلك ولعنة الله على الظالمبن{ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونهاعوجا}
ولايرضون على الأقل بحرية الرأي بل لايقبلون التخندق خارج دائرتهم الملعونة.


القطب

يا أيها الأخ على بن سرور ينبغي عليك أن لاتفت في أعضاد الأمة وأن لاتكون أسود النظرة تعرف على الأ أفرأ إنجازات الأمة فى فضح الظلمة والخونة في الصراع اليومي في كل شبر من الأرض إقرأ الإعلام أنظرالواقع لاتنهزم قم بأي شئ من جانبك ولاتسيئ الظن با لأمة فمن مجموع أفرادها العلما ء الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولايسجدون لغير ه ولايركعون والأفراد الذين يبذلون المال والجاه والأعمار في نصرة الحق وستبقي كذلك ولاأحسبك إنشاء الله إلامن المنتجين في الأمة فتفاءل على الأ قل فالنصرقريب وتذكر السيرة ؛والخيركثيرفي الأمة؛ والحكمة كفيلة بإخراج مخزونه كله إلى أرض الواقع هذا الخير يبدأ من البسمة مرورا بتغيير المنكر بكل مراحله والدعاء على.... ول.....والإنفاق وووو


علي بن سرور الجلهمي

دخلوا العلماء السجون أم خرجوا منها لايغيير من حياة الأمة شي . فهي الأن أمة معيشية . ولم تصل لمرحلة التفكير بعد . همهم الآن رغيف الخبز وكوز الماء النقي وهم مستعدون للتعاطف مع العلماء حتى الآخر فقط باللسان . أما الدفاع عنهم بالقوة وفديتهم بالنفس والمال فلم تصل اليه الأمة بعد . رؤية واقعية لاأكثر ولاأقل والسلام رفعت الأقلام وجفت الصحف .