آخر الأخبار

بيع بلد برمته أو خصخصة العراق في الخفاء!

2003-4-21 | بيع بلد برمته أو خصخصة العراق في الخفاء!

في السادس من أبريل قال بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأميركي، بشكل واضح وصريح أن الأمم المتحدة لن يكون لها دور في عملية اختيار حكومة انتقالية في العراق. وقال أيضا إن النظام الذي ستقوم أميركا باعتماده لإدارة العراق سوف يستمر لمدة ستة اشهر على الأقل، وأضاف أنه "من المحتمل أن يستمر فترة أطول من ذلك"، وإلى أن يمكن للعراقيين اتخاذ قرار بشأن اختيار حكومتهم، فإن القرارات الإقتصادية الرئيسية الخاصة بمستقبل البلاد ستكون بأيدي محتليهم. وقال وولفويتز: "يجب أن تكون هناك من اليوم الأول إدارة فعالة. فالشعب يحتاج الماء والغذاء والدواء، وإعادة تشغيل نظام الصرف وعودة الكهرباء. وكل هذه الأمور مسئولية قوات التحالف".

\n

وعادة ما يطلق على عملية إعادة تشغيل هذه البنية التحتية اسم "إعادة الاعمار"، غير أن الخطط الأميركية حيال العراق ومستقبله الاقتصادي تذهب إلى ما بعد ذلك. فبدلا من اعادة بناء الدولة، فإنه يتم التعامل مع العراق على أنه لوحة خالية من الكتابة يقوم "الليبراليون الجدد" في واشنطن" بتصميم ورسم اقتصادهم، وهو الإقتصاد القائم على خصخصة كاملة وتملك أجنبي وانفتاح.

\n

فلقد حصلت شركة أميركية وهي ستيفدورنغ سيرفيسز على عقد بقيمة 8,4 ملايين دولار لإدارة ميناء أم قصر، وهناك صفقات مماثلة لإدارة المطار يجرى التنافس عليها. فقد دعت الوكالة الاميركية للتنمية الدولية الشركات الأميركية متعددة الجنسيات لتقديم عطاءات، في كل المجالات ابتداء من إعادة بناء العراق والجسور إلى توزيع الكتب. وتبقى مدة سريان هذه العقود غير محددة إلى الآن. فما هو الوقت الذي سيستغرقه الأمر قبل أن تتحول هذه الاتفاقات إلى عقود طويلة الأجل بشأن خدمات المياه وبناء العراق والمدارس وخطوط الهاتف ..؟.

\n

وقد قام داريل عيسى وهو عضو من أعضاء الكونغرس من حزب الديمقراطيين، بتقديم مشروع قانون يطلب من وزارة الدفاع بناء شبكة هواتف خلوية نظام "سي دي إم إيه"( CDMA ) . وكما أوضح فارهاد مانغو في مجلة "صالون" التي تصدر عبر الانترنت، فإن نظام  CDMA هو النظام المستخدم في الولايات المتحدة وليس في أوروبا والشركة التي طورته هي شركة كوالكوم، وهي الشركة التي تعد من أكبر الجهات الداعمة مالياً للنائب عيسى. ثم يأتي النفط. فإدارة بوش تعلم أنها لا تستطيع التحدث بشكل واضح وصريح عن بيع الموارد النفطية العراقية لكل من اكسون موبل وشل. وتترك الحديث عن هذا الأمر لأناس مثل فاضل الجلبي، وهو وزير نفط عراقي أسبق والمدير التنفيذي الحالي لمركز الدراسات النفطية العالمية. وهو يقول: "نحن بحاجة إلى أن ندر أموالا طائلة إلى البلاد والسبيل الوحيد لذلك هو خصخصة الصناعة بشكل جزئي".

\n

وكانت المعارضة العراقية دائمة النصح لوزارة الخارجية الاميركية بالبدء في عملية الخصخصة بطريقة لا تظهر أنها عملية خصخصة أمريكية. وبشكل يساعد على ذلك، عقدت المعارضة العراقية مؤتمراً في لندن في السادس من أبريل ودعت إلى فتح أبواب العراق لشركات النفط متعددة الجنسيات بعد انتهاء الحرب. وأظهرت إدارة بوش امتنانها لهذا الأمر عن طريق الوعد بأنه سوف تكون هناك وفرة من الوظائف تنتظر المعارضين العراقيين في الخارج في الحكومة المؤقتة.

\n

ويرى البعض أن القول بأن النفط هو الهدف الوحيد للحرب يعتبر إفراطا في اختزال الواقع، فالحرب شملت التاريخ والجغرافيا والدين والمياه والطرق والقطارات وخطوط الهاتف والموانيء والأدوية. وإذا لم يتم إيقاف هذه العملية، فإن "العراق الحر" سيكون أكبر بلد تم بيعه على سطح الأرض.

\n

ومن هنا، يمكننا معرفة خلفية وجود عدد كبير من الشركات متعددة الأطراف التي تطمح إلى الدخول بقوة إلى السوق العراقية الذي لم تتم الاستفادة منها بعد، فالأمر لا ينحصر في أن عملية اعادة الإعمار ستصل قيمتها إلى أكثر من 100 مليار دولار وحسب، ولكن الأمر يتعلق أيضاً بحقيقة أن "التجارة الحرة" عن طريق وسائل أقل عنفا لا تسير بشكل جيد مؤخرا. فأعداد متزايدة من الدول النامية ترفض الخصخصة، وفي الوقت نفسه لا تلقى منطقة التجارة الحرة بين الأمريكيتين ( وهو الأمر الذي يراه بوش أولوية قصوى على المستوى التجاري) قبولا في معظم أرجاء أمريكا اللاتينية، وفشلت كذلك كل المحادثات التي أجرتها منظمة التجارة العالمية حول الملكية الفكرية والزراعة والخدمات بسبب الإتهامات بأن أمريكا وأوروبا عليهما أولا الايفاء بتعهداتهما السابقة.

\n

إذ ماذا عسى أن تفعل تلك القوة العظمى التي تعاني ركودا وتحتاج إلى استعادة معدلات نموها؟ فلماذا لا تفكر في الانتقال من التفكير في التحرير التجاري، الذي تصارع من أجله في الغرف الخلفية لمنظمة التجارة العالمية وتستخدم نفوذها من فرضه من خلال هذه المنظمة، إلى العمل على دفع عجلة التجارة الحرة لأقصى معدلاتها وذلك عن طريق الاستيلاء على أسواق جديدة من خلال معارك وحروب استباقية؟؟!. إذ مهما يكن، فإن المفاوضات مع البلدان ذات السيادة يمكن أن تكون صعبة. وبدلا من الدخول في هذه المفاوضات، يمكن العمل على تفكيك أوصال بلد ما واحتلالها ثم العمل على إعادة بنائها بالطريقة التي تريدها. فبوش لم يتخل بعد عن تحرير التجارة، كما يدعي البعض، ولكنه لديه الآن أسلوب جديد وهو "اقصف قبل أن تشتري".

\n

ويبقى الشعب العراقي مغيب تماما عن هذه العملية، هذا الشعب يريد أن يتمسك بالقليل من موارده وممتلكاته. فالعراق سوف يُمنح تعويضات كبيرة بعد توقف القصف، ولكن في غياب أي نوع من "الرقابة"، فإن ما يٌخطط له ليس تعويضات أو إعادة تعمير . فما يحدث هو سرقة، وسرقة كبيرة متنكرة في صورة عمل خيري، فالأمر بمثابة "خصخصة بلا تمثيل شعبي!.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر