ماذا يحدث في الجزائر: محاولة للفهم

2002-7-6 | مراقب ماذا يحدث في الجزائر: محاولة للفهم

ماذا يجري في الجزائر؟، لا تكاد تخلو صحيفة غطت خبر الانفجار الذي وقع في مدخل سوق الأربعاء( في عمق سهل متيجة) يوم أمس في الضاحية الجنوبية من العاصمة الجزائرية من هذا التساؤل. وبالرغم من الكم المتراكم من الكتابات والتحليلات التي نشرت في محاولة للإجابة عن هذا التساؤل، إلا أنه لا زال يتصدر الصحف ويطفو على السطح، غداة كل جريمة أو انفجار أو اغتيال؟.

وأحد العوامل التي غذت اللبس والغموض في عنف الجزائر، هو الثنائية التي هيمنت على التحليلات من متابعين ومحللين وكتاب جزائريين، وجثمت على صدر الأحداث وتداعياتها، والقائمة على الجيش والإسلاميين، بمعنى أن صنفا من الكتاب يحمل مسؤولية هذا العنف للجيش ويتهم ضباطه الكبار بأنهم وراء الجرائم، وصنفا آخر يلصق كل ما يحدث بالإسلاميين "المتشددين"، وغالبا ما تتيه الحقائق والمعطيات وسط هذه الثنائية المجردة العزلاء المهيمنة منذ بداية المواجهات. إن ما عاشته الجزائر في فترة الاستعمار الفرنسي الاستيطاني، وما شهدته في حقب "الرَدة الوطنية" في مرحلة ما بعد الاستقلال، قد يشكل هذا وذاك الاستثناء في حالة الجزائر السياسية والأمنية.

فالمشروع الاستيطاني الفرنسي، مكَن قبل خروجه من الجزائر لدفعتين، الأولى مكونة من نخبة جزائريين مشبعة بالثقافة والقيم الفرنسية، تخرجت من المدرسة الفرنسية، استولت – بسند ديغولي- على مقاليد الإدارة الجزائرية، ودفعة أخرى مكونة من ضباط وجنود جزائريين قضوا ردحا من الزمن في خدمة الجيش الفرنسي، ثم بالتواطؤ مع الرئيس ديغول وضباط فرنسيين في الجزائر تم تدبير "التحاق" عدد من الضباط الجزائريين الذين خدموا الجيش الفرنسي لسنوات، بجيش التحرير الجزائري، في سنتي 1958 و 1961، ووجد نفسه في أعلى المناصب في دوائر القرار، وفرَ مع هؤلاء بعض الضباط الجزائريين الشرفاء والتحقوا بالجيش الجزائري لخدمة القضية والثورة الجزائرية.

وتولت بعدها "الوطنية" الدعيَة" التي حكمت البلاد بعد الاستقلال، في العمل بمقتضى الردة عن مشروع وقيم ثورة التحرير، من خلال تكريس الحكم الفردي، واعتماد منطق الإقصاء وأسلوب التصفية الجسدية للخصوم "الثوريين" والتاريخيين. فأزمة الأمس واليوم في الجزائر، وما صاحبها من صراعات على مستوى دوائر الحكم تتجاذبه حسابات تاريخية ويحكمه منطق "مشبوه" في إدارة السلطة، وهي إحدى إفرازات "الوطنية المرتدة" .

ومع هذا، فإن كل محاولة لفهم خلفيات الأزمة السياسية التي نعيشها اليوم، ومعرفة ما يجري، بمعزل عن الإقرار بحقيقة مرة وهي أن شريحة من الإسلاميين أخطأت التقدير - وخاضت غمار العمل المسلح في غياب قيادة علمية راسخة، ومؤهلات وإمكانات ميدانية، ودون النظر للمآلات المعتبرة في تقدير المواقف-، هي محاولة عرجاء.وسواء استدرجت أو فرضت عليها المواجهة، ومهما كانت المبررات، فإن قرار تبني العمل المسلح جاء في ظروف غامضة ومعقدة، وليت الأمر توقف عند حد تبني مجموعة من المحسوبين على الدعوة والصحوة، وإنما انخرط في وقت مبكر مجموعة من الشباب الإسلامي مستوري الحال وعدد من الموغلين في الجهل والأمية الشرعية والسياسية في دوامة العنف وبادروا بعمليات هنا وهناك، وتترسوا بمجموعة من الدعاة والقيادات الإسلامية لإضفاء الشرعية على خروجهم وعملياتهم، فأتوا بالطامات والمطبات.

إن غياب القيادة العلمية، بل عدم وجدها أصلا في الجزائر، إلى جانب الحسابات الضيقة للبعض من داخل الوسط الإسلامي، وانتشار التيار التكفيري في صفوف حاملي السلاح، جعل شرائح من الصف الإسلامي تتورط في القتل والاغتيالات بأقدار متفاوتة، وبالإضافة إلى هذا وذاك، القابلية والاستعداد النفسي والفكري للتكفيريين للاستدراج والتوظيف، جعلتهم لقمة سائغة للاختراق، بل إن الاندساس شمل حتى الأوساط الحريصة على "نقاء الصف وسلامته من الاندساس" وإن في نطاق ضيق، وشكل الاختراق أحد الأدوات الفاعلة للاستخبارات الجزائرية لتوجيه المجموعات المسلحة وتوظيفها وتحويلها إلى ورقة للابتزاز والضغط والمناورة.

ولا بأس بالتذكير ببعض الحقائق التي تعين على فهم الملابسات من جانب البعض المجسوي على الإسلاميين ممن تبنى وانخرط في العمل المسلح.

* من أول يوم ظهرت فيه الجماعة الإسلامية المسلحة على ساحة العنف المسلح، ومظاهر التوجه التكفيري والغلو في الحكم على الآخرين أفرادا وهيئات، سائدة داخل أروقة هذا التنظيم، وكانت مظلة للعناصر التكفيرية في الجزائر (بقطع النظر عن أن عددا منهم شارك في الجهاد الأفغاني ضد الغزو الروسي)، ومرتعا للجهلة والأميين (الأمية الشرعية والفكرية)، وأكثرهم لا يُعرف له سابقة في الدعوة ولا في أي نشاط إسلامي.

* وإن أحد الأخطاء المصيرية القاتلة، ما أقدم عليه محمد سعيد (رئيس خلية الأزمة التي تشكلت بعد حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأبرز قادة مايسمى إعلاميا بـ"الجزأرة") من قبول الذوبان في تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة بحجة توحيد الصفوف سنة 1994، وهو ما أضفى نوعا من الشرعية والشعبية على هذه الجماعة، باعتبار أن محمد سعيد من أنضج وأعقل قيادات العمل الإسلامي في الجزائر، وشكل قرار الانضمام أحد الضربات الموجعة لرصيد التجربة الإسلامية في الجزائر، وشهدت "جماعة الجزأرة" انقساما حادا جراء هذا القرار (وإن لاحت بوادره من قبل، وبالتحديد منذ أن تبنى بعض قياداتها العمل المسلح المتابعين)، حبث رفضت شريحة واسعة من التنظيم خوض العمل المسلح، وتسلل عدد منهم إلى الخارج رافضا " المغامرة المكلفة". وحسب عدد م المتابعين من الداخل لأوضاع الجماعة، فإنه لو عزلت "الجيا" في بداياتها، لربما ما كانت تحظى بهذه الهالة على ساحة المواجهة المسلحة. ومهما كانت مبررات محمد سعيد والمجموعة التي التفت حوله في قرار التوحد نحن راية الجماعة الإسلامية المسلحة والرجل قد أفضى إلى ربه، فإن القرار الذي اتخذه أحدث شرخا عنيفا في الكيان الإسلامي، وأربك الصف الإسلامي وزج به في حيرة ومتاهات.

وحسب مصدر مطلع ومقرب من محمد السعيد، فإن هذا الأخير ترك رسالة مكتوبة بخط يده قبل مقتله، يشكو فيها عزلته وأنه ضحية تخلي مقربيه ورفقاء دربه عنه. وبدل أن يتدارك "أتباعه" فداحة هذا الخطأ الاستراتيجي، انساقوا وراءه "وفاء للخط الأصيل"، إلى أن باغتهم مشروع التصفية الذي باشره جمال زيتوني أمير الجماعة الإسلامية المسلحة السابق بداية من خريف 1995 وراح ضحيته قرابة 500 قتيل من خيرة الشباب الإسلامي، وفي مقدمتهم محمد سعيد.

* ظلت شخصية عنتر زوابري (وحاشيته وخليفته حاليا أبو تراب) وتنظيمه الذي تزعمه غامضة، فمن قائل إنه عنصر مندس من جهاز الاستخبارات، ومن قائل أنه مريض نفسيا ومعتوه، ومن قائل أنه شخصية وهمية يتترس بها، ولكن حسب شهادات من كانوا أقرب الناس إليه، وانشقوا عنه، وانضموا إلى مجموعات أخرى، ثم انخرطوا في الهدنة، فإن هذا المجرم متأثر بفكر التكفيريين، أمي جهول! اشتهر بفتاواه الممسوخة (يجهل مصدرها في أغلبها)، وأكثرها شهرة " الأوامر الأسمى في إزالة المنكرات العظمى" والتي حكم فيها بالردة والقتل على كل من رفض الانضمام إلى الجماعة الإسلامية المسلحة.

ويروي أحد من حكم عليهم زوابري بالقتل وطورد لفترة طويلة، إلى أن نجاه الله بمجموعة سيد علي بن حجر في المدية، بأن عصاب "الجيا" غلوا في التكفير، وتجمعهم الرغبة الجامحة في الذيح والتمثيل والتنكيل بمن حُكم عليه بالردة، وأنهم أوفياء لأفكارهم ومنهجهم التكفيري، وقد استعملتهم دوائر في الحكم كورقة للضغط، وتنظيمهم مخترق، وقد مارسوا أبشع أنواع التنكيل والتعذيب.

* إن النبتة التكفيرية في الجزائر تررعت في بعض أوساط الشباب الإسلامي الجاهل من الغالين في الدين، ولم تنشأ في أروقة أجهزة الاستخبارات، نعم تم توظيفها وتغذيتها، ولعل بعض المجموعات المسلحة كـ"كتائب الموت" خرجت من عباءة بعض أجهزة الحكم المتصارعة، لكنَ هؤلاء (أعني عناصر زوابري) احترفوا الإجرام حتى داخل أوساطهم بمنأى عن الاستخبارات. وقد واجههم سيد علي بن حجر ( أحد الفيادات الميدانية التي انخرطت في الهدنة)في جبال المدية (من أسخن المناطق في الجزائر)، وتصدى لمجازرهم في أكثر من واقعة، وراح ابنه ضحية مواجهات مع عناصر الكتيبة الخضراء التي يتزعمها عنتلر زوابري في ما عرف بعدها في المواجهات بين الجماعات المسلحة، وتمكن عناصر بن حجر من القضاء على المجرم جمال زيتوني الأمير السابق للجماعة الإسلامية المسلحة. وثمة معطيات لازالت حبيسة الصدور وفي طي النسيان، ولعلها تخرج إلى العلن في حينها.

وإن ما يمارسه بعض الإسلاميين الجزائريين المحسوبين على الجبهة الإسلامية في الخارج أو غيرهم، من تعتيم لهذه الحقائق وغيرها، وتغطية على اللوثات الفكرية داخل الوسط الإسلامي، هو من التدليس والتزييف للوعي وللتاريخ، وإن إنكار آخرين لهذه الحقائق هو من الهروب إلى الأمام، والتنكر للوقائع، والعيش على الأوهام والأماني، وإنه آن الأوان لأن يخوض الإسلاميون في الجزائر معترك التصحيح والاستدراك، ولا يستنكفوا عن المراجعة لأفكارهم وتجاربهم، كفى عنادا وكفى اعتدادا بالرأي. وإن أكبر مقتل أوتي منه الإسلاميون في الجزائر غياب قيادة علمية واعية، وغياب مشروعات مستقلة تحقق التواصل والتكامل، وأن من قادوا العمل الإسلامي – في أكثرهم، سواء من الجيل الأول أو الثاني- تصدوا لقضايا أكبر من عقولهم وقدراتهم ومؤهلاتهم، فآن الأوان لبروز جيل قيادي في مستوى التحدي العلمي والعملي من داخل الوسط الإسلامي يتجاوز التركة الموجعة ويستدرك على الجيل التأسيسي.

وإذ أسوق هذا الإستطراد، ليس لإلصاق تهمة الانفجار الأخير بعناصر الجماعة الإسلامية المسلحة، فمثل هذه الجرائم اليوم أصبحت من احتراف عصابات القتل ومافيا الإجرام التي تداخلت راياتها وهويتها، وإنما هي محاولة لنبش الجذور والمنطلقات.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر

b.hocine@mailcity.com

I have some questions : -First jazaka Allah for this effort, it's a good article, but you didn't talk about AIS were they wrong or not? second : When you talk about islamique work and the leaders of sahwa you talk only about FIS leaders are there any other leaders of sahwa in algeria and what do you think about them and their work.
Wa assalamou alaykom


Ahmad

The radical groups you mentioned remind me of Al-Khawarej groups when they considered all muslims outside their groups as heretics