آخر الأخبار

الوزير (الزَّاجِل) !..

2002-5-1 | بقلم : الدكتور محمد بسام يوسف الوزير (الزَّاجِل) !..

عندما أطلق الرئيس الأميركي (جورج دبليو بوش) قذائفه بعيدة المدى باتجاه الحكومة الصهيونية ، داعياً جيشها للانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلها مؤخراً .. كان السفّاح (شارون) يعرف يقيناً أنّ ذلك لم يكن إلا (مُزَاحَاً) يمارسه سيد (البيت الأبيض) !.. لكن عندما كرّرها (بوش) مرةً ثانيةً ثم ثالثةً .. فإنّ (شارون) ظنّ لوهلةٍ ، أنّ الأمر يدخل في إطار الجدّ وليس الهزل .. ثم استدرك وتذكّر بأنّ (البيت الأبيض) كله من بابِهِ إلى محرابِه ، قد أصبح شكلاً من أشكال (المُزَاح)  خاصةً بعد سلسلةٍ من الإحباط التي أُصيبَ بها، نتيجة فشله المتراكم في تحقيق أهداف الحملة الصليبية الأميركية في أفغانستان !..

لكنّ (بوش) أصرّ على أن يُثبت أنه يتربّع على عرش الدولة الأعظم في الأرض .. فأعلن عن قراره بإرسال وزير خارجيته (كولن باول) إلى المنطقة العربية ، للتوسّط في حلّ النـزاع القائم ، ونزع فتيل الانفجار الشامل فيها ، بكل تداعياته وذيوله !..

حين قَدِمَ (باول) إلى المنطقة ، لم يدخل بؤرة الصراع المتفجّرة في فلسطين .. إلا بعد أسبوعٍ من مغادرته واشنطن ، وكان قد استغرق حزم حقائبه أسبوعاً كاملاً أيضاً قبل إقلاعه من بلده !.. وقد زار (كولن باول) - قبل وصوله إلى فلسطين - .. المغرب ومصر وإسبانية والأردن ، ناقلاً رسائل رئيسه (بوش) إلى تلك الدول ، ثم وصل إلى فلسطين ، واجتمع بشارون ثم بعرفات ثم بشارون مرةً ثانية ، ثم طار مسرعاً إلى لبنان ثم إلى سورية ، ثم عاد إلى فلسطين فاجتمع بشارون ثم بعرفات !.. وكان في كل محطّاته يصرّح بما كان (شارون) قد صرّح به ، وينقل الرسائل الصهيونية الممهورة بالتهديد الأميركيّ ووعيده !..

كان (باول) يستلم الرسالة من (شارون) ، ليسلّمها إلى زعيمٍ عربيٍ في كل محطة ، على (أنغام) التصريحات (الناريّة) و(هدير) المواعظ والتهديدات الأميركية ، ضد العرب والمقاومة الفلسطينية والعمليات الإسلامية الاستشهادية ، التي كان يفجّرها الرئيس (بوش) من واشنطن ، الذي تحوّل بدوره إلى (ناطقٍ رسميٍ) باسم (شارون) وكيانه الصهيونيّ البغيض !.. وفيما كان (باول) يتلهّى بنقل الرسائل .. كان جيش (شارون) يمارس جرائمه بحق الشعب الفلسطينيّ المسلم الأعزل ، اجتياحاً وانتهاكاً وعدواناً وتدميراً وقتلاً وفتكاً .. بينما استمر هدير الخطابات العنصرية ضد الفلسطينيين والعرب منطلِقاً في كل الاتجاهات من واشنطن ، على لسان سيد البيت الأبيض وألسنة مستشاريه ومعاونيه وأعضاء إدارته المتصهينين !..

ثم غادر (باول) المنطقة ، بعد أن ازدادت اشتعالاً ، وازدادت شدّة العدوان الصهيونيّ إجراماً !.. ولم ينسَ أن يحمل رسائل أخرى في طريق عودته ليسلّمها إلى أصحابها !.. فيما كان الرئيس الأميركي يقترف خطأً فادحاً بحق (شارون) بقوله : (إنّ شارون رجل سلام) !.. ولولا أنّ اليهود الصهاينة بزعامة (شارون) ، قد اعتادوا على (مُزَاح) بوش .. لاعتبروا تصريحه ذاك إهانةً وتجنّياً وسبباً في سقوط الحكومة الصهيونية !.. ولكي لا تُصابوا بالدهشة ، نستذكر قول (شارون) عن حكومة سلفه (باراك) ، يوم اندلاع انتفاضة الأقصى المبارك في أيلول من عام 2000م : (كلما تحدّث العالَم عن وحشية حكومة "باراك" ، نَظَرَ لها الشعب الإسرائيليّ باحترام)!.. أي أنّ وصْفَ (بوش) لشارون بأنه (رجل سلام) ، بقصد تجميل صورته القبيحة وتسويقه عالمياً ، على أنه كائن بشري مثل كل الناس الذين خلقهم الله عز وجل .. سَيُفقِدُه ثقةَ اليهود الصهاينة المتوحّشين ، من أولئك الذين يشكّلون بُنية المجتمع الصهيونيّ اليهوديّ .. وهذا ما سَيُودِي بحكومته اليهودية يقيناً !..

حين كان وزير الخارجية الأميركيّ اليهوديّ (هنري كيسنجر) يحضر إلى منطقتنا في السبعينيات من القرن الماضي .. لم يكن يستغرق حضوره إليها أكثر من بضع ساعات ، هي المدّة اللازمة لقطع المسافة بين واشنطن وتل أبيب أو القاهرة أو دمشق أو الرياض !.. وكان (كيسنجر) يمارس سلوك الدولة العظمى التي يمثلها ، فيضغط على هذا ، وذاك ، وذلك ، وأولئك .. خلال جولاته التي عُرِفَت حينئذٍ بالجولات (المكّوكية) بين العرب والصهاينة .. ثم لا يخرج من المنطقة إلا وقد حَقَّقَ الهدوء والاتفاقات ، أو نَزَع فتائل الصراعات والأزمات والانفجارات الوشيكة !..

لكنّ (باول) ، الذي قَدِمَ إلى المنطقة بقناع (حمامة السلام) ، اقتصرت وظيفته على نقل الرسائل من النوع الذي يُكتَب على غلافها عادةً : (من فلانٍ إلى فلان .. وشكراً لساعي البريد) !.. فإذا (حمامة السلام) (كولن باول) .. تتحوّل إلى واحدةٍ من (حمام الزَّاجِل) ، من النوع المتقاعس البطيء ، الذي يستغرق وصوله إلى الهدف زمناً طويلاً !..

كانت أميركة تتصرّف تصرّف الدولة العظمى ، حتى في عهد اليهوديّ (كيسنجر) !.. أما اليوم فالدولة العظمى تحوّلت إلى : رئيسٍ أميركيّ الجنسية ، ينطق باسم السفّاح الصهيونيّ (شارون) .. ونائبٍ للرئيس اسمه (ديك تشيني) ، أصبح متمرّساً بالاختفاء والتخفّي في جحره الآمِن ، قبيل إذاعة كل تحذيرٍ صادرٍ عن الجهات الأمنية الأميركية المهزومة في نيويورك وواشنطن .. ووكالة استخباراتٍ لا حليف لها إلا الفشل الذريع في كل مهمة ، حتى لو كانت مهمة إنجاز مؤامرةٍ انقلابيةٍ في بلدٍ صغيرٍ مثل (فنـزويلا) .. و(حَمَامٍ زاجلٍ) في عصر السرعة الفائقة والإنترنت ، كُتِبَ على جَناحه الرشيق عبارة : (وزير الخارجية) .. ووزير دفاعٍ يهوديٍ منفوش الريش اسمه (دونالد رامسفيلد) ، مهزومٍ في أفغانستان المسلمة على الرغم من مكابرته الفارغة ورفضه الاعتراف بذلك كُتِبَ على جبينه عبارة : (وزير الخلل التقنيّ) .. وامرأةٍ أشدّ رجولةً من رجال (البيت الأبيض) - إن كان فيه رجال - ، تَشْغَل منصب مستشار الرئيس للأمن القوميّ ، اسمها (كوندوليزا رايس) ، لم تمنع عبقرّيتها الفذّة وقوع أضخم الهجمات المدمِّرة في التاريخ على المصالح الأميركية في عقر دارها  .. ووزيرٍ صهيونيٍ أميركيٍ اسمه (جون آشكروفت) ، ارتكب أفظع عمليات الظلم والتعسّف والعنصرية في تاريخ أميركة المعاصر ، كُتِبَ على باب مكتبه الفاخر عبارة : (وزير العدل) .. ومجلس (كونغرس) أميركيّ يقبض أعضاؤه ملايين الدولارات اليهودية ثمن خدمتهم للكيان الصهيونيّ ، ويُتقنون التصفيق للمجرم الصهيونيّ (شارون) ، أكثر من إتقان أعضاء البرلمانات الصُورية في بلدان العالَم الثالث ، التصفيق لزعمائهم القافزين إلى السلطة من على ظهر دبّابة !..

حين تتحوّل الدولة العظمى إلى هذه الحال من الانحطاط والخزي .. فليقرأ العالَم عليها السلام !.. لأنها مُنهارة لا محالة ، ولن يستغرق اندثارها زمناً طويلاً بإذن الله عز وجل !.. بشرطٍ واحدٍ فقط  هو أن يقوم المسلمون بالتصادم معها ودفعها بالطاقة المتوافرة ، على مستوى التخطيط الهادف الرصين المحسوب الأهداف والنتائج ، عقدياً وفكرياً وسياسياً واجتماعياً وتربوياً واقتصادياً وعسكرياً و .. ، ومستوى التنفيذ الجادّ الحازم الدؤوب ، وذلك بقدر الاستطاعة التي يُعذَر المسلمُ أمام الله عز وجل عند استثمارها بشكلٍ كاملٍ غير منقوص ، فينجو بهذا من عقاب ربه سبحانه وتعالى ، الذي يستحقّه حين تقصيره أو تخاذله أو قعوده عن نصرة دِينه وأمّته ، التي تتعرّض لأفدح الأخطار!.. لكن المدهش في هذا الأمر ، أنّ أي بناءٍ حين ينهار ويندثر ، فإنه سيجرّ معه كل ملحقاته و(ديكوراته) المرتبطة به .. يجرّها إلى السقوط والانهيار والاندثار أيضاً ، تماماً كما انهارت الأبنية الضخمة المجاورة لمركز التجارة العالميّ ، الذي سُوِّيَ بالأرض واندثر في (نيويورك) الأميركية !.. لذا ، فليقرأ العرب والمسلمون السلامَ كذلك ، على الكيان الصهيونيّ الذي يسمونه (دولة إسرائيل) ، أولى ملحقات أميركة المنهارة !.. أما الملحقات الهزيلة الأخرى و(الديكورات) ، التي نعرفها كلنا جيداً .. فهذه قد تستحق أن نقرأ عليها (الفاتحة) ، تقرّباً إلى الله عز وجل وزلفى ، وليس ترحّماً أو أسفاً !..

28 من نيسان 2002م

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

المهندس

الأخ الفاضل الدكتور بسام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله وبعد
أخي الفاضل: جزاك الله خير الجزاء عن كل ما قلت؛ فلقد أصبت كبد الحقيقة، وإنا لندعو المولى الناصر أن يعجل بنصره، وأن يأخدهم جميعًا أخذ عزيز مقتدر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


دنيا عبد الرحمن

مقالات الدكتور بسام عميقه وهادفه لكنها للأسف تعانى من كثره الأقواس مما يعوق من انسيابها الى العقل بسلاسه,وغالبا ما تركت المقال فى منتصفه لما أصاب عينى وعقلى من تشوش,ولو تخلصنا من الأقواس لما تغير المعنى, واذا أصر الدكتور فالأفضل أن يوضع المقال كله بين قوسين.


حمدى شفيق

احسن الدكتور محمد بسام تصوير الحال باوجز مقال.غير ان عندى تساؤل هامس وبرىء جداجدا:ماهى تلك الديكورات الهزيلة الاخرى التى تقصدها يا عزيزى؟ومامعنى الملحقات هذه؟وهل تقصد انها مجرد كائنات هامشية لاتقدم ولا تؤخر؟ان كان ذلك كذلك فاننى اعلن عن مسابقة يفوز فيها من يحدد هوية هذه الملحقات.والجائزة ستكون مقعد من المقاعد اياها فى احدى العواصم العربية!!!


الدكتور محمد بسام يوسف

بسم الله ، والصلاة والسلام على حبيبنا رسول الله ، وبعد:
فليس هناك ما يُغبَط له الكاتب ويُسَرّ به أكثر من اهتمام الإخوة والأخوات بما يكتب، فالاهتمام لا يأتي إلا بالاطلاع الواسع والقراءة العميقة الجادّة التي تحقق الفائدة مما نكتب، خاصةً في ظروفنا التي أقلع فيها كثير من الناس والمثقفين عن القراءة والمطالعة والدراسة، فضلاً عن البحث المعمّق.. وعلى هذا أشكر القرّاء الكرام كلهم، وأخص بالذكر أولئك الذين يعلّقون على ما نكتب ناصحين أو مسدّدين أو منبّهين أو مشجّعين، وبهذه المناسبة أعتذر للأخت دنيا عبد الرحمن عن كثرة الأقواس الضرورية في المقالات أحياناً، فإذا كنا عاجزين عن وضع بعض الطغاة ضمن حدودهم .. فلا أقل من وضع كلٍ منهم بين قوسين، خاصةً تلك الكائنات المنفلتة الهائجة من مثل: شارون ورامسفيلد وبوش وباول وآشكروفت ورايس وتشيني وكيسنجر ..و..و..إلى آخر قوائم الطغاة الجبارين في الأرض!.. وللأخ الكريم حمدي شفيق أقول: أرجو أن تكون مستعداً لتقديم الكثير .. الكثير من الجوائز، لأن الملحقات والديكورات معروفة جيداً جداً لكل ذي عينين في وطننا العربيّ والإسلاميّ المنكوب بديكوراته!.. وأقترح ألا تكون الجائزة ما ذكرت في تعليقك، فهذه عقوبة وليست جائزة!..
مع خالص محبتي وتقديري واحترامي.