آخر الأخبار

الفكرة المعطاء...وعيب القادرين على التمام

2002-5-1 | الفكرة المعطاء...وعيب القادرين على التمام

أوهام .....وإن تعلقنا بها

عشنا ردحا من الزمن تحت إيقاع "الخطة الشاملة"، وظل الصف الإسلامي ( وربما الأمة)، يتهيأ لتلقي مفردات هذه الخطة، الجماعات، التنظيمات، الفعاليات، التجارب، المشايخ.... توهمنا بوجود خطة، ومنهجية، وبرنامج عمل وحراك، وتوالت الأجيال المتعاقبة مكبلة بخطة لم يؤذن لها بالخروج؟!. وبما أن القيود ( التنظيمية والفكرية) كانت محكمة، من خلال البيعة، والمرجعية، وتوحيد مصدر التلقي ( ولا نعني به الإصطلاح الشرعي الذي هو الكتاب والسنة، ولكن بمفهومه الحركي)، والوفاء للتوجه والتيار ومشايخ الصحوة، والقيادة المركزية، والمرشد، والزعيم...فإن العمل الإسلامي، ظل حبيس قوالب وأقبية، وغاب التجديد، والتطوير في الآلية والمنهجية إلى أن ظهرت مقولات المراجعة والاستدراك والتصحيح، وسط ركام من المفاهيم والموروثات، والألقاب، أغرقت الساحة، وحجبت الرؤية المنصفة المتزنة.

وانبرى نقاد وكتاب ومفكرون، يحصون مثالب جيل التأسيس، ويستدركون عليهم في مختلف مراحل السير، وتحقق في الأمة قدر من الانقتاح على منابر التأثير والحسبة، وبرز مصلحون ينافحون عن الحصون الداخلية للأمة، من مظاهر التزييف والتمييع والهدم، وانتصب آخرون لكشف الاستراتيجيات الغربية ومخططاتها تجاه العالم الإسلامي، ونبغ جمع من المتابعين، في قراءة الفكر الغربي، ورصد اتجاهاته وتوجهاته، وتشكلت هيئات ومؤسسات "مستقلة" لا تسندها جماعة ولا تنظيم ولا حكومة، تمكنت من التحرر – إلى حد ما – من قيود التجارب السابقة، إلا أنها لم تسلم من بعض الأمراض "المزمنة" الداخلية ( أو ما يصطلح عليه بالبيت الداخلي)، ولم تتخلص من عقدة التعثر في بناء مؤسسة ذات خطة عمل واضحة ومحاور حراك معلومة، فأصابها وباء تخمة المشروعات والأفكار، مع قلة الإمكانات المادية والموارد البشرية، فحصل التضخم والاستنزاف في آن واحد، هذا في الوقت الذي تئن فيه هيئات أخر "مستقلة" من غلبة المال على الفكرة والمشروع، فتنوع الضخ المالي، وغاب المشروع المتميز الفعال.

وأمام هذا التنوع والتراكم الذي تعيشه الساحة الإسلامية، توالت أحداث وقضايا مست ضمير الأمة ووعيها( فلسطين، أفغانستان، الشيشان...)، إلى جانب طغيان مظاهر السيطرة والقسوة من جانب التحالف اليميني الأمريكي الصهيوني، و سقوط النظام العربي الرسمي في مستنقع الخذلان والقابلية، مما يفرض - عاجلا غير آجل – المبادرة بمشروع إصلاحي يجمع ثلة من العلماء والمفكرين والخبراء في هيئة تنسيق وتشاور مهمتها التوجيه والتأثير، يتفقون على خطة عمل واضحة، ودليل لإصلاح الأوضاع الداخلية للأمة – في حدود الإمكان وضمن نطاق الاستطاعة - ورفع مستوى الوعي لدى الأمة لمواجهة المخاطر والتحديات، والنصح والتوجيه للتجارب السياسية والقتالية والدعوية ...لكن بداية الفكرة اجتماع وتلاقي، وأكثر ما أنضج فكر مالك بن نبي، الجلسات التي جمعته بالمفكرين والسياسيين والإصلاحيين والاجتماعيين، لا يعقل أن تتوالى الأحداث، وتتجاوزنا التحديات، وتسبقنا التوقعات، وتغرق البلاد الإسلامية في مستنقع الفساد السياسي والإفساد الخلقي والقيمي، ونحن في جحورنا، وراء المكاتب أو الشاشات، أو في اللقاءات العابرة، نتحصن بجمهورنا وحاشيتنا ومحبينا ومناصرينا ومقربينا، ونتخندق في ثنايا تأملاتنا ونظراتنا وآرائنا والتقارير التي تصلنا، إنه ما لم نرحل لطلب التجميع الموزون والتلاقي الهادف وبلورة خطة عمل واضحة المعالم والأهداف، يجتمع عليها الخبير السياسي والاستراتيجي والعالم المصلح والمفكر الرزين والمؤرخ الحذق والكاتب المتزن، والداعية المجرب، وآخرون من أهل العلم والخبرة والإبداع والتجربة معا، تنحني ظهورنا ونعتكف على الخروج للأمة بدليل فكري و منهج عملي هادي يلتزم بأصالة الوحيين الكتاب والسنة، فإنه قد تمر السنوات وتتعاقب الأجيال دون أثر عميق على مستوى الأمة يذكر، أو إسهام بليغ في حياة الأمة، كيف يرضى المصلح الغيور لنفسه بالقعود، إذ الحياة يصنعها الجاهل والحزبي والأرضي؟

كيف يرضى المصلح أن يحبس فكره في ترقيعات وتقويمات وتأملات وقراءات، دون اهتمام جاد بفعالية الحراك والمواقف؟ وقد كان في زمن البنا وفي بلده مفكرون وكتاب وعلماء، لكنهم آثروا العمليات الذهنية والفكرية المجردة، إلى أن هب فيهم، عندما " اقتحم" مجلسهم ( وكان منهم محب الدين الخطيب، ومحمد رشيد رضا) وهو في مقتبل عمره، ينادي بإيجاد صيغة لترجمة الأفكار إلى واقع، والنزول إلى ساحات التأثير والاحتكاك بالأمة وعيش قضاياها، والبدء بإصلاح لواقع ومناهج، وليس التوقف عند ترويجه والمطالبة به، وقد أعجبتني صيحة أطلقها ناشط حقوق الإنسان التونسي المعروف منصف المرزوقي، عندما قال : " لقد آن الأوان أن نمارس حقوقنا، بدل أن نطالب بها فقط". نعم ثمة صعاب ومشاق، ولكنَها طبيعة العمل، وسنة حمل همَ الإصلاح.

طباع ذهنية مهلكة!

و ثمة توجه لا تخطئه العين في صفوف المثقفين ودعاة الإصلاح نحو إغراق الساحة – شعرنا بهذا أم لم نشعر- بالكتابة والكلام، ومحاولة إبراز الحق الذي نحوزه أو ندعيه للجميع في حد ذاته ليس عيبا، إذ إننا نعيش زمانا يعد فيه التفكير العلني وما يتبعه من البحث عن منابر مستقلة لإقناع الغير بأفكارنا بعيدا عن ضغط السلطة وجور الحاكم من المهمات الأساسية لداعية اليوم، ومن حق كل صاحب فكرة ورسالة أصيلة وهادفة أن يدلي برأيه في أفضل مكان يمكن أن يسمع فيه. لكن هل نتوقف عند خط البيان والإدلاء؟ إن هذا أشبه ما يكون بالدراسات الأكاديمية، حيث الانضباط بخطة البحث والتقيد الحرفي بسياسات المعهد، وملازمة الاتجاه السائد، وإملاءات التخصص وهذا النوع  مردوده  ضيق ونفعه محدود.

إن هناك مستوى أعمق في مهمة رجل الإصلاح، يتجاوز السطح، وهو إحداث تغيير في المناخ السائد، يؤصل مفاهيم العدل، ويرسخ الإقرار  بالحقوق والحريات المشروعة، وينافح من أجل تعميمها، ورفع احتكار القلة المشبوهة لمجالاتها. ولا شيء يستحق الاستهجان أكثر من تلك "الطباع  الذهنية لرجل الإصلاح" التي  تغريه  بتجنب المخاطر، أي الابتعاد عن موقف صعب ومبدئي يدرك أنه الصحيح، لكنه يقرر ألا يتخذه، فقد لا يريد الظهور في مظهر المنغمس جدا في السياسة، ويخشى أن يبدو مولعا بالجدل، ويحتاج إلى موافقة شخص ذي  سلطة، وبالتالي يظل في نطاق الاتجاه السائد الذي يراد تعميمه وتكريسه..إن هذه الطباع الذهنية هي العامل الأبرز لإفساد المصلح أو المثقف، وإذا كان بمقدور شيء  أن يمسخ حياة فكرية متقدة، ويقضي على تأثيرها، وفي نهاية الأمر يقتلها، فإننا قد لا نجد مثل تأصيل  هذه الطباع وترسيخها في النفس، وحمل الناس عليها.

ولا نزال نتأخر.....!

نحتاج إلى التأصيل الشرعي العقدي، وإبراز الهوية السياسية الإصلاحية، و تقارير موثقة تحكي استراتيجيات الغرب وعلى رأسه أمريكا، وتكشف المخبوء من الخطط، وتخرج بتوصيات، وكتاب يرفعون اللبس ويزيحون طبقات الجهل والتضليل والتدليس، ومؤسسات مستقلة يقودها أهل الاختصاص وليس المشايخ وأصحاب النفوذ المالي والسياسي، تسند الهيئة وتوفر لها منابر وقنوات، ومراكز دراسات تتوقع وتتابع وترصد، وهكذا...

جزء من سيرنا الراهن، التهمه النقد والتقويم والتصويب، وهذا في حد ذاته خطوة ملحة وظاهرة صحية، وجزء آخر اقتطع للتأمل والنظر والبحث عن صيغة للخروج إلى الجمهور، بمشروع يعكس رأي فرد أو فردين أو مجموعة صغيرة في أحسن الأحوال، ولا ضير، إذ المهم أن لا نتوقف، ونستمر في العطاء والتوجيه، وجزء آخر أنفقناه في التخبط في إدارة مؤسساتنا ومشروعاتنا، لأننا ظننا أن المعرفة وسعة الإطلاع والعلم، تسير المؤسسة، وضيقنا هامش التجربة والخبرة والرصيد، ولا زلنا نتخبط، وفي خضم هذه الانشغالات " فاجأتنا " أحداث وقضايا، فكل تعامل معها على شاكلته، وأذكر لما وقعت الانفجارات وأطيح بطالبان وتبنت القاعدة منطق المواجهة المكشوفة، ودمرت أفغانستان، أنفقت ساعات طوال مع جمع من المتابعين والغيورين، فهذا يبرئ القاعدة، وينتصر لموقف طالبان، وذاك بتوجس خيفة وحذرا من " توريطات" القاعدة، والآخر يتعوذ من "جهل" الملا عمر بأبعاد الصراع، ومن " استعجال" القاعدة للمعركة، وجرَ الأمة إلى مواجهة غير متكافئة وليس هذا أوانها، وفي غالب الأحيان، كنا نخرج من الجلسات مشتتين لكل وجهة هو موليها، ناهيك عن الحساسيات التي ظهرت والنفور – وإن كان مؤقتا- الذي علق بنا ( طبعا هذا على مستوى محدود ونطاق ضيق، لأنه قد لا يترتب عليه عمل أو تأثير)

لكنَ غيرنا خاصة من المصلحين والدعاة، أبرأ ذمته ببيان أو مقال، فهل هذا الأسلوب في المعالجة والمتابعة والإثراء يصلح لأن يقاوم موجات عاتية من التحديات والتهديدات والمخاطر؟؟! وهل نتوقف عند الإدلاء بوجهة نظرنا وإبراء الذمة الشخصية؟!.

وما لم تتشكل هيئة تجمع ثلة من أهل الفكرة والعلم والخبرة والمؤثرين والمصلحين، لإنضاج المواقف، وتفعيل التأثير والتوجيه، فإنه قد لا نقوى على الصمود أمام موجات حفر المناهج والعقول التي تهدد حصوننا الداخلية وتنخر مجتمعاتنا، ناهيك أن تقنع بمواقفنا تجارب قتالية أو سياسية أو غيرها، كيف يكون لنا أثر ونريد من الآخرين أن يستمعوا لتوجيهاتنا أو على الأقل المشورة، ونحن عاكفون منكفئون على رصيدنا ومنتوجنا، نروج له، ونبشر به!!!، نعم أن تكون لنا تجارب خاصة ومشاهدات ومواقف، فهذا مما لا يتنازع فيه عاقلان، لكنه من العيب، أن يعجز القادرون على التمام وهم في وسعهم ذلك. ولا مجال لتضعيف قدراتنا، وفرط التواضع، والإغراق في الوساوس، فإن هذا يضيع علينا فرصا وأوقاتا غالية، ويضيع علينا مصالح.

من مقال....إلى منتدى!

بإمكاننا فعل الكثير، لكنَ الحظوظ النفسية أثقلتنا أحيانا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه أعاقنا، والطباع الذهنية والأوهام قيدت حراكنا على تجاوز الحدود التي رسمناها لطموحنا وقدراتنا، كفانا تحليقا في المثاليات والأماني، و إغراقا في النظر والتأمل، وآن الأوان لإيجاد حركية فاعلة في الأمة، تلتف حول مشروع إصلاحي متكامل، وأمتنا تزخر بعلماء ربانيين ومفكرين نابغين وخبراء متميزين وكتاب مؤثرين و...، وواقع الشتات الإسلامي أكبر محرض حضاري، والتحديات التي تفرضها سنة التدافع مع قوى الهيمنة والسيطرة والاستكبار، محفز قائم. والذي نحتاجه بإلحاح وعلى عجالة الآن، من يجمع الصفوة من هؤلاء على مشروع مستوعب للأوضاع والمستجدات والتطورات، ودليل عملي، لتفعيل مهمة التأثير والتوجيه، وتوسيع مجالاتها.

ولعلَ الذي يتابع هيمنة المنتديات العالمية "المبشرة" بالعولمة، وفي مقدمتها المنتدى الإقتصادي العالمي الذي يعقد سنويا في " دافوس" بسويسرا، ويمثل كبار الشخصيات المؤثرة في عالم المال والأعمال، قد لا يتصور أصلا، أن ثمة فكرة قد تنضج، لمناهضة هذه الاحتكارات الضخمة والعملاقة، وتثمر تكوين منتدى عالمي آخر موازي يقدم طرحا بديلا ( في نطاق النسق الغربي)، ويركز على الجانب الاجتماعي في مقابل تركيز دافوس على الجوانب

الإقتصادية والمالية، من صاحب المبادرة في هذا الشأن؟ إنه ليس حكومة عريقة، ولا تنظيم ضخم، ولا شركة عملاقة، وإنما كاتب، ونقابي، ومفكر، وسياسي ونشطاء، جمعهم الهدف الواحد، وحفزهم التحدي، وحرضهم واقع الاحتكارات المالية، إذ يرجع الفضل في ظهور منظمةATTAC    Association For the Taxation of Financial Transaction for citizens Help  إلى مقال افتتاحي كتبه Ignacio Ramonet رئيس تحرير" لوموند دبلوماتيك" في ديسمبر 1997 بعنوان " نزع سلاح الأسواق"، وفي نهاية المقال تساءل رامونيه لماذا  لا تكون منظمة دولية غير حكومية باسم ATTAC ، وبالفعل تأسست منظمة ATTAC في اجتماع في باريس قي يونيو 1998 كأول هيئة دولية مناهضة للعولمة، وتمكنت خلال فترة أقل من عامين أن يكون لها فروع في 26 دولة موزعة على كل القارات. وإذا فحصنا عن أبرز شخصيات حركة مناهضة العولمة في الغرب، نجد منهم إلى جانب رئيس تحرير لوموند دبلوماتيك، صحفي آخر Bernard Cassen مدير عام لوموند دبلوماتيك ورئيس منظمة Attac فرع فرنسا، ومحام أمريكي Ralph Nader من المدافعين عن حقوق المستهلكين وحماية البيئة، ويحظى بتأييد واسع في المجتمع الأمريكي، وعضو نقابة صغار المزارعين في فرنسا Jose Bove، وأشهر شخصية تستقطب الإعلام العالمي عند تعرضه لمناهضي العولمة نظرا لتاريخه الطويل في حركة الاحتجاجات، ولفت أنظار العالم عام 1999 عند قيادته لمظاهرات حطمت أحد محلات " ماكدونالدز" في بلدته احتجاجا على الرسوم الجمركية على المنتجات الأوروبية، وأستاذ اللغويات الشهير في معهد ماساتشوسيت للتكنلوجيا في أمريكا، وأشهر يهودي مؤيد للحقوق الفلسطينية والعربية، وتلخصت فكرة هؤلاء في مناهضة العولمة على محور أساس وهو : مهما كانت قوة اندفاع تيار العولمة، فمن الممكن ليس فقط تخفيف قوة اندفاعه، بل يمكن أيضا تغيير اتجاهه. مقال جاد متزن يعرض فكرة تأسيس منتدى اجتماعي لمناهضة العولمة الجارفة، يتلقفها مهتمون مؤثرون، يجتمعون على خطة عمل، ويتمخض عنها دليل عملي فعال، ومشروع بديل - في إطار النسق الغربي- لمنتدى العمالقة الكبار.

تم غلق التعليقات على هذا الخبر

محمد

1/ تعرفة
2/ مساوية /مميزاتة
3/ طرق المعالجة