آخر الأخبار

احتجاجات العراق صراع بين تيارين شيعيين، أحدهما موال لإيران والثاني مناهض للقوى الحليفة لطهران

2019-10-6 | رائد الحامد احتجاجات العراق صراع بين تيارين شيعيين، أحدهما موال لإيران والثاني مناهض للقوى الحليفة لطهران

بقلم: رائد الحامد / كاتب وباحث عراقي

بعد انتهاء الحرب على تنظيم "داعش"، لم تعتمد الحكومة المركزية برامج تكفل إعادة البناء والحدَ من الفساد في مؤسسات الدولة التي انشغلت بالحرب أربع سنوات، أو الحدَ من نفوذ فصائل الحشد الشعبي التي هيمنت على قسم كبير من موارد العراق وثرواته وعلى القرارين الأمني والسياسي، ما هيأ الظروف لحالة من عدم التجانس في الوسط السياسي الشيعي المهيمن على السلطة منذ غزو عام 2003، وتهميش وإقصاء المكونات الأخرى عن القرار والتوزيع العادل للثروات.

في الحالة العراقية، فإن الحكومة المركزية فشلت حتى الآن في الاستجابة للتطلعات الاقتصادية وتوفير الخدمات الأساسية والقضاء على الفساد والتوزيع العادل للسلطة وتمتع المحتجين "الشيعة" بحقهم الطبيعي في ثروات بلادهم، بينما تتعدى هذه المشتركات لدى العرب السنة إلى الإفراج عن آلاف النساء المعتقلات في سجون القوات الأمنية وعشرات الآلاف من الرجال المعتقلين في تلك السجون وسجون فصائل الحشد الشعبي، إذ تشير تقارير إلى مسؤولية هذه الفصائل عن إخفاء وتغييب ما يزيد عن 8 آلاف من العراقيين العرب السنة بعد أحداث الموصل 2014.

وبعد ثورات الربيع العربي بنحو عامين، وفي مطلع عام 2013 تحركت المحافظات السنية ضمن نطاق الاحتجاجات المطلبية طيلة عام كامل من الاعتصام في المدن الرئيسية احتجاجا على الإقصاء والتهميش من قبل الحكومة المركزية التي تهيمن عليها الأحزاب الشيعية، واحتجاجا على حملات الاعتقالات العشوائية وتردي الخدمات الأساسية والإصلاح السياسي بتعديل بعض مواد الدستور والقوانين الخاصة بمكافحة الإرهاب التي تطبق على العرب السنة بشكل واسع دون غيرهم.

لم تتخذ القوى السياسية والدينية الشيعية موقفا داعما للحركة الاحتجاجية في المحافظات السنية، ما أفقدها مقومات ثورات الربيع العربي التي قادتها الشعوب في بعض الدول العربية دون تمييز على أساس المكون العرقي أو الطائفي. لذلك، ولأسباب أخرى، فإن الحركة الاحتجاجية الراهنة لا تزال بعيدة عن توصيف ثورات الربيع العربي.

شكل العرب الشيعة النسبة الأعظم من المحتجين، ومن خلال المتابعة لم يظهر ناشطون ينتمون إلى مكونات أخرى في ساحة التحرير وسط بغداد، كما إن الأحياء ذات الكثافة السنية في بغداد لم تشارك في الاحتجاجات حتى الآن، وكذلك المحافظات السنية.

وظلت الاحتجاجات محصورة في مطالب خدمية واقتصادية تتعلق بالفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة العراقية وعواقب تردي الأوضاع المعيشية، لكنها في هذه الموجة من "الغضب" غير المسبوق تجاوز سقف مطالب المحتجون إلى المطالبة بإسقاط الحكومة، وأصوات هنا أو هناك تدعو لإلغاء الدستور وإجراء انتخابات تشريعية جديدة، وابعد من ذلك استفتاء الشعب العراقي على المفاضلة بين النظامين البرلماني، المعمول به الآن، والرئاسي.

معظم المحتجين هم من الشباب الذين وُلدوا في سنوات الحصار بعد 1991، وشهدوا غزو العراق عام 2003 وهم صغار السن عاشوا على أحلام بمستقبل يُلبي تطلعاتهم، لكنهم بعد ستة عشر عاما من الغزو وجدوا أنفسهم في بلد تنهشه مجموعات الفساد وتغيب فيه حرية التعبير بانتظار مستقبل قاتم في ظل عدة حكومات فشلت في الاستثمار الأمثل للثروات النفطية وغيرها، بل على العكس من ذلك، بدَدت تلك الحكومات هذه الثروات واستغلتها عبر عمليات فساد منظمة لإثراء الأحزاب السياسية وقادة الفصائل المسلحة وغيرهم.

لم تكن هذه الموجة من الاحتجاجات هي الموجة الأولى، إذ سبقتها ثلاث موجات، لكنها هي الأكثر دموية والأكثر خطرا على مستقبل الحكومة العراقية ومجمل العملية السياسية. المحتجون في الحقيقة، هم من "الشيعة" حصرا، وكذلك الناشطون، مع وجود لا يكاد يُذكر من العرب السنة.

لذلك، فإن الاحتجاجات في حقيقتها هي صراع بين تيارين شيعيين، أحدهما موال لإيران وحليف لها، وهم الجهة التي تتولى مهمة قمع الاحتجاجات وتقويضها، في مقابل تيار شيعي آخر، مناهض للقوى الحليفة لإيران و"ناقم" على الحكومة المركزية ومؤسساتها المرتهنة للتيار الشيعي الحليف لإيران الذي يستأثر لنفسه ومؤيديه بالثروات والوظائف وغيرها.

لم يطرح المحتجون "الشيعة" أي مطالب خاصة بالعرب السنة، مثل تعديل أو إلغاء قانون مكافحة الإرهاب، والإفراج عن آلاف النساء السنيات المحتجزات في معتقلات الحكومة، والكشف عن مصير آلاف المغيبين والمخفيين قسرا في أثناء عمليات استعادة المدن من سيطرة تنظيم "داعش"، بالإضافة إلى ما يتعلق بعشرات آلاف من المعتقلين السنة دون محاكمات لفترات تتعدى العشر سنوات، وتوزيع المناصب والثروات وفق النسب التمثيلية التي اقرها الدستور العراقي وقضايا أخرى.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر