آخر الأخبار

لماذا تفشل الحماية الأمريكية مع المحمية السعودية؟

2019-9-21 | وائل عصام لماذا تفشل الحماية الأمريكية مع المحمية السعودية؟

أنفقت السعودية مليارات الدولارات لشراء ترسانة أسلحة حديثة، لتحل في المرتبة الثالثة عالميا بعد الولايات المتحدة والصين في الإنفاق العسكري، إنفاق لا يبدو أنه أتى أكله، ليس فقط  بسبب الهجوم الأخير الذي استهدف المواقع النفطية شرق السعودية، وقبلها العشرات من الهجمات الصاروخية من الحوثيين، بل أيضا بسبب عجز هذه الترسانة العسكرية من تحقيق أي نصر عسكري على الحوثيين، بأسلحتهم البدائية مقارنة بما تملك السعودية من صواريخ وطائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي حديثة.

في المقابل، فإن إيران الفقيرة ماليا، صنعت صواريخها واستخدمتها ولم ترصدها أجهزة الرادار الحديثة، ونجحت في إخفاء مكان إطلاقها عن رصد الأقمار الصناعية، بعد سنوات من العمل على تحوير وتطوير أنظمة صاروخية روسية وصينية وكورية شمالية، ودراسة ثغرات أنظمة الدفاع الأمريكية مثل باتريوت. فالحامي الخارجي ليس مهيئا دائما لممارسة دوره في الحماية، وها هو الهجوم الاخير يظهر أن واشنطن تنسحب أكثر من المنطقة، وتفقد سطوتها وتتلاشى صورتها المهيمنة في الشرق الأوسط لصالح قوى صاعدة .

الافتقار لعقيدة أمن قومي واضحة، والنعويل الكامل على الحماية الخارجية، ومحدودية الكفاءات المحلية، والاعتماد الكلي على شراء الكفاءات الخارجية، هي بعض من مجموع عوامل عديدة، لا بد أن تقود في النهاية إلى هذا المشهد المحرج للرياض، فالعامل البشري لا يمكن أن يعوضه الاكتناز المالي لدولة كالسعودية، وحتى الدعم الخارجي، العسكري والأمني، من قوة عظمى كالولايات المتحدة، لا يستطيع تعويض ضعف الكيانات التي تتلقى الدعم، وفي حرب اليمن ظهر بوضوح، تواضع القدرات الفنية والعقيدة القتالية لدى المؤسسة العسكرية السعودية، وغياب الرؤية في القيادة السعودية عن كيفية تحقيق ما يريدونه من أهداف في اليمن، وهذا ما أكدته صحيفة "نيورك تايمز"، إذ نشرت الصحيفة معلومات غاية في الأهمية عن أمثلة على محدودية القدرات السعودية، ومنها أن المخابرات الأمريكية أعطت الرياض معلومات عن 20 مقاتلا حوثيا تسللوا للأراضي السعودية، وأن الجيش السعودي فشل لساعات طويلة في التعامل مع الأمر، كما نقلت الصحيفة عن مدربين أمريكيين عسكريين قاموا بتدريب ضباط سعوديين، واشتكوا من ضعف مستواهم وقلة كفاءتهم.

ولعل هذا ما حصل ولو جزئيا في سوريا أيضا، مع بعض الفصائل التي تلقت دعما أمريكيا، لكن هشاشة تكوينها جعلها غير قادرة على توظيف الدعم بشكل مفيد أمام النظام .ولعل اللافت في الموقف السعودي والأمريكي كذلك، عدم تقديم أي بيانات أو معلومات أو صور، تظهر مكان إطلاق الصواريخ، فقد نقلت "وول ستريت جورنال" عن مصادر أمريكية، أنه رغم توجيه الاتهام علنا لإيران بالمسؤولية عن الهجوم، إلا أن الأمريكيين لم يحصلوا على صور من الأقمار الصناعية تظهر مكان إطلاق الصواريخ، وهذا ما أشار لمضمونه البنتاغون لاحقا في مؤتمره الصحافي، إذ تحدث المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية عن «تقنيات غير مسبوقة"، في العملية، ولعله يقصد تقنيات الإخفاء والتمويه عن الرادارات، لان الصواريخ نفسها لا يبدو أنها حديثة أو تحمل تقنية فارقة، لذلك فإن امتناع الرياض وواشنطن عن تقديم اي بيانات عن مكان إطلاق الصواريخ، لا يبدو أنه لأسباب سياسية تتعلق بعدم الرغبة في تصعيد الصدام مع إيران، بل هو لسبب تقني يتعلق بغياب المعلومات الفنية من أقمار صناعية ورادارات، فالاتهام لطهران بالمسؤولية عن الهجوم، صدر بالفعل من قبل الرياض وواشنطن.

البعض تحدث عن استخدام الإيرانيين لتقنية الصواريخ الروسية الأسرع من الصوت، التي أقر الأمريكيون بخطورتها، لكن الأرجح أن الصواريخ والطائرات المسيرة، بحد ذاتها ليست ذات تقنية عالية جدا، فهي مطورة من أجيال صواريخ قديمة، روسية وصينية، لكن أسلوب الإخفاء عن الرادار والقمر الصناعي هو الذي ميزها، خصوصا أسلوب التحليق المنخفض، الذي تحدث عنه المسؤولون الأمريكيون، وهو أسلوب شهير كثيرا ما استخدم لتحييد الرادارات، وقد استخدمته الطائرات المصرية في حرب أكتوبر بعملية خط بارليف الشهيرة، كما أن هناك تقنية أخرى هي الطلاء لجسم الصاروخ أو الطائرة، الذي يمنع انعكاس موجات الرادار وارتدادها لكشف موقع الجسم الطائر، ولكن لم تنشر أي معلومات تتعلق باستخدام هذه التقنية حتى الآن.

وتبقى مسألة تحديد موقع إطلاق الصواريخ تحمل مغزى خاصا، تقنيا أكثر منه سياسيا، فمن الناحية السياسية فإن تحميل إيران المسؤولية، قد صدر علنا من واشنطن والرياض، ولكن لم يتم تقديم ما يظهر موقع الإطلاق كما قلنا، وهو الفرق الذي سيميز بين أمرين، بين قيام إيران نفسها بالعملية، أو قيام وكلائها بالعملية، من الخليج العربي مثلا أو من جنوب اليمن، واللافت أيضا، أن هناك ثقة عالية من طهران بقدرتها على إخفاء مكان إطلاق الصواريخ، وقد ظهر هذا في النفي الرسمي من إيران عن العملية، والرسالة التي أرسلت لواشنطن من خلال السفارة السويسرية، بعدم المسؤولية عن العملية، ويبدو أنه من المستعبد، قيام الإيرانيين بالتأكيد على عدم مسؤوليتهم عن العملية، لولا أنهم واثقون من صعوبة كشف إطلاق الصواريخ من أراضيهم، أو أن العملية نفذت بالفعل من خلال الحوثيين، وان بتقنية وصواريخ إيرانية.


تم غلق التعليقات على هذا الخبر