آخر الأخبار

كانت جمعة رائعة عظيمة مهيبة

2019-9-20 | خالد حسن كانت جمعة رائعة عظيمة مهيبة

كانت جمعة حراك الجزائر الثوري اليوم عظيمة، مهيبة، مُبهرة، أبكت الأحرار فرحا، فالاختبار ليس سهلا..اندفاع السلطة الفعلية الأهوج وصممها وعنادها وغلقها لمنافذ العاصمة بلغة الوعيد والتهديد، وغرفة العمليات تضيق الخناق وترصد استعدادا للخطوة الأمنية الموالية، وهواجس الاستدراج والاستفزاز كانت مسيطرة على عقل الحراك..

ندرك أن حراكنا قوة معطلة لمخطط السيطرة والتحكم، وندرك أنه ليس كتلة مهملة، وإن أمعنوا في احتقاره وازدرائه والتهوين من شأنه، لكنه قلب الطاولة عليهم وأربك تدبيرهم..

إن أرهب الترويع والتخويف أهل الحراك، فتراجع زخمه، فهذا يُسهَل المهمة على بسط السيطرة والهيمنة للأقلية المتغلبة، لكن هل يمكن توقع الطوفان وتدفق المتظاهرين، لا أدري، عقلي توقف عن التفكير في منتصف ليلة الجمعة، ما عدت قادرا على التوقع، كان يوما طويلا...لكن في الأخير: هل يطيق الحراك تحمل عبء تحدي الغلق والتهديد؟ لا أدري...لكن هذا كل ما نملكه في معاركتنا المصيرية اليوم ضد الاستبداد، ولكن لا يمكننا إرهاقه وتوقع التدفق البشري...رجاء لنصبر إلى صبيحة الغد (اليوم الجمعة)..بدأت الرسائل تتوالى مع انبلاج فجر اليوم...تمكنا من دخول العاصمة..فرحة عارمة...بدأت الجموع تتوافد منذ ساعات الصباح الأولى....الكل حذر ويرقب الوضع....لا أحد بإمكانه توقع حجم الحشد، لكنهم حاسم اليوم وله ما بعده..هي الجمعة الأولى بعد التصعيد الأمني وخنق العاصمة وغلق منافذها..

تدفقت الجموع بعد صلاة الجمعة...لم أقنع بما رأيت..زاد قلقي..يسأل بعضنا بعضا: ماذا عن الحشود..لا أحد يقطع بالإجابة....اهتزت الشوارع بالشعارات والهتافات..كأنما هي حمم تنفجر وتتدفق من صدر يغلي من الغضب كالمِرْجَل..ثم بدأ حشدُ الأحرار والحرائر ينهمر من كل صوب..لا أكاد أصدق ما رأيت..انطلقت الجماهير كالسيل العرم لا يوقفها شيء....كان مشهدا رائعا ذكرنا بجمع الحراك الخوالي...

كم هو عظيم هذا الحراك في حشده ووفاء أهله وقوة منطقه واندفاعه الواثق وتصميمه الرائع...هذا يوم عظيم له ما بعده...كل المخططات التي اعتمدتها "غرفة العمليات" لإجهاض الحراك لم تصمد أمام عزم وإصرار صناع المجد والحرية ومُحطَمي الأغلال..

الحراك رفع سقف الممكن ومضى في طريقه، وقدرته على التحمل فاقت التوقعات..وهو لا يستجدي ولا يستعطف السلطة الفعلية، بل يمضي متحديا رافضا لمنطق التخيير بين القهر السياسي والغرق في الفوضى...

الحراك لن يحسم قضيته الكبرى في جمعة بعينها، ولا يربط مصيره بموعد ولا بانعطاف ولا بتصعيد، فجمعة اليوم اختبار حقيقي لوعي الحراك واتزانه ونفسه الطويل، فهي الجمعة الأولى بعد تشديد القبضة الأمنية وإحكام الحصار والغلق، لكن لا يتوقف عليها مستقبل المعركة مع الاستبداد والطغيان السياسي..لن نُستدرج لفخ التهييج والتحريض والصدام..ولن نُحمل الحراك فوق ما يطيق وما يحتمل، ولن نُغامر بقضيته المركزية لنزجَ به في متاهات الانسياق وراء صيحات مشبوهة مجهولة الحال...حراكنا شرفنا وعزنا وأقوى وأوعى ما نواجه به حكم التغلب والهيمنة...

وهذه الجمود الحاشدة المؤثرة المُصمَمة ما عادت كتلة بشرية مُهملة، فرضت منطقها وصار يُحسبُ لها ألف حساب، بل فرض الحراك الشعبي نفسه طرفا مؤثرا في ميزان القوى، لا يمكن تجاوزه ولا تخطيه، ولا تُفلح معه أساليب الغلق والقمع وأدوات السيطرة..كل أجهزة الدولة تُعاديه (إجمالا)، لكن قويَ بحاضنته الشعبية بوعيه وإصراره وتجاوزه للعقل السياسي التقليدي، لم يربط مصيره بطرف ولم يصنع له رأسا، بل خطَ مساره الثوري بمنطقه الثوري العاقل ومضى بعيدا في طريقه..


تم غلق التعليقات على هذا الخبر